الذكرى الثالثة عشرة لفتوى محكمة العدل الدولية حول جدار الفصل العنصري

كتب : تيسير خالد*

نقف هذه الأيام أمام الذكرى الثالثة عشرة لصدور فتوى محكمة العدل الدولية حول جدار الضم والتوسع الاستيطاني العنصري، الذي تبنيه دولة الاحتلال الإسرائيلي في عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان يونيو/حزيران 1967. وقد يعتقد البعض أن الجدار هو فقط ما يبدو للعيان في قاطعه الغربي، غير أن هذا الاعتقاد خاطيء. فقد كان الجدار في مخطط حكومة إسرائيل يمتد على قاطعين، القاطع الغربي في صورته الظاهرة والواضحة والقاطع الشرقي من نهر الأردن صعودا الى شفا غور الأردن في صورته غير المعلنة والتي توضحها سلسلة من الأوامر والتدابير العسكرية فضلا عن الخندق الذي بنته إسرائيل للتحكم في الحركة من وإلى غور الأردن. ومن الخطأ الفادح أن يسقط أحد من حساباته أن فكرة الجدار في قاطعه الشرقي قد حذفت من جدول أعمال حكومة إسرائيل. ويترتب على هذا المشروع الاستيطاني العدواني التوسعي الخطير سلسلة من النتائج على حاضر ومستقبل الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال في الضفة الغربية بما فيها القدس.

فعلى مستوى السكان فإن الهدف من بناء الجدار في قاطعه الغربي وتثبيت التدابير والأوامر العسكرية في القاطع الشرقي، وهو أمر وارد تماما في حسابات حكومة إسرائيل للمستقبل، هو محاصرة الفلسطينيين في كانتونات أو معازل تسهل السيطرة العسكرية والأمنية عليها. فضلا عن أن الجدار يعزل قطاعات واسعة من المواطنين الفلسطينيين خارج معازل جنين وطولكرم ونابلس ورام الله وبيت لحم والخليل أي في جيوب أو معازل فرعية وفي حالة من الحصار الخانق ، ويعزل 100 – 150 ألف مواطن فلسطيني يعيشون معزولين عن بقية المواطنين في الضفة الغربية قد يجدون أنفسهم في المستقبل في وضع قانوني صعب للغاية، هل هم فلسطينيون يعيشون في اسرائيل ام يسري عليهم قانون المقيم أم قانون المنطقة الحرام أي (بدون).

وفي القدس كذلك تترتب على أعمال بناء الجدار آثار خطيرة لأن الهدف واضح من بناء الجدار في حدود ما تسميه سلطات الاحتلال القدس الكبرى وهو خفض نسبة السكان الفلسطينيين من 35% كما هي الحال في القدس الموسعة إلى 22% وإلى أدنى من ذلك بكثير في السنوات اللاحقة، الأمر الذي يؤشر بوضوح بالغ على مشروع تهويد المدينة المقدسة.

وللتذكير فقط فقد بدأت “إسرائيل” في السادس عشر من يونيو/حزيران 2002 في بناء جدار فصل عنصري يقطع أراضي الضفة الغربية ويلتف حول الأراضي والتجمعات السكانية الفلسطينية كالأفعى وخاصة في مدينة القدس وما يحيط بها من أراضٍ ومناطق آهلة بالسكان. وقد احتل مخطط “غلاف القدس” مكاناً بارزاً في المشروع، الذي تبنته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لتشييد جدار الفصل العنصري، في ظل الإصرار على اعتبار القدس “عاصمة أبدية لإسرائيل” . وخطة “غلاف القدس” قضت بإقامة حزامين أمنيين، يحيط أولهما بما يسمى “القدس الكبرى”، ويمتد بمحاذاة المستوطنات الواقعة جنوب وجنوب شرق القدس، أما الحزام الأمني الثاني، فيمتد داخل مدينة القدس، ويحول بين الأحياء اليهودية، والأحياء العربية.

وقد بدأت قوات الاحتلال العمل في بناء جدار الفصل العنصري حول القدس في يوليو/تموز 2003 في مقطعين من شمال وجنوب القدس ابتداءً من جنوب بيتونيا غرباً وحتى مخيم قلنديا شرقاً. المقطع الجنوبي يمتد من مدخل مدينة بيت لحم غرباً وحتى بلدة بيت ساحور شرقا.

وفي سبتمبر/أيلول من نفس العام قامت إسرائيل بتحديد مسار الجدار في باقي المواقع المحيطة في القدس حيث بدأت في الطرف الشرقي من بلدة بيت ساحور جنوبا حتى الطرف الشرقي لبلدة العيزرية شمالا، ومن الطرف الجنوبي لقرية عناتا وحتى مخيم قلنديا شمالا. ويعزل الجدار نحو 150 ألف دونم من أراضي محافظة القدس ويضم إلى داخل حدود القدس 24 مستوطنة إسرائيلية. ومن الواضح أن أحد الأهداف من تشييده تتمثل في توسيع حدود بلدية القدس المحتلة، للسيطرة على 18% من مساحة الضفة.

وللجدار اثار اخرى متعددة كالآثار الاقتصادية ومنها انعكاس بناء الجدار على القطاع الزراعي الفلسطيني. فالجدار يصادر مساحات واسعة من الأراضي في الضفة الغربية وقد جرف واقتلع مئات الاف الاشجار المثمرة، وعزل مثلها عن إمكانية وصول المواطنين إليها، وهو يحول الأراضي إلى مجال حيوي للمستوطنات والنشاطات الاستيطانية. أبعد من ذلك فان الجدار يحكم السيطرة الإسرائيلية الكاملة على مصادر المياه الجوفية الفلسطينية ويحرم الفلسطينيين من الاستفادة من مياه الحوض الغربي في محافظة جنين وطولكرم وقلقيلية والحوض الشرقي في الأغوار والمرتفعات الشرقية ولا يبقي لهم غير الحوض الشمالي الشرقي في منطقة جنين، وهو الاقل اهمية في مصادر المياه الجوفية الفلسطينية، فضلا عن ذلك يلحق الجدار اضرارا فادحة بالآبار الجوفية التي كان المواطن الفلسطيني يعتمد عليها في تطوير القطاع الزراعي وفي تنمية ثروة زراعية تعتمد في حدود ضيقة على الزراعة المكثفة.

وحيث إن الجدار، الذي بدأت “إسرائيل” ببنائه في يونيو/حزيران من العام 2002، قد جاء في تصميمه وخطوات تنفيذه يعكس طبيعته باعتباره أحد أخطر مراحل المشروع الاستيطاني التوسعي الاسرائيلي، فان محكمة العدل الدولية لم تخطئ التقدير أو الهدف في الفتوى التي صدرت عنها في التاسع من تموز من العام 2004، لا في الجانب السياسي من التقدير أو في الجانب القانوني منه.

ففي الجانب السياسي حددت فتوى محكمة العدل الدولية أن الضفة الغربية بما فيها القدس في حدود حزيران 1967 هي أراضي محتلة وليست اراض متنازع عليها وان بناء الجدار في مساره المحدد أو في مساراته التي يمكن أن يستقر عليها بعد أي تعديل، يضع قيدا على حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وحقه في بناء دولته الفلسطينية المستقلة، وهو حق كفلته قرارات الشرعية الدولية، بما فيها قرار التقسيم رقم 181 لعام 1947، وحق لا ينتقص منه عدم تنفيذه في حينه أو في مراحل لاحقة. الفتوى تدحض هنا الرواية الإسرائيلية والموقف الإسرائيلي حول هوية الأرض، التي تقيم عليها دولة “إسرائيل” هذا الجدار، فهي إلى جانب كونها أراضي الضفة الغربية المحتلة بما فيها القدس، هي كذلك أراض خصصها القرار 181 لدولة فلسطين. هذا جانب سياسي في غاية الأهمية في فتوى محكمة العدل الدولية ، فضلاً عن أهميته كذلك في جانبه القانوني. وهكذا تجاوزت الفتوى الجانب القانوني لتسلط الضوء على جانب سياسي يتصل بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وهو حق تحاول “إسرائيل” من خلال بناء الجدار فرض قيود واسعة عليه.

أبعد من ذلك، فقد سلطت الفتوى الضوء على وضع مدينة القدس العربية ومحيطها، فقررت خلافاً للادعاء الإسرائيلي وقوانين الضم، التي صدرت عن الكنيست، أن القدس، التي تبنى اسرائيل الجدار على أراضيها وفي محيطها، هي أراض محتلة. وان القدس بهذه الصفة تخرج من دائرة الادعاء بأنها عاصمة لدولة إسرائيل، وقررت كذلك أن “إسرائيل” ملزمة بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي بشكل عام بضمان حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة الخاضعة لسيطرتها، والتي تعرقلها وتعطلها من بين إجراءات أخرى عمليات بناء الجدار في القدس وفي محيطها.

ليس من السهل الفصل بين الجوانب السياسية والقانونية في فتوى محكمة العدل الدولية ،ومع ذلك يمكن القول إن الفتوى في الجانب القانوني المتصل بأعمال بناء الجدار قد حددت بوضوح أن مسار الجدار، الذي اختارته “إسرائيل” ليس ضروريا وهو غير مقنع لتحقيق أهداف أمنية، فالجدار، حسب فتوى المحكمة، وهي السلطة القضائية الأعلى للأمم المتحدة، هو في مساره والأنظمة المرافقة له يشكل اعتداء خطير على حقوق الفلسطينيين، ولا يمكن تبرير الاعتداءات الناجمة عن الجدار ومساره بضرورات عسكرية أو بمتطلبات الأمن القومي الإسرائيلي أو النظام العام الإسرائيلي.

وعليه طالبت محكمة العدل الدولية دولة “إسرائيل” بوقف عمليات البناء وهدم وإزالة ما تم إنجازه من أعمال البناء باعتباره مخالفة صريحة للقانون الدولي. كما طالبت “إسرائيل”، باعتبارها دولة احتلال جبر الضرر الناتج عن عمليات البناء وعمليات الهدم معا.

أبعد من ذلك دعت فتوى المحكمة الدولية الأمم المتحدة وخاصة الجمعية العامة ومجلس الأمن البحث في إجراءات يجب القيام بها لإنهاء الوضع غير القانوني الناجم عن أعمال بناء الجدار وإنشاء سجل لحصر الأضرار لهذا الغرض، مثلما دعت جميع البلدان الأعضاء في الأمم المتحدة وغير الاعضاء عدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناجم عن بناء الجدار وإلى الامتناع بشكل كامل عن تقديم أية مساعدات سياسية أو دبلوماسية أو مادية لدولة “إسرائيل” في هذا الشأن. أما الأضرار، التي تتحدث عنها فتوى محكمة العدل الدولية، فإنها لا تنحصر في أضرار لحقت بأفراد وحسب أو أضرار مادية وحسب، حيث تتحدث الفقرة 163 من الفتوى عن ( جميع ) الأضرار، وهذا يعني الأضرار التي لحقت بالأفراد، والأراضي الحكومية وأراضي الأوقاف واراضي المجالس البلدية والمحلية والقروية والأراضي المشاع والمراعي والموارد الطبيعية، وخاصة مصادر المياه والممتلكات العامة والبنية التحتية وتلك التي لحقت بالخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية وغيرها.

وحيث أن دولة الاحتلال الإسرائيلي ما زالت تواصل العمل ببناء هذا الجدار فإننا نوجه الدعوة لمنظمة الأمم المتحدة وأمينها العام الى التحرك من أجل وضع حد لتحدي حكومة تل ابيب للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية والفتوى الصادرة عن محكمة العدل الدولية. وتصبح هذه الدعوة ضرورية للغاية، خاصة بعد ان اعطت المحكمة العليا الاسرائيلية في الذكرى الحادية عشرة لفتوى محكمة العدل الدولية تحديدا الضوء الأخضر لوزارة الجيش الاسرائيلي للشروع ببناء الجدار في الكريمزان على أراضي المواطنين في بيت جالا.

أن الضوء الاخضر الذي أعطته المحكمة العليا الاسرائيلية لجيش الاحتلال لمواصلة بناء جدار الضم والتوسع الاستيطاني على أراضي المواطنين الفلسطينيين في محافظة بيت لحم هو بحد ذاته دليل كاف يجب أن يدفع الامين العام للامم المتحدة دون تردد الى تحمل مسؤولياته في تفعيل فتوى محكمة العدل الدولية بشأن الجدار وإحالة ملفه إلى المحكمة الجنائية الدولية ودعوتها الى التحرك وفتح تحقيق قضائي بشأن قرارات المحكمة العليا الاسرائيلية على هذا الصعيد باعتبارها تقدم الغطاء القانوني لجرائم الاستيطان، التي ترتكبها “اسرائيل” في الارضي الفلسطينية المحتلة بعدوان 1967 وتعرض رئيسها وقضاتها للمساءلة والمحاسبة أمام العدالة الدولة بحكم مسؤوليتهم عن تحدي فتوى محكمة العدل الدولية وتشجيع المستوى السياسي والأمني في “إسرائيل” على مواصلة انتهاك القانون الدولي ومواصلة الاستهتار بالعدالة الدولية

أخيرا اسمحوا لي أن أقدم لكم بعض البيانات، التي توصل إليها فريق عمل يتكون من اللجنة الوطنية لسجل أضرار الجدار وهيئة مقاومة الجدار والاستيطان ووزارة التخطيط وجهاز الإحصاء المركزي وهيئة شؤون المفاوضات حول جدار الضم والتوسع العنصري:
يبلغ طول الخط الأخضر (خط الهدنة 1949) في الضفة الغربية 322 كم طول الجدار الكلي 722.2 كم منه: الجدار القائم 499.5 كم. تحت الإنشاء 22.7 كم. مخطط له 200 كم. اما المنجز من الجدار حسب نوع المادة المستخدمة : جدار إسمنتي بطول 70.0 كم سياج معدني 435 كم.

وبشأن المساحات فإن مساحة الضفة الغربية تبلغ 5843 كم مربع منها: اليابسة 5613 كم مربع. المنطقة الحرام 50.7. الجزء الفلسطيني من البحر الميت 178.8 كم مربع. بينما المساحات بين الخط الأخضر والجدار، فهي مناطق معزولة بالكامل 296 كم مربع، مناطق معزولة جزئيا 140 كم مربع. مناطق مخطط لعزلها 188 كم مربع. وبناء عليه يكون مجموع المساحات المستهدفة والمتضررة من بناء جدار الضم والتوسع في حال استكماله 624 كم مربع. ويشكل 11% من الأراضي اليابسة في الضفة الغربية.
بلغ مجموع ما تم تسليمه لسجل الأمم المتحدة في فيينا حتى نهاية عام 2016 ما يزيد على(58، 983)، ثمانٍ وخمسين ألف وتسعمائة وثلاثة وثمانون استمارة تتعلق بالأضرار الفردية.

* … مجموع الاستمارات التي قام مجلس السجل في مقره في فيينا بتدقيقها والتحقق منها حتى نهاية عام 2016 بلغ أكثر من (25000) خمس وعشرين ألف استمارة وتمت الموافقة على غالبيتها العظمى فيما ما نسبته اقل من 4% أعيدت للطواقم الميدانية بغرض تصحيحها أو رفضت واتلفت بسبب انها مكررة أو لا تنطبق عليها المعايير المعمول بها استنادا لقرار الجمعية العامة ES/17/10.

وفي ضوء هذا كله نتوجه في هذه المناسبة، في الذكرى الثالثة عشرة لصدور فتوى محكمة العدل الدولية حول جدار الضم والتوسع الاستيطاني إلى جميع المواطنين في القدس وفي محيطها ومحافظتها للاستفادة من الفرصة الثمينة التي يوفرها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة إنشاء سجل للأضرار والإقبال على تسجيل الأضرار على اختلاف أنواعها التي تتصل بقطاعات الزراعة والصناعة والخدمات والتجارة والسياحة والعمل والصحة والتعليم والمواصلات وغيرها من الأضرار بما فيها الأضرار العامة التي لحقت بالمؤسسات والإدارات العامة الرسمية منها والأهلية وفي المقدمة منها أضرار المجالس البلدية والمحلية والقروية وذلك لحفظ الحقوق دون إجحاف أو تفريط بالحق الأساس وهو وقف العمل ببناء هذا الجدار اللعين وإزالة ما بني منه وجبر الضرر، الذي لحق بالمواطنين وبالمؤسسات والإدارات العامة.

*عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons