أمريكا العاجزة «تتفرج»!

نشرت صحيفة “قاسيون” السورية-لسان حال حزب الإرداة الشعبية في عددها الصادر صباح الأحد 9 يوليو/تموز الجاري، مقالا بقلم عماد بيضون، ناقش فيه تراجع الدور الأمريكي في عالم اليوم.

جاء في المقال:

الجيش الأمريكي، والبنك الفيدرالي الأمريكي، وصندق النقد الدولي، والبنك الدولي، إلى جانب منظومة هوليود، ومؤسسات الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، ومؤسسات الـNGOs المدعومة بالدولار، والدولار نفسه، هي مجموعة أدوات أمريكية كانت ضاربة في العالم، وتتراجع اليوم.

كانت هذه الأدوات حتى العام 2008 رمزاً للسيادة الأمريكية على العالم، وهي الأدوات التي حاولت تقييد تطور الدول والمجتمعات وشكل الصراع العالمي، وإنشاء أنظمة وإخفاء أخرى، وضرب شعوب وحضارات، والسيطرة على العلاقات الدولية، لكنها تغدو اليوم بالتدريج أجنحة مقصوصة، وعاجزة عن الطيران أو الفعل، وجعلت الولايات المتحدة المتحكمة متفرجة ومعرقلة في أفضل حالاتها.

واشنطن والاتحاد الأوروبي

قال وزير الخارجية الأميركي، جورج مارشال، في كلمته التاريخية التي ألقاها في 5 حزيران 1947: إنه قبل أن «تتبرع» الولايات المتحدة بأية مساعدات مالية «يتعين أن يكون هنالك نوع من الاتفاق بين دول أوروبا» حول كيفية إنفاق هذه الأموال.

أي: أن فكرة الاتحاد الأوروبي ليست إلا تأطيراً أمريكياً لأوروبا لإدارة إنتاج القروض والفوائد، وإعادة تدويرها مرة أخرى إلى المركز العالمي، وول ستريت وغيره. ووقتها لم يعترض إلا الجنرال ديغول الذي تم إقصاؤه سياسياً، ليصبح الاتحاد الأوروبي المجرد من السلاح – إلا سلاح الجيش الأمريكي- منطقة نفوذ أمريكية جرت خصخصته بهدوء.

اليوم ليس كأمس

بعيد الأزمة الاقتصادية العالمية واهتزاز الثقة في المنظومة المالية العالمية والتباطؤ في النمو العالمي، بدأت أوروبا مارشال بالدخول في أزمات عميقة، وصلت اليوم حد انتهاء هذا التجمع الأوروبي حتى بدا إعلان الإفلاس الجماعي في الأفق القريب، لذا بدأت القارة تبحث عن مخارج من الأزمات الحالية. ولأن المخرج يعني قطعاً كاملاً مع القديم، والبدء في الجديد، فهذا يعني أن على الأوروبيين الخروج من مشروع مارشال نحو استقلالية سياسية واقتصادية.

ألمانيا وأوروبا لم يعد بوسعها الاعتماد على أمريكا. هذا ما قالته المستشارة الألمانية، أما ترامب فأوقف الاتفاقية الأوروبية الأمريكية للتجارة عبر الأطلسي، وهدد بإيقاف استيراد السيارات. وفي مؤتمر الناتو الأخير في بروكسل، كان ترامب واضحاً بطلبه من الأوروبيين المزيد من الإنفاق. وهذا يعني تماماً محاولة أمريكية للاستفزاز، وإخضاع الأوروبيين، وهذه عملياً بعض مظاهر التراجع في نمط العلاقات الأوروبية الأمريكية.

الولايات المتحدة أوروبا أوكرانيا وروسيا

تعد المسألة الأوكرانية تعبيراً مكثفاً عن الوضع الأوروبي الأمريكي في شرق أوروبا وشكل حسمها، ورفع العقوبات عن روسيا سيرسم خريطة النفوذ في شرق القارة. فتاريخياً جعلت أمريكا أوروبا مديرة أعمالها في شرق القارة، حيث ألحقتها بمنظومتها، وعملت أوروبا كوكيل أعمال للمصالح الأمريكية. فالأمريكيون هم من حدد شكل الدول، والحدود في شرق أوروبا عقب انهيار الاتحاد السوفيتي. أما اليوم، فشرق القارة يعيد حسابتهِ لتدوير زاوية التحالفات، وتشكل رباعية النورماندي لحل المشكلة الأوكرانية، أما الطريقة التي حلت فيها مشكلة القرم فهي شكل من أشكال تحييد الولايات المتحدة، وفك سيطرتها على شرق القارة، لتبقى في يديها إمكانية اللعب بورقة تخويف شرق أوروبا، ونشر الدرع الصاروخية هناك. وهذا أيضاً يعتبر شكلاً واضحاً للتراجع الأمريكي، حيث إن دوره يتحول من المبادرة في المشروع إلى محاولة إعاقة مشاريع الغير.

سورية ليبيا واليمن

يحتاج المرء اليوم لمكبر من نوع جيد ليرى الدور الأمريكي في البلدان الثلاثة، فبعد إشعالها لهذه الدول، ودفع كل القوى الإقليمية للدخول في لعبة الحريق، يبدو دور واشنطن اليوم مقتصراً على المشاهدة من بعيد من المدرجات، بينما القوى الإقليمية والدولية كروسيا وتركيا وإيران أصبحت قاب قوسين أو أدنى من إيقاف الحرب، وإيقاف العمليات العسكرية، والسماح للحلول السياسية في سورية، خصوصاً من الاقتراب من مواعيد نهائية، بينما يكاد الدور الأمريكي في حل الأزمة الليبية يكون غير مرئي، وكذلك في اليمن، بينما تنشط روسيا وحلفاؤها في إيجاد حلول سياسية ستعمم من نجاح التجربة السورية.

آسيا وشرقها

تاريخياً، يعتبر التبادل التجاري والتقني والصناعي الصيني الروسي تبادلاً ضعيفاً نسبياً، قياساً بالتبادل الصيني الأمريكي والروسي الأوروبي، حيث انحصرت جداً العلاقات الروسية الصينية حتى مطلع القرن الحالي، لتعود العلاقات بين البلدين لتشهد زخماً كبيراً ابتداءً من المشاريع السياسية المتمثلة في منظمة شنغهاي للتعاون، مروراً بتطور التبادل التجاري والصناعي والتقني، الأمر الذي كان محرَّماً لعقود طويلة على البلدين، وليس انتهاءً بمشروع طريق واحد وحزام واحد، الصيني الذي يعتبر قفزة في شكل العلاقات الصينية الروسية، والصينية مع وسط آسيا والهند، حيث تشهد أرقام الاستثمارات المعلنة في البنى التحتية على مستوى آسيا ارتفاعاً غير مسبوق تاريخياً، وهي المكان الذي كان يشغله الأمريكيون منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وها قد عاد من جديد لأصحابه الشرعيين، وكل ما يملكه الأمريكيون في هذه المنطقة يقتصر على أوراق التوتير الأفغانية، التي يبدو أنها ستحل قريباً بجهود روسية صينية. أما الورقة الأخرى، فهي مسألة بحر الصين الجنوبي، وقضية الجزر المتنازع عليها. وهنا، يلعب الأمريكيون دوراً استفزازياً فقط، دون وجود مشروع حقيقي لشغل تلك المنطقة. وأخيراً في كوريا الديمقراطية التي أرعدت وأبرقت الولايات المتحدة ضدها سياسياً ودبلوماسياً وعسكرياً، دونما جدوى، بينما تطرح اليوم الصين وروسيا خطة لإنهاء التوتر في شبه الجزيرة الكورية بطريقة سلمية، بحيث تم كبح جماح أمريكا عسكرياً هناك.

القضية الفلسطينية

كان تدوير المشكلة الفلسطينية منذ أوسلو الأسلوب الأمريكي والصهيوني المحبب لإدارة القضية الفلسطينية. أما اليوم، ورغم التعمية الصهيونية، ومع فشل «مبادرات» الحليف الأمريكي، هنالك اتجاه واضح لعروض جديدة، تبدو أنها جدية لحل عادل لهذه القضية، ريثما ينتهي مفعول التراجع الأمريكي، فالصهاينة اليوم على استعداد أكبر لتقديم تنازلات وتهدئة الوضع، كي لا تطرح القوى الأخرى الصاعدة كروسيا مثالاً مشاريعها على طاولة مجلس الأمن، والتي تصر على تنفيذها، خلافاً للأمريكيين الذين يمتلكون سجلاً حافلاً في وضع القرارات الدولية على الرف.

المصدر: قاسيون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons