اليسار المصرى: الأزمة والمخرج (اجتهادات أولية)

كتب : كامل السيد*

كان اليسار المصري في السبعينات والثمانينات يبشر بفعل سياسي شعبي كبير يدفع الحركة الوطنية للأمام ويحقق توازنا مهما في الحياة السياسية مستفيدا من الحياة السياسية النشطة آنذاك وكان حزب التجمع هو بيت اليسار المصري الذي يتبنى قضايا الوطن والجماهير مدافعا عن الفقراء والمهمشين محافظا على مسافة كافية من السلطة تجعله حزب المعارضة الرئيسي، وكانت كاريزما خالد محي الدين وشخصيته التاريخية والقيادية دافعا قويا للحركة اليسارية، وكانت صحيفة الأهالي منبرا للحرية وصوتا للضعفاء وسوطا شديد القسوة على السلطة بكل جبروتها وليس كما هو الحال الآن، إلا أن الأمر قد تغير بعد سقوط الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي حيث فقدت التيارات الاشتراكية كثيرا من مصداقيتها فهي لم تستوعب أثر إخفاق التجربة الاشتراكية بعكس اليسار فى أمريكا اللاتينية وأوروبا، ولم تغير خطابها السياسي المتعالي ليتواءم مع الفقراء والمهمشين والعمال والفلاحين والحرفيين وسكان العشوائيات مما أدى لعزلتها واستسلمت للضربات الموجهة لها وركز كثير من مثقفيها على التصدي لتيارات الاسلام السياسي (الاخوان المسلمين تحديدا) دون التصدي للسلطة القائمة بل تم التحالف مع نظام مبارك القمعي الفاسد بحجة الدفاع عن الدولة المدنية في مواجهة مشروع الدولة الدينية الذي تطرحه قوى التأسلم الظلامية اعتقادا أنه يمكن تغيير النظام الحاكم من داخله بينما ارتأى يساريون آخرون أن الحل يكمن في المعارضة الجذرية فتحالفوا مع تيارات الاسلام السياسي لتغيير النظام استفادة من جماهيرية الاخوان حتى لو وصل الأمر لاسقاط الدولة لاقامة النظام البديل.

اضافة لعدم قدرة اليسار على إبداع أشكال تنظيمية جديدة وبعده عن انتهاج أساليب عمل سياسية تتلاءم مع التغيير الجوهري الذي حدث في الهيكل الاجتماعي وعدم القيام بمراجعات فكرية بشأن قيادة الطبقة العاملة للحركات الاجتماعية والصراع الطبقي وملكية الدولة والموقف من القطاع الخاص ومن الدين في مجتمع متدين بطبعه ومراجعة الأصول الفكرية المتناقضة مع الديمقراطية والحزب الواحد وحتمية الحل الاشتراكي في ظل انهيار الاشتراكية وتجديد الرأسمالية لنفسها وتقديم برنامج بلغة مفهومة لحل المشاكل القطاعية والاقتصادية التي يعاني منها فقراء الوطن وإنتاج رؤية تنويرية تواجه الأصولية الدينية المتطرفة الإقصائية التي لاتعترف بالوطن.

ويمكن تلخيص أسباب الأزمة فيما يلي :-

1 – تفتت قوى اليسار وتشرزمها وافتقادها لرؤية موحدة.

2 – عدم القدرة على طرح سياسات بديلة للسياسات القائمة مقبولة جماهيريا.

3 – العجز عن فهم طبيعة المرحلة التي يمر بها المجتمع بعد ثورتي 25 يناير و 30 يونيو وافتقادنا لقيادات يسارية مؤثرة جماهيريا.

4 – ضعف التنظيمات اليسارية وضعف عضويتها وعدم القدرة على الحصول على مردود تنظيمي لنضالها في أوساطها الجماهيرية.

5 – عدم اهتمام الأحزاب اليسارية بالشباب وتمكينهم حيث أن معظم قيادات اليسار تجاوزت سن الستين.

6 – الفوضى التنظيمية التي أصابت اليسار بعد ثورة 25 يناير.

7 – استسلام اليسار لواقعه المتردي وعدم سعيه لتقديم نفسه جماهيريا بشكل جيد أدى لعزلته جماهيريا.

8- ضعف الإمكانيات المالية لليسار المصري.

وهذا لايمنع من السير في طريق حل الأزمة من خلال :-

1 – النقد الذاتي الموضوعي لأداء اليسار المصري.

2 – فتح حوار حول العمل اليساري المشترك وفقا للحد الأدنى من التوافق والاندماج في كيان يساري كبير.

3 – اعتماد الحملات الإعلامية والبيان السياسي بلغة مفهومة جماهيريا لإظهار الرؤية اليسارية تجاه حل مشكلات الوطن.

4 – تحديد موقف واضح ونهائي من الدين في مجتمع متدين بطبعه.

5 – فتح الطريق أمام جيل جديد يتولى زمام القيادة في الأحزاب اليسارية.

6 – البحث في الواقع باستخدام العلم لاستنباط الاشتراكية المناسبة لمصر والتي تقنع المصريين أنها سترتقي بمستوى حياتهم وتقديم وسائل مقنعة لتحقيق ذلك.

7 – تقديم رؤى منطقية تكفل تحقيق أهداف ثورتي 25 يناير و 30 يونيو انطلاقا من فهم صحيح لطبيعة المرحلة الانتقالية والواقع المصري بعد الثورتين.

8 – التخلص من القوالب الأيديولوجية الجامدة وإعادة النظر في مفاهيمنا والاعتماد على العلم بشكل أساسي ومراعاة تغيير التركيبة الاجتماعية الآن والمتغيرة كثيرا عن ماقبل السبعينات وفهم دقيق لطبيعة المرحلة الانتقالية.

9 – خوض الانتخابات بدءا من المحليات اعتمادا على الجماهير والاهتمام بالحريات والديمقراطية أكثر وتقديم تصور واضح لمفهوم العدالة الاجتماعية كقضية محورية في اليسار.

10 – تحديد كيفية التعامل مع المتغيرات وتطوير خطابنا السياسي ليتوائم مع فهم الجماهير واستيعابها.

11 – الاهتمام بالتدريب والتثقيف الحزبي ورفع وعي الجماهير.

12 – ضرورة الاشتباك مع السياسات القائمة التي قد تؤدي بالبلاد إلى كارثة غير مأمونة العواقب مهما كان مصدرها الرئيس أم الحكومة دفاعا عن مصالح غالبية الشعب المصرى من الفقراء ومحدودى الدخل.

ولابد من الاستفادة من التجارب العالمية اليسارية خاصة فى أوروبا وأمريكا اللاتينية وأن نتوحد كيسار مصري بكل فصائله الماركسية والناصرية بعيدا عمن يمولون تمويلا أجنبيا لأن ولاءهم لمموليهم فقط وفقا لبرنامج الحد الأدنى مع احترام خصوصيات كل تيار سواء التوحد على عمل أو أعمال أو فكرة أو برنامج للحد الأدنى المشترك من التوافق للتصدي لتوحش الرأسمالية ولتحقيق العدالة الاجتماعية والديمقراطية، ونثمن توحد التيار الشعبي وحزب الكرامة كبداية على الطريق الصحيح، فالتاريخ لايرحم وسيحاسبنا حسابا عسيرا.

* تلك دراسة أقدمت عليها من قبل وأعيد طرحها للنقاش العام كاجتهاد مني لعلها تسهم في إدارة حوار خلاق يخرجنا ولو خطوة من ضعفنا المتهالك لأنني أؤمن بأنه بدلا من أن تلعنوا الظلام أشعلوا شمعة. والأمر يحتاج لمجازفات فخير لنا أن يكون بيننا مجازفين مهووسون بدلا من أن يقتلنا السكون وهناك اجتهادات كثيرة لغيرى في هذا المجال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons