الحصص النسائية في السياسة: حق ديمقراطي أم تمييز ضد الرجال؟

كتب : نادر عازر*

لماذا يتم التسامح، بكل بساطة، مع أخطاء الرجال السياسية والإدارية والقيادية، ويعتبرون بَشَراً، فيما يَنصَبّ الغضب على أخطاء النساء، ويعتبرن قليلات الكفاءة، وغير مؤهلات، وأن مشاعرهنّ تتحكم بهنّ… إلخ من هذه الأساطير الذكورية؟

رغم أن المرأة تمثل نصف المجتمع، تقريباً، في جميع دول العالم، إلا أن نسبة تمثيلها السياسي ضعيفة جداً، ولا تصل إلى النصف إلا في دولتين في العالم فقط، برلمانياً.

لو نظرنا سويّةً إلى حال التيار اليساري العربي العام، والماركسي، كأحزاب أو كتجمّعات، لوجدنا تمثيلاً نسائياً هزيلاً، بشكل واضح، لا يحتاج إلى أبحاث لاكتشافها.

لكن هل يكفي أن نلوم النساء لعدم مشاركتهن في السياسة؟ ألا يجب أن نضع القضية ضمن أولوياتنا كيساريين وكثوريين؟ وأن نعمل على تبيئة سياستنا ليس فقط في المجتمع المحلي، بل في الوعي النسائي أيضاً، وأن نصل إلى وجدانهنّ، بدل أن ننتظر وصولهنّ إلى وجداننا.

ألا يجب أن تكون أولوياتنا العمل على تحطيم الهيمنة الذكورية السائدة في المجتمع، وفقاً لإمكاناتنا؟

نقاشات حادة وانقسامات

دولياً، وفي العقود الأخيرة، كثرت الدعوات من أجل زيادة أعداد النساء المشارِكات في السياسة، بسبب التقدم البطيء في هذا المجال، في عالم الليبرالية الجديدة، والحاجة إلى اتباع أساليب أفضل للوصول إلى توازن بين الجنسين، وبالتالي دخلت فكرة الحصص أو “الكوتا النسائية” (quotas) لتسريع عملية المساواة.

يضاف إليها الضغوط النسوية المطالبة بمساواة النتائج (equality of results)، بدل “مساواة الفرص”، بحجة أن تكافؤ الفرص الحقيقي لا يتحقق بمجرد إزالة العوائق، وذلك بسبب وجود تمييز مباشر ضد النساء، وأنماط معقدة من الحواجز الخفية أمامهنّ، تمنع من اختيارهنّ كممثلات سياسيات ومن منحهنّ حصتهنّ، ونفوذهنّ السياسي.

الحصص بشكل عام، تهدف إلى تحقيق نسبة أقلية تمثيلية “كبيرة” بين 30٪ إلى 40٪ وحتى 50٪ أحياناً، للتغلب على المشكلة، وإزالة الحواجز الهيكلية التي تواجه المرأة في العملية الانتخابية.

لكن هذه القضية أصبحت موضع جدل كبير في العالم، وتثير نقاشات حادة تصل إلى حد الانقسامات، ليس فقط في الحكومات والبرلمانات والأحزاب، بل في المنظمات والشركات.

هناك دول تطبق نظام الحصص بصرامة في العديد من المجالات، ومن المثير أن العديد من هذه الدول لا تعتبر “متطورة”، فيما نجد أن إشراك المرأة في الدول العربية، خجول جداً، وخاصة في سوريا.

أنواع الحصص

ازدادت، في السنوات الأخيرة، أعداد الدول التي تُدخل الحصص النسائية في السياسة، وبحسب أرقام المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدات الانتخابية السويدي IDEA، فإن نصف دول العالم اليوم تستخدم نوعاً من أنواع الحصص في برلماناتها أو مجالسها المختلفة، لكنها تختلف في طريقة التنفيذ.

وبحسب المعهد السويدي فإنه يوجد ثلاثة أنواع للحصص حالياً:

1- مقاعد محجوزة (دستورياً و/أو تشريعياً)، وتنظم عدد النساء المنتخبات.

2- حصص ترشيحية قانونية (دستورياً و/أو تشريعياً)، وتحدد الحد الأدنى لنصيب المرأة في قوائم المرشحين.

3- حصص حزبية (تطوعياً)، وتحدد الحد الأدنى لنصيب المرأة في قوائم المرشحين الحزبية، كإجراءات إلزامية للأحزاب. ويمنع، غالباً، وضع النساء في أسفل القوائم، مثل الأرجنتين وبلجيكا.

في خضم هذه “المعمعة” تأتي حجج منتقدي الحصص النسائية كالتالي:

  • أنها تمييز ضد الرجال المنافسين على المركز/المقعد، وتعطي الأفضلية للنساء.
  • وضع المرأة كـ “حصة” يقلل من احترامها وقوتها.
  • الحصص تحرم الرجال الأكفاء من المراكز.
  • الحصص تجعل من النساء يتنافسن على مراكز محددة، وهذا يسيء إلى التعاون والوحدة.
  • تحديد الحصص يجعل من النظر إلى مقاعد المرأة على أنه السقف أو الحد الأقصى، بدل الحد الأدنى، ما يسيء للمساواة على المدى البعيد.
  • الحصص المفروضة على الأحزاب غير ديمقراطية لأن الناخبين يجب أن يتمكنوا من اختيار ممثليهم.
  • الحصص تفرض انتخاب السياسيين على أساس الجنس وليس الكفاءة.
  • فرض الحصص يخلق صراعات كبيرة داخل المنظمات الحزبية.
  • الحصص تسيء إلى مبادئ الديمقراطية الليبرالية، وتساوي الفرص.

هذه الأسباب من أساسها تتضمن تحاملاً على المرأة، وتفترض سلفاً أنها أقل كفاءة من الرجل “الكامل الذي لا يعيبه شيء”، وأن المنافسة بين الرجال تجري بالزهور والمناديل الورقية.

لماذا لا نقول إن الرجال يأخذون مقاعد النساء، وحصتهنّ المحقة، ويساهمون مباشرة في حرمانهنّ من المشاركة؟

في المقابل يرى مؤيدو نظام الحصص، من ضمنهم كاتب هذه السطور، أنها تعزيز للديمقراطية وتقوية للنساء وضمان لوجودهنّ في المجالس السياسية. ومن حجج المدافعين عنها:

  • أنها الوسيلة الأسرع والأكثر فعالية لضمان مساواة العدد بين الرجال والنساء في المجالس.
  • أنها تفكك الدوائر النخبوية الذكورية الثابتة والراسخة وصعبة التغيير.
  • أنها تزيل العوائق التي تمنع النساء من أخذ نصيبهن العادل من المقاعد السياسية.
  • زيادة عدد النساء يخفف من الضغط النفسي الموجود لديهن فيما لو كنَّ أقلية صغيرة.
  • النساء لديهن حق في التمثيل المتساوي كمواطنات يمثلنّ نصف المجتمع.
  • أن الانتخابات تهدف إلى التمثيل العادل وليس إلى عرض المؤهلات التعليمية.
  • أن الترويج للمرأة في مراكز القوة والسلطة يجعلها نموذجاً يحتذى به.
  • أنها تصحح التمييز الموجود ضد المرأة.
  • المرأة لها كفاءة مثل الرجل، لكن يجري تصغير ذلك في نظام سياسي يهيمن عليه الرجال.

ورغم ذلك فإن الحصص قد لا تزيل جميع العوائق، لكنها تشكل قفزة تاريخية في تمثيل المرأة السياسي، في نظامنا الحالي.
ويتأثر تطبيق الحصص النسائية بالتوصيات الدولية، وعبر الإلهام من البلدان الأخرى.

وبحسب أرقام البنك الدولي لنسبة المقاعد التي تشغلها النساء في البرلمانات الوطنية حول العالم لعام ٢٠١٦، فإن أعلى المعدلات كانت في:

1- رواندا 64٪

2- بوليفيا 53٪

3- كوبا 49٪

4- آيسلندا 48٪

5- السويد 44٪

تليهم السنغال والمكسيك وجنوب إفريقيا والإكوادور وفنلندا.

المشاركة النسائية البرلمانية على المستوى العربي، وفق الترتيب نفسه:

37- الجزائر 32٪

40- تونس 31٪

45- السودان 31٪

61- العراق 27٪

76- الإمارات العربية المتحدة 23٪

أفغانستان، غير العربية، حققت نسبة 28٪، وهي أفضل من العراق والإمارات.

فيما جاءت سوريا بالمرتبة 136 بنسبة 13٪ متأخرة عن الصومال، التي حلّت بالمرتبة 132 بنسبة 14٪.

دولياً، وعلى مستوى الوزارات، فإن الحكومة السويدية، مثلاً، حققت مساواة تامة، حيث نصف وزرائها نساء.

على مستوى الشركات، تفرض فرنسا وإسبانيا والنرويج وآيسلندا على الشركات المدرجة في البورصة نسبة 40٪ من المناصب غير التنفيذية في مجالس إداراتها.

هل العيب في النساء أم العيب فينا؟

إن وجود العنصر النسائي ضروري ومؤثر في أي مجموعة كانت، وغيابهن يعيق نموها وتطورها، ويفقدها حيويتها، ويحول النخبة الذكورية القيادية إلى مجموعة متحجرة في طور التحول إلى مستحاثات.

ألا يتسبب حرمان المرأة من أخذها لفرصتها، من منعها من مراكمة الخبرة والتعلم من الأخطاء؟ كما يفعل الرجال “الكاملون”.
من واجبنا كيساريين وكماركسيين منفتحين أن نكون مثالاً للآخرين وسبّاقين ونموذجاً يحتذى به، وخاصة في هذه القضايا، وأن نجعل قضية المرأة إحدى جواهر فكرنا الثوري والتغييري.

يتوجب علينا في كل اجتماع ولقاء ومؤتمر، إعطاء الأولوية لقضية جذب العنصر النسائي، وتحديد الأسباب التي تعيق وصولنا إليهنّ، وأن نسأل أنفسنا دوماً، هل العيب في النساء أم العيب فينا؟

*السويد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons