في ذكرى حرب غزة الثالثة ومستقبل الصراع

كتب: محمد جبر الريفي*

العدوان الصهيوني الذي جرى على القطاع قبل ثلاثة أعوام والذي أطلق عليه الكيان الصهيوني عملية “الجرف الصامد” في محاولة بائسة لتصفية المقاومة الفلسطينية باعتبار أن القطاع يشكل آخر معقل لها وصولا إلى تصفية المشروع الوطني الفلسطيني برمته ذلك العدوان الكبير الغاشم الذي تواصل قرابة شهرين (51 يوما) مدعوما بالموقف السياسي الأمريكي يحتل من الناحية الكفاحية والنضالية موقعا صداميا متفجرا في المنطقة العربية يتوافق مع طبيعة التناقض الرئيسي الذي يحكم علاقة الكيان الصهيوني بالشعب الفلسطيني والأمة العربية حيث العلاقة يجب أن تكون وهي كذلك علاقة تناحرية.

وهكذا فإن تفجير الصراع المسلح بين الكيان الصهيوني وفصائل المقاومة الفلسطينية المسلحة علي الرغم من قساوته وايلامه لما نتج عنه في تلك الحرب العدوانية الصهيونية الغاشمة من حالة رعب وخسائر في أرواح المدنيين الفلسطينيين الأبرياء وتدمير للبنى التحتية الفلسطينية في القطاع فإنه ولاشك أسلوب صحيح من أساليب المقاومة والمواجهة مع هذا الكيان العدواني الغاصب حيث استجداء عملية التسوية حتى ولو كانت عبر مشاريع تصفوية منقوصة وإيجاد حل سياسي للصراع بالطرق السلمية المعروفة لم تجد حتى الآن في إلزام الجانب الصهيوني في الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية.

في تلك الحرب العدوانية الصهيونية التي تأتي ذكرى وقوعها في مثل هذه الأيام قبل ثلاثة أعوام مضت أثبتت فصائل المقاومة الفلسطينية قدرتها الفائقة علي إدارة الصراع وقد سجلت انتصارا تكتيكيا في مواجهة آلة الحرب العسكرية العدوانية الضخمة حيث وصلت صواريخ المقاومة إلى مراكز الثقل السكاني الاسرائيلية في القدس وتل أبيب وعسقلان وبئر السبع وغيرها من التجمعات والبلدات الرئيسية وهو تطور نوعي في الصراع العربي الصهيوني لم تشهده الحروب العربية الإسرائيلية السابقة منذ تأسيس الكيان عام 48 ..وما على النظام العربي الرسمي الذي تسارع أطراف رئيسية فيه في إحداث عمليات تطبيع مذلة مع الكيان الذي لم يقدم حتى الآن على اتخاذ أي موقف سياسي يشير إلى إمكانية استعداده لمسايرة الجهود الإقليمية والدولية التي تبذل لتحقيق السلام.

على النظام العربي الرسمي هذا الذي تراجع اهتمامه بالقضية الفلسطينية بسبب ما تعانيه دول المنطقة من فوضى سياسية وأمنية إلا أن يعترف بهذه الحقيقة الجديدة فيقوم بالمراجعة النقدية لخطابه السياسي القائم منذ عدوان وهزيمة يونيو/حزيران 67 علي استجداء الحلول السلمية التي ترعاها الولايات المتحدة (مفتاح الحل بيد امريكا) ويعيد الاعتبار لمشروع المقاومة ولقرارات مؤتمر القمة في الخرطوم المعروف بلاءاته الثلاثة لأن الوقت قد حان فعلا في ظل انسداد أفق التسوية المعروفة بمشروع حل الدولتين الذي يحظى بإجماع دولي بحيث لم يعد هو الحل السياسي الوحيد المطروح حتى من قبل الإدارة الأمريكية الجديدة وكل ذلك بسبب تعنت الكيان الصهيوني ويمينية الشارع الاسرائيلي وتطرفه وانحياز الموقف الأمريكي ذاته، حان الوقت فعلا الآن لتحرير الإرادة العربية الرسمية من أسر طوق تيار الواقعية السياسية التي توهمنا بعقلانيته لأننا في حقيقة الأمر نقف في مواجهة كيان عدواني استيطاني أقيم علي أنقاض الشعب الفلسطيني بمساعدة الغرب الاستعماري الامبريالي، كيان سياسي غاصب لا يقيم وزنا للاتفاقيات والمعاهدات وتفاهمات التهدئة ولا يلتزم إلا بما يخدم مصالحه ومخططاته التوسعية وأهدافه الأمنية منتهجا بذلك سياسة الحرب تعبر عن ذاتها بين الحين والآخر بتصريحات المسؤولين العسكريين والمدنيين في حكومة الأئتلاف اليميني الحاكم برئاسة نتنياهو بالتهديد الدائم بشن حروب عدوانية متتابعة في المنطقة كما هو يجري الحديث به الآن بالتلويح الإسرائيلي بشن حرب رابعة على القطاع وكذلك الاستعداد لعدوان جديد على الجبهة اللبنانية مستغلا بذلك انحياز الإدارة الأمريكية السافر خاصة في عهد الرئيس الأمريكي ترامب الذي يبحث عن صفقة تاريخية للقضية الفلسطينية ينهي بها وإلى الأبد حالة الصراع العربي الصهيوني ويتم التمهيد لها أولا بهزيمة مشروع المقاومة، وكذلك مستغلا تردي الوضع الإقليمي العربي وانشغال بعض أنظمته السياسية بالصراعات الداخلية على السلطة وعدم بروز موقف دولي مؤثر وضاغط.

وعليه فإن أولى المهمات التي تفرضها هذه الحقائق والمواقف هو إعادة النظر الي هذا الكيان وعدم الافتراض بإمكانية القبول به والتعايش معه بحكم كونه دخيلا لا تربطه أي علاقة تاريخية أو حضارية مع نسيج شعوب المنطقة الاجتماعي وهو الأمر الذي يتطلب وضع استراتيجية جديدة لمواجهته بعيدا عن مشاريع التسوية والتهدئة التي ﻻ يلتزم بها ويستخدمها كغطاء لتحقيق أهدافه ومشاريعه العدوانية.

*كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons