الوزير السوداني - مبارك الفاضل المهدي

السودان على خطى سياسة التطبيع

كتب : محمد جبر الريفي*

لم يعد موقفا غريبا خارج سياق السياسة العربية الرسمية أن يخرج علينا وزير سوداني ينادي بتطبيع بلاده السودان بدولة الكيان الصهيوني العنصري الذي يرفض كل مبادرات السلام وفي المقدمة منها مبادرة السلام العربية التي طرحتها السعودية في قمة بيروت فكثير من الدول العربية يتبنى الآن هذه الدعوة بل إن بعضها قطع أشواطا في عملية التطبيع تحت أشكال مختلفة إعلامية (قطر) وسياحية (الإمارات) لكن المعيب والمسيء في الأمر الذي ينافي الانتماء القومي والالتزام الديني هو في تبرير دعوة هذا الوزير السوداني كونه عضو في حكومة نظام البشير (الإسلامي) بترويج التهمة القديمة الجديدة التي روجتها الحركة الصهيونية العالمية وأجهزة الإعلام الغربية الاستعمارية من منطلق إيجاد شرعية لقيام الكيان الصهيوني إضافة للادعاءات الدينية التوراتية والتقطها بعض الكتاب الرجعيين العرب عملاء الغرب وضخموها بشكل يجعل من السهل على بعض الأنظمة العربية أن تنفض يدها من عبء الهزيمة والتخاذل عن نصرة شعبنا الفلسطيني.

هذه التهمة التي تزعم بأن الفلسطينيين باعوا أرضهم لليهود؛ مفارقة عجيبة في الواقع يضعها أمامنا هذا الوزير السوداني تبين لنا مدى التراجع والانحطاط الذي أصبح عليه الموقف العربي الرسمي وكذلك مدى التزوير التاريخي والتشويه الخطير لعدالة القضية الفلسطينية الذي يساهم به بعض الكتاب والمثقفين العرب ممن وظفوا اقلامهم الرخيصة والمأجورة في خدمة المشروع الأمريكي الصهيوني الذي يخطط مستقبلا للمنطقة العربية ففي السودان الشقيق انعقد مؤتمر القمة العربي بعد هزيمة يونيو/حزيران 67 مباشرة وكانت قراراته قومية تاريخية لأنها عبرت بصدق حقيقي عن مواقف الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج التي رفضت قبول الهزيمة وقالت كلمتها التي تبنتها قمة الخرطوم بلاءاته الحاسمة القاطعة الثلاثة لا تفاوض لا صلح لا اعتراف بالكيان الصهيوني العدواني الغاصب الدخيل.

فرق كبير إذن بين سودان 67 الذي عاصر فترة الصمود العربي في مواجهة النكسة وكان وقتها إسماعيل الأزهري رئيسا للجمهورية السودانية بحدودها السياسية التي كانت عليها يوم حصلت على استقلالها الوطني وبين سودان اليوم الذي اقتطع منه جنوبه في ظل نظام البشير (الإسلامي) وقد اشتد في هذا الزمن الميل إلى القبول بالتطبيع عند بعض الأنظمة حتى قبل تحقيق التسوية السياسية.

في ظل تصاعد دعوات التطبيع واتساع قاعدتها لتشمل بلدا عربيا بعيدا من الناحية الجغرافية عن ساحة الصراع الرئيسية فلسطين، كالسودان مثلا ومن خلال تأثير دول الخليج العربية الثرية بالمال النفطي الذي يمنح الآن كرشوة سياسية للدول الفقيرة لشراء مواقفها السياسية والتي بدأت ترى هذه الدول في الكيان الصهيوني حليفا يمكن الاعتماد عليه في مواجهة ما يوصف بالخطر الإيراني يمكن القول: أن محاولة فك الارتباط بين القضية الفلسطينية وبين قضايا شعوب الأمة العربية القطرية كما يجري الآن من خلال تسارع دعوات التطبيع مع الكيان لن يكتب لها النجاح وذلك لأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو بالأساس صراع عربي صهيوني استعماري وأن أي نظام سياسي عربي مهما كانت حماسته لفكرة التطبيع سيجد نفسه في نهاية الأمر متأثرا بنتائج حسم هذا الصراع عن طريق التسوية السياسية التي تخطط لها الآن الإدارة الأمريكية الجديدة الأكثر انحيازا من الإدارات السابقة للكيان الصهيوني وهي حتما في ظل الخلل في موازين القوى ستكون لصالح المخطط الصهيوني الامبريالي الذي يستهدف الهيمنة على مقدرات المنطقة لإبقاء شعوبها قابعة في واقع التخلف الحضاري محكومة بعلاقات التبعية بكل أشكالها المعروفة.

*كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons