الأربعاء , سبتمبر 20 2017
وزير التعليم المغربي، محمد حصاد

مجزرة الوزير

كتب : عبد الكريم ساورة*

“حصاد”.. التكنوقراطي الفاشل في كل شيء، هذه هي الصورة التي أصبحت لصيقة بهذا الرجل الذي حصل على شهادة البولتكنيك بفرنسا، هل الشهادة كافية لتصبح وزيرا في الداخلية دون المرور من أي مقاطعة أو عمالة من عمالات المملكة، ولكن مادام الأمر في بلد لا يهتم بالكفاءات ويعتمد على ريع العلاقات، فيمكن القفز به من والي مراكش مباشرة إلى وزير الداخلية، والتي أبان عن فقر كبير في معرفة العديد من الملفات السياسية والاجتماعية مازالت تبعاتها إلى حدود كتابة هذه السطور ولعل أهمها مشكل المتصرفين ومشكل الكتاب العامين للجماعات وملفات أراضي الجموع التي تملأ المحاكم الآن وغيرها…

والكل كان يتابع الوزير الذي كان مجرد موظف بوزارة كبيره عليه جدا، فكان لايتحرك كما يقول خصومه السياسيين إلا بالتعليمات وخصوصا في الملفات ذات الصبغة السياسية وما أكثرها في هذا البلد الذي لازالت السياسة فيه تسير “بالمقود من الخلف “.

هناك مثل شعبي مشهور يقول “بلارج جا يبوس ولدو هو يعميه” باللغة الفصحى “اللقلاق جاء ليقبل ابنه فأصابه بالعمى” وهذا المثل ينطبق على الوزير الصغير حصاد عندما جُزَ به (بالتشديد) في وزارة من أخطر الوزارات “وهي وزارة التعليم” نظرا لما فيها من مسالك ودروب كلها محفوفة بالمزالق والمخاطر المؤدية للموت مباشرة، وهاهو الوزير حصاد يرتمي في نهرها الآسن عاريا بدون معرفة ولا مهارات العوم والغوص الاحترافي.

والكل تابع مند اليوم الأول لالتحاق الوزير بالوزارة كطفل صغير يلتحق بالقسم الأول بالمدرسة لايفرق بين أقلام الملونات وأقسام الدرس، فهو كالطفل الذي دخل إلى المدرسة وكثرت عليه الحجرات والموارد البشرية العاملة في المدرسة، فلا يفرق بين الحارس والمدير وطباخ المطعم، نفس الأمر يحدث مع الوزير فهو لايفرق بين الأقسام الكثيرة للوزارة والمديريات المتشعبة، إن وزارة التعليم هي بمثابة امبراطورية قائمة الذات الداخل إليها مولود والخارج منها مفقود كما يقول المثل.

وكان متوقعا أن الوزير سيغرق في بداية الطريق أو سوف يتم إغراقه لأنه غير ملم بكواليس هذا الميدان الملغم، الملغم في كل شيء وهذا بدا واضحا خلال الحركة الإنتقالية الوطنية التي صادفت التحاق الوزير، وقد أثارت ضجة كبيرة وسط الشغيلة التعليمية قاطبة، وقد بدا واضحا للعيان أن الوزير لايفهم شيئا في ملف سقطت فيه أسنان وأنياب النقابات، وكانت الحركة كارثية سجلت أغلب النقابات اعتراضها وشجبها لنتائجها التي لم تكن منصفة بالمرة وظهر أنها كانت متسرعة وتم التخطيط لها من طرف لاعب هاو غير ملم بالملف بالمرة.

خلفت الحركة الوطنية انطباعا مؤلما للعديد من شغيلة التعليم رغم أنها ساهمت في نقل نسبة مهمة من نساء ورجال التعليم انتظروا مدة طويلة هذه الفرصة لكنها كانت على حساب فئة أخرى، وهنا بدا واضحا مرة أخرى جانب الارتجالية والعشوائية في تدبير ملف الحركة الوطنية.

حَرْكَاتْ الوزير لم تقف عند هذا الحد، فقد حاول إصلاح خطأ جسيم بخطأ فادح جدا، خلال الحركة الانتقالية الجهوية والمحلية، فقد ارتكب مجزرة لم يسبق أن حدثت في تاريخ المغرب، عندما قام الوزير وأنا أتساءل هل كان يعرف ما يفعل أم لا، بإلحاق فئة من رجال التعليم بالمدن، بنقط المشاركة جد ضئيلة مع نقط جد عالية لرجال ونساء تعليم قضوا زهرة عمرهم بالوسط القروي ونموذج على ذلك انتقال العديد من الأساتذة إلى بلدية قلعة السراغنة بـ 14 نقطة مدرسة المسيرة و 28 نقطة مالكة الفاسي و30 نقطة عمر بن الخطاب واللائحة طويلة وعمر تعينهم سنتين وثلاث سنوات وأربع سنوات، أكثرهم لايتعدى 10 سنوات، بالمقابل هناك من يتوفر على أكثر من 200 نقطة واشتغل 30 سنة قضاها بالعالم القروي ولم يستفد من هذه الحركة، ماذا يمكن أن نسمي هذا السيد الوزير؟ إنه لعب “الدراري” كما وصف أحد المحتجين نتائج هذه الحركة …

تحركت العديد من النكت مند تعيين الوزير، لأن المغاربة تفاجؤوا جميعا وجاءتهم كالصدمة وزير تكنوقراطي لايتحدث سوى لغة العصا ولا يتحرك سوى بقاموس الأوامر والتعليمات مع البوليس والشيوخ والمقدمين ورجال السلطة وبين عشية وضحاها يغير جلدته كاملة ويبدأ يتحدث لغة التربية والعلم والتعلم …فعلا إنها أزمة دولة، أزمة أخلاق الدولة.

ومن مكر الصدف أن الحركة الجهوية في اللحظة التي خرجت إلى النور بدأت النكت تتقاطر كالعادة في كل حدث مثير يحدث بالمغرب، وآخر النكت جادت بها قريحة أحد الظرفاء حين قال وهو يسخر من أصدقائه الأساتذة المحتجين خلال هذه الحركة الانتقالية الأخيرة عندما قال لهم: لماذا أنتم غاضبون من السيد الوزير فالمسكين لم يفعل شيئا فهو ليس له علم لا بالحركة ولا بأولادها، فقد قام بتكليف بعض البوليس بالقنيطرة لإنجاز المهمة، وخيرا فعلوا بنا فنحن مند مدة لم نخرج للاحتجاج وهي فرصة لنجدد العهد مع الشارع والشعارات.
الآن كل المديريات الإقليمية بالمملكة مشتعلة وتحتج على نتائج هذه الحركة وتطالب الوزير المبتدئ بالرحيل، لأنه أبان عن فشله مرة أخرى في قطاع لايمت له بصلة وإعادة الأمور إلى جادة الصواب، وتصحيح هذه الأخطاء الفادحة والتي لم يسبق أن تم تسجيلها في وزارات التعليم السابقة. كما يجب أن أثير انتباه السيد الوزير إلى مسألة خطيرة جدا وهو يقوم بعملية القتل المعنوي للأساتذة لتفويت الفرصة عليهم وهي من حقهم، كيف سيدخلون السنة القادمة بمعنويات عالية والقيام بتدريس الجيل القادم؟ لاشك أن الجميع سيهجر القسم عقلا وأخلاقا وعطاء ومصداقية وروحا، إنه الشلل والموت التي سيتسرب إلى كل الأقسام أيها الوزير.

بقيت إشارة مهمة وكنت قد أشرت إليها في العديد من المقالات، أن الفوضى التي تعرفها التعيينات بالمملكة أصبحت مخجلة وتضر بسمعة المغرب ورائحتها النتنة أصبحت تزكم الأنوف عندما أصبحت تتحكم فيها العلاقات والمصالح الشخصية أكثر من مصلحة الوطن، وها نحن اليوم أمام نموذج واضح لايحتاج إلى كثير من الفطنة والذكاء لاكتشافه، أيها الملك عليك أن تعيد الأمور إلى حالها الطبيعي، عليك أن تضع رجالا أكفاء في العديد من الوزارات ومنها وزارة التعليم المغدورة، السيد حصاد عليك أن تلتحق بمكان آخر، لا تُشْتَمُ منه رائحة العلم والمعرفة، فأرض الله واسعة.

*كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons