كارسن ماكلرز: عن مقهى أنشودته القتامة

لا نبالغ إذا قلنا إن سر جمال هذه الرواية هو قتامتها، تتكئ الروائية الأمريكية كارسن ماكلرز، في عملها “أنشودة المقهى الحزين” على شخصيات كابية وهامشية، حزينة، وبلدة منسية، لتصنع لوحة نثرية شديدة القتامة، وآسرة في الوقت نفسه. تقول ماكلرز في السطر الأول: “البلدة في حد ذاتها كئيبة”. كما تقول في موضع آخر: “يمكن للحياة أن تكون اندفاعاً واحداً طويلاً قاتماً من أجل الحصول على الأشياء المطلوبة للعيش فقط”، وتقول في موضع ثالث: “الناس في هذه البلدة لم يكونوا معتادين على التجمع سوياً من أجل المتعة، كانوا يتقابلون في مصنع القطن، أو أيام الآحاد في الكنيسة، لتُزرع فيهم مخافة العلي العظيم”.

بهذه العبارات، نعبر إلى العمل الصغير في حجمه (95 صفحة)، والكبير في روحه، والأثر الذي يتركه في قارئه، وتدور الأحدث في المقهى الواقع في إحدى مدن الجنوب الأمريكي، منطقة القص الأثيرة لدى كارسن ماكلرز…

صدرت ترجمة الرواية عن دار “مسكيلياني” بترجمة السعودي علي المجنوني، وتدور حبكتها الرئيسة حول الآنسة أميليا، التي تدير مقهى في البلدة. ورثت أميليا المقهى عن والدها، شبت تحب الملاكمة، والطب، هكذا تمزج الروائية الأمريكية بين المفارقات في شخصية بطلتها الرئيسية، وتمرح بفضول قارئها، وتحكم وثاقه إلى سطور عملها. نعرف “أميليا” من ملامحها الداكنة، وقامتها الطويلة الشبيهة بالرجال، ووجهها الذي لوحته الشمس، المسكون بالتشنج والشحوب. مرت بتجربة زيجة فاشلة، دامت 10 أيام فقط، إذ تحول زوجها من رجل صالح إلى مجرم مطارد ومطلوب. أما الشخصية الثالثة فهي ابن الخالة “لايمن” أو الأحدب، قبيح أيضاً، قاتم الملامح، وبرز فجأة من العدم، ليعلن قرابته لصاحبة المقهى. وعلى عكس ما توقع أبناء البلدة، لم تطرده أميليا، أو تنكر قرابته، بل ضمته إليها في حنان ربما يكون غير مقنع، لكن كيف تشعر أن هناك شيئاً غير مقنع في عمل يقوم جلّه على الغرابة؟

تبدأ الرواية بالحدث الرئيس الذي سيشكل عالمها، وصول الأحدب “لايمن” إلى المقهى، ومكاشفته “أميليا” بأنه ابن خالتها. سمحت له أن يقيم معها في إحدى الحجرات الثلاث فوق متجرها. لم ير هذه الغرف سوى أناس قليلين، والآن تصطحب الآنسة أميليا معها غريباً قصيراً قذراً ومحدودب الظهر، قدم من حيث لا يعلم إلا الله.

يعيش أهل البلدة في انتظار حدث درامي يقع دائماً في مقهى “أميليا”، كأن مقهاها مركز الحياة ومبعث إثارتهم الوحيدة. في البداية تختفي “أميليا” والأحدب بضعة أيام، فيظن أهل البلدة أنها قتلته، يجتمع نفر منهم ويذهبون إليها ليستطلعوا الحال لكنها خيبت رجاءهم حينما ظهر الأحدب.. نظر الرجال إلى أعلى ثم تسمروا في أماكنهم مشدوهين من الرعب، كان الأحدب الذي قتلوه في أذهانهم ولم يكن المخلوق يشبه ما صُور لهم تماماً، لم يكن شخصية ضئيلة مثيرة للشفقة، أو قذرة أو وحيدة.

طريقة السرد التي اتبعتها كارسن ماكلرز في كتابة هذا العمل لافتة هي الأخرى من حيث استخدامها للزمن، كأنها تمرر بكفها ما يحلو لها من زمن، أو تستوقف ما تريد، تقول في مستهل أحد الفصول: “الآن يجب أن يمر الوقت، لأن السنوات الأربع التي تلت كانت متشابهة”. وفي موضع آخر تقول: “لندع السنوات البطيئة تمر إذن، ونأتي إلى مساء يوم سبت في سادس سنة تمر منذ اللحظة التي جاء فيها ابن الخالة لايمن للمرة الأولى إلى البلدة”. تتبع كارسن ماكلرز تقنية الروائي العليم، وتستغل طاقاته الجبارة على التدخل، والحكي مباشرة للقارئ.

تفرض وصاية الروائي العليم، وتفرض السيطرة الكاملة على شبكة الحكي. تقول في مستهل احد الفصول: “الآن لا بد من بعض التوضيح لكل هذا السلوك..”، وفي مقطع آخر: “ذكر من قبل أن الآنسة أميليا كانت قد تزوجت في ما مضى. لا ضير في تناول هذه الحلقة المثيرة للفضول الآن بالتفصيل..”. هذه طاقات الروائي العليم، تستغلها كارسن ماكلرز إلى أقصاها.

تمنح الروائية الأمريكية المساحة لقارئها ليشاركها في كتابة العمل، تدعوه إلى أن يتخيل معها، تقول: “تخيلوا الآن للحظة هذه السنوات من زوايا عشوائية وغير مترابطة، تخيلوا الأحدب يتقدم متبعاً خطى الآنسة أميليا حين ينطلقان في صباح شتاء أحمر للصيد في غابة الصنوبر.. تخيلوهما يعملان في دارها، وابن الخالة لايمن واقف هناك لا يقوم بشيء تقريباً، لكنه سريع فى التنبه لأي تراخ ضمن الأيدي العاملة”.

من زاوية أخرى تتناول الرواية القصيرة، قصة الحب بين أميليا وابن الخالة لايمن، بل ربما تنهض الرواية كلها على هذه العلاقة الغريبة. تقول: “الآن لا بد من بعض التوضيح لكل هذا السلوك. آن أوان الحديث عن الحب، لأن الآنسة “أميليا” أحبت ابن الخالة لايمن حباً جماً كان بادياً للجميع”. تمر ماكلرز في سيرة الحب التي يرصدها أهل البلدة، لكنها تكتب فقرات تذكرنا بما كتبه ابن حزم في كتابه “طوق الحمامة”. تتغير لغة الكتاب الكابية المحايدة، إلى فقرات رقيقة، تنسى القصة الصعبة التي ترويها، بينما تستهل تعريفها للحب بقولها: “بادئ ذي بدء، الحب تجربة مشتركة بين شخصين، لكن حقيقة أنها تجربة مشتركة لا تعني أنها تجربة متشابهة بالنسبة إلى الفردين المعنيين، هناك المحب والمحبوب، غالبا ما يكون المحبوب مجرد محفز لكل الحب المخزون الموجود بهدوء داخل المحب حتى تلك اللحظة، وبطريقة ما يعرف هذا الأمر كل محب. إنه يشعر في روحه أن حبه شيء فردي”.

هذه الفقرات من الكتاب الواقعة في الصفحتين 35 و36، تكاد تكون ثقل العمل، وفلسفته. تبرر ماكلرز أن قتامة ملامح البعض وقسوة حياتهم، لا تعني أبداً حرمانهم من مرورهما بالتجربة، وتقول: “أغرب الناس قد يكون باعثاً على الحب محفزاً. قد يكون الرجل خرفاً ومع ذلك لا يحب إلا فتاة غريبة رآها في شوارع تشيساو ذات ظهيرة قبل عقدين من الزمن، قد يحب الواعظ امرأة منحطة، قد يكون المحبوب خائناً وميالاً إلى أردى الطباع. أجل وقد يرى المحب هذا الشيء بكل وضوح كما يراه أي شخص آخر”.

المصدر: المدن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons