45 عاما على استشهاد غسان كنفاني .. ولاتزال أرض البرتقال حزينة

كتبت : د . سلام بوسي*

خمسة وأربعون عاما مضت على استشهاد المناضل والأديب الفلسطيني غسان كنفاني، الذي اغتالته الأيدي الصهيونية القذرة، ولأن القتلة أدركوا حجم المخاطر التي تتعرض لها رواياتهم، فقرروا التخلص من كل رموز النضال الفلسطيني، وأصدرت رئيسة وزراء الاحتلال الصهيوني حينذاك جولدا مائير تعليمات بتصفية غسان كنفاني إلى جانب وديع حداد، وكمال عدوان، وكمال ناصر، وأبو يوسف النجار، وبسام أبو شريف، وأنيس الصايغ، وفي الثامن من يوليو/تموز عام 1972، قام عملاء جهاز الاستخبارات الصهيونية “الموساد” بتفجير سيارته في منطقة الحازمية بالقرب من بيروت، مما أدى إلى استشهاده عن عمر يناهز 36 عاما، مع ابنة أخته لميس، وتقول زوجته ورفيقة نضاله السيدة “آني”: “بعد دقيقتين من مغادرة غسان ولميس ابنة أخته سمعنا انفجاراً رهيباً تحطمت كل نوافذ البيت، نزلت السلم راكضة لكي أجد البقايا المحترقة لسيارته، وجدنا لميس على بعد بضعة أمتار، ولم نجد غسان، ناديت عليه، ثم اكتشفت ساقه اليسرى .. وقفت بلا حراك”، وقد عثر المحققون إلى جانب السيارة المنسوفة قصاصة ورق مدون عليها: “مع تحيات سفارة إسرائيل في كوبنهاجن”، لقد كان سلاح “كنفاني” قلمه حيث حارب الكيان الصهيوني المغتصب في كتاباته ومقالاته ورواياته، حيث كانت تلك الأسلحة أقوى من أسلحة الكيان الصهيوني نفسه، وهذا ما عبرت عنه الصهيونية “جولدا مائير” بعد استشهاده حيث قالت “اليوم تخلصنا من لواء فكري مسلح، فغسان بقلمه كان يشكل خطر على “إسرائيل” أكثر مما يشكله ألف فدائي” ، استشهد ليجسد باستشهاده مقولته: “الثورة وحدها هي المؤهلة لاستقطاب الموت.. الثورة وحدها هي التي تواجه الموت وتستخدمه لتشق سبل الحياة”.

ولد غسان كنفاني في التاسع من أبريل/نيسان عام 1936 بمدينة عكا، تزامنا من اندلاع شرارة الثورة الفلسطينية الشعبية ضد الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية. وحينما سقطت مدينة عكا في مارس/آذار سنة 1948 في أيدي العصابات الصهيونية كان غسان قد أتم الثانية عشرة من عمره، ليخرج من بلده مع أسرته مهاجراً إلى جنوب لبنان ومنه انتقل إلى دمشق ولم تعد أحواله المعيشية مع والديه كما كانت عليه من قبل، حيث بدأت العائلة رحلتها مع العمل والدراسة والنضال، بدأ غسان وأخوه يعملان لإعالة الأسرة النازحة في الوقت الذي يستمران فيه بالدراسة ليلاً. وقد حاز على شهادة الدراسة الإعدادية فاشتغل معلماً في مدارس وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” في دمشق ثم حاز على شهادة الدراسة الثانوية وانتمى بعد ذلك إلى جامعة دمشق قسم الأدب العربي لمدة ثلاث سنوات فصل بعدها لأسباب سياسية. فترك دمشق سنة 1955 متجهاً إلى الكويت للعمل مدرساً للتربية الرياضية والرسم في مدارسها، وفترة إقامته في الكويت كانت المرحلة التي رافقت إقباله الشديد والذي يبدو غير معقول على القراءة وهي التي شحنت حياته الفكرية بدفقة كبيرة فكان يقرأ بنهم لا يصدق، وفي مستهل ثورة الـ 58 بالعراق إبان حكم عبد الكريم قاسم زار غسان العراق ورأى بحسه الصادق انحراف النظام فعاد وكتب عن ذلك في إحدى الصحف الكويتية بتوقيع “أبو العز” مهاجما العراق، فقامت قيامة الأنظمة المتحررة ضده إلى أن ظهر لهم انحراف الحكم فعلا فكانوا أول من هنأوه على ذلك مسجلين سبقه في كتاب خاص بذلك.

وفي عام 1959 اكتشفت عائلته أثناء عطلة غسّان الصيفية أنه مريض بالسكّري كان ذلك بسبب الإرهاق والعمل المتواصل ولم يكن مرضاً وراثيا، يضاف إلى ذلك إصابته بالروماتيزم.

في عام 13/7/1959 سافر مع الدكتور حبش إلى بيروت وكان ما يزال يعمل في الكويت، وفي 29/9/1960 قدّم استقالته من العمل في الكويت، وسافر مرة أخرى إلى بيروت في 28/10/1960 بهوّية عمانية باسم “هشام فايز” يرتدي الكوفية والعقال ليستقر فيها نهائياً، وفي عام 1961 كان قد عقد مؤتمراً طلابياً اشتركت فيه فلسطين في يوغسلافيا، وكان هناك وفد دانمركي. كانت بين أعضاء الوفد الدانمركي فتاة متخصصة بتدريس الأطفال. تزوّج غسان من هذه الفتاة وأنجب منها فايز وليلى، وبعد عودته لبيروت أصيب بمرض النقرس وهو مرض مرتب ضمن مضاعفات مرض السكر، أسس سنة 1969 جريدة الهدف الأسبوعية وبقي رئيساً لتحريرها حتى استشهد.

تميزت أعمال “غسان كنفاني” بالنقد الموجع والموجه، وهو أشهر روائي فلسطيني سخر ادبه للتغيرات السياسية ولخدمة فلسطين وشعبها ولفضح الاحتلال، وقد كان إنتاج غسان الأدبي فكان غزيراً ومتنوعاً بصورة لافتة للنظر، فكان صحفياً ناجحاً وكاتب مقالاً وقصة قصيرة ومسرحية، وبموهبته وعمق تفكيره استطاع أن يكون حتى اليوم الروائي الفلسطيني الأول من حيث القيمة والأهمية، إلى جانب ذلك رسم بريشته معظم أعماله الأدبية، ولا ننسى أيضاً أنه صاحب الفضل في تقديم شريكه في المصير والنهاية المأساوية الرسام الفلسطيني ناجي العلي، وذلك بإتاحة الفرصة له لنشر رسوماته علي صفحات مجلة «الحرية» التي كان يرأس تحريرها غسان، وكانت بداية الانطلاق لناجي حتي وصل إلي قمة النجاح والتأثير وإن كان الأمر قد انتهي باغتياله سنة ١٩٧٨ في لندن.

ومن أشهر روايات غسان كنفاني رواية “عائد إلى حيفا” والتي جسدت حب العودة إلى الوطن حيث دارت أحداث الرواية على طريق حيفا عندما يقرر بطل الرواية سعيد وزوجته الذهاب لمدينة حيفا لتفقد طفله الذي تركه رضيع عام 1948 م وقد طرحت الرواية عدد من المفاهيم منها مفهوم المواطنة والوطنية، ورواية “رجال من الشمس”: التي حصدت جائزة أفضل رواية من أصدقاء الكتاب في لبنان عام 1966م وجائزة اللوتس التي يمنحها اتحاد كتاب آسيا، وكانت هذه الرواية من أوائل الأعمال الروائية الفلسطينية التي تطرقت لحياة التشرد والموت والحيرة، حيث يسرد من خلالها قصة ثلاثة فلسطينيين من أجيال مختلفة يلتفون حول ضرورة إيجاد حل فردي لمشكلة الإنسان الفلسطيني المعيشية عبر الهرب إلى الكويت، حيث النفط والثروة، الرجل العجوز يحلم ببناء غرفة في المخيم، والشاب يحلم بدنانير الكويت، والصغير يحاول أن يتغلب على مأساته المعيشية، فشقيقه في الكويت تركهم دون معيل لأنه تزوج، أما والده ترك أمه ليتزوج بامرأة تملك بيتاً، و عليه إذن أن يعيل العائلة فيقرر الوصول إلى الكويت، حيث تتمحور الرواية حول هدف واضح ورئيس هو الوصول، حيث يقرر الثلاثة الهرب في خزان شاحنة يقودها أبو الخيزران، وفي نقطة الحدود يموت الفلسطينيون الثلاثة لأن السائق يتأخر عليهم، ويموتون دون أن يقرعوا جدار الخزان أو يرفعوا صوتهم بالصراخ، ورواية “رجال في الشمس”: هي الصراخ الشرعي المفقود، و“أرض البرتقال الحزين”: هي مجموعة قصصية تضمنت قصص السلام المحرم وورقة من الرملة وورقة من الطيرة وورقة من غزة والأخضر والأحمر كعادة في كتاباته شغله الشاغل هي الشخصية الفلسطينية سواء داخل الأرض المحتلة أو خارجها، وتعبر قصة أرض البرتقال الحزين العمود الفقري لهذه المجموعة حيث كانت ملتحمة بسيرة غسان كنفاني، في نفس الوقت تؤرخ لمعاناة الفلسطيني المهجّر بشكل عام. “أم سعد”: رواية تتحدث عن الأم الفلسطينية هي مرآة الوعي النضالي هي أم ليست مقتصرة على أبنائها فقط، بل هي أم لشعب بأسره. وهي ذلك الصوت الذي يصدح بالحق، وهي تلك الروح التي دفعت ثمن الهزيمة، بأمنها وبيتها وانتهاءّ بابنه سعد وتجهز الذي يليه فداء لفلسطين، “عن الرجال والبنادق”: مجموعة قصصية تتحدث عن مأساة شعب فلسطين لم يكتب فيها شيئًا إلا عنه ولم يستلهم شيئًا إلا عنه، تتحدث حول كفاح الشعب الفلسطيني، حيث نكتشف في كنفاني، إرادة البحث لا تنتهي، هي التي تدفعه إلى البحث جديًا عن أساليب جديدة، بشكل دائم. أما القيمة النضالية تأسيس دراسة جديدة في الأدب الفلسطيني، “القميص المسروق”: قصص قصيرة كتبها على سنوات متفرقة أول قصة فيها كتبها في الكويت عام 1958 م وحازت على جائزة في مسابقة أدبية تتضمن أيضًا كفاح الشعب الفلسطيني ضد المحتل، “العاشق”: تضم ثلاث روايات غير مكتملة أراد لجسده الذي شلّعته القنابل أن يكتب هو النهاية فالنهاية لا تكتب لم تنشر إلا بعد استشهاد غسان العاشق صورة للنسيج النضالي الذي يجسده المناضلون في فلسطين، والرواية الثانية “بالأعمى والأطرش” فيستعيد كنفاني رموزه، أما الثالثة “برقوق نيسان”. يستعيد كنفاني فيها أجواء رواية “عائد إلى حيفا” لكنه يقلب طرف المعادلة، فأبو القاسم الذي ينكر جثة ابنه الشهيد هنا، “الشيء الأخر”: هي عبارة عن نسيج قصصي أشبه بالقالب البوليسي لحظات التوتر لمعرفة القاتل والظروف المحيطة بالجريمة لا تتحدث الرواية عن القضية الفلسطينية بل تدور الأحداث حول من الذي قتل ليلى الحايك، “من هو المجرم” هي بمثابة قصة فلسفية عن العدل عن الزواج عن الخيانة، “ما تبقى لكم. عالم ليس لنا”: مجموعة قصصية تم كتبتها ما بين أعوام 1959 م- 1963م عبارة عن أسئلة حول الموت والنضال الوطني الفلسطيني يتجسد في البندقية الفلسطينية الشيء الآخر، واعترف الكيان الصهيوني رسميًا للمرة الأولى في عام 2005 في بيان نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت” الصهيونية في 3 أكتوبر/تشرين الأول، بمقال كتبه الصحافي إيتان هابر المتحدث باسم الإرهابي إسحاق رابين رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق، باغتيال الشهيد غسان كنفاني، حيث قال هابر: إثر عملية “ميونيخ” أصدرت جولدا مائير رئيسة الوزراء حينذاك “أمرًا بالانتقام” يتضمن ما سماه بتنفيذ “أحكام بالإعدام” ضد عدد من الشخصيات الفلسطينية بالعواصم الأوروبية، من بينها كنفاني.

وقد نال غسان كنفاني العديد من ألاوسِمة والجوائز:

• نال عام 1966 جائزة أصدقاء الكتاب في لبنان عن روايته “ما تبقى لكم”.

• نال اسمه جائزة منظمة الصحفيين العالمية سنة 1974.

• جائزة اللوتس 1975.

• منح اسمه وسام القدس للثقافة والفنون في يناير/كانون الثاني 1990.

لكن لم تنجح الايدي القذرة التى نالت من صاحب “أرض البرتقال الحزين ” ، ان تقطع حبل الوريد ما بينه وفلسطين ، فتكاثر “غسان “ودخل عصر آخر بكل سلاسة ، فهو المنتشر اليوم عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي التي لم يعاصرها ، وله مثل كل الناس صفحات وصفحات، وله حفاوة على “اليوتيوب”، حين لا يعلم أحد أو لا يهتم أحد لمصير جلاديه البائس في زوايا معتمة وبشعة من التاريخ.

ورثا محمود درويش، غسان، في كتاب “وداعًا أيتها الحرب، وداعًا أيها السلام”: “آه.. من يرثي بركانًا، هذه لحظتكَ، فلا تجمع أشلاءكَ ولا تَعُدْ، لا تَعُدْ. لا تنتظرنا في المَهاجر. كان يجب أن نراك، أن نعرفك، أن نسير معك قبل اليوم. ولكن الموت لم ينضج فينا. نحن هنا، سنموت كثيرا، ولكني أستأذنك الآن في البكاء قليلاً، فهل تأذن لي بالبكاء”.

*استاذة بالجامعة اللبنانية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons