محمد جبر الريفي

حول المشروع الوطني الفلسطيني .. ماذا تبفى له في ضوء مشاريع التسوية المطروحة؟

كتب : محمد جبر الريفي*

ماذا تبقى من المشروع الوطني الفلسطيني الذي يشغل حتى الآن كمصطلح سياسي كل أدبياتنا السياسية من بيانات ومقالات وخطب حماسية رنانة وذلك على الرغم من تراجع القضية الفلسطينية في سلم الاهتمامات العربية والإقليمية والدولية كأزمة ساخنة من أزمات السياسة الدولية؟ ماذا تبقى لهذا المشروع الوطني الذي اكتسب على مستوى دول المنطقة وعلى نطاق بلدان العالم الثالث طابعه التحرري النضالي بفضل انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة في الأول من يناير عام 65 من القرن الماضي حيث انتقلت بفضلها القضية الفلسطينية من قضية لاجئين ذات أبعاد إنسانية وإغاثية إلى قضية تحرر وطني.

ماذا تبقى للمشروع الوطني الفلسطيني من دلالات سياسية وقد تم التنازل عن هدف تحرير فلسطين وإقامة الدولة الديمقراطية الواحدة على كامل ترابها الوطني كحل استراتيجي عادل وهو الشعار السياسي الناظم الذي طالما هتفت به الجماهير الفلسطينية والعربية من المحيط إلى الخليج وسقط الشهداء من أجله واندلعت الحروب بسببه وأقره مؤتمر الخرطوم بعد هزيمة يونيو حزيران 67 وهو ما عرف حينها بمؤتمر اللاءات الثلاث لا تفاوض ولا اعتراف ولا صلح مع الكيان الصهيوني ؟في المشروع الوطني الفلسطيني قضايا جوهرية استراتيجية هامة لا يتم تحقيق تسوية عادلة وسلام شامل وكامل للقضية الفلسطينية إلا بحلها بشكل غير منقوص وهو الشيء الذي لا يمكن تحقيقه في ضوء مشاريع التسوية المطروحة.

القضية الأبرز في نكبة عام 48 وهي قضية اللاجئين الفلسطينيين الذين اقتلعوا من ديارهم بممارسة تطهير عرقي عنيف من قبل العصابات المسلحة الصهيونية في حرب 48 وقد تم الالتفاف على قرار الأمم المتحدة الذي ينص على حق العودة والتعويض واستبداله كما جاء في المبادرة العربية للسلام بعبارة حل متفق عليه وذلك تمشيا مع الرفض الإسرائيلي الذي تجمع عليه كل الأحزاب والحركات السياسية الإسرائيلية في تطبيق قرار الأمم المتحدة المتعلق بهذه المسألة ومازال الكيان الصهيوني يرفض هذه المبادرة العربية التي أقرها مؤتمر القمة العربية في بيروت عام 2002 رغم أنها تحقق للدولة العبرية التي قامت على أنقاض الشعب الفلسطيني كل المطالب السياسية الصهيونية من الاعتراف الى التطبيع إلى إقامة علاقات دبلوماسية مع كل الدول العربية.

ثم أيضا ماذا تبقى للمشروع الوطني الفلسطيني من تحقيق هدف الاستقلال والسيادة الوطنية وقد تسفر أي تسوية سياسية قادمة على ضم الكيان الصهيوني للكتل الاستيطانية الكبرى لدولة الكيان كمستوطنة أريئيل التي صرح نتنياهو في مناسبة افتتاح جامعتها العلمية الاكاديمية قبل أيام بأن مستوطنة أريئيل ستبقى في أي تسوية سياسية قادمة هي والمستوطنات الأخرى الكبرى تحت السيادة الإسرائيلية كجزء من اراض الدولة اليهودية وهو الشيء الذي يعني الإقرار بسياسة التوسع والاستيطان الصهيوني الذي طال كل أنحاء الضفة الغربية المحتلة وهي السياسة العنصرية التهويدية التي تجري الآن ممارستها بشكل متسارع غير مسبوق لتغيير الواقع الديموغرافي على حساب أراضي الدولة الفلسطينية المحتلة المزمع قيامها على أساس مشروع حل الدولتين وهو الحل المتعثر بسبب سياسات اليمين الصهيوني ويجري الآن تشويه صيغته من خلال أفكار ومقترحات وحلول سياسية إقليمية وصهيونية ودولية (صفقة القرن) تخرجه من إطاره الوطني الفلسطيني كحل مرحلي للقضية الفلسطينية وهي أفكار تبدأ من إقامة دولة في قطاع غزة مع جزء من شمال سيناء المصرية … إلى دولة بدون القدس الشرقية كعاصمة لها مع اتحاد كونفدرالي قطاع غزة مع مصر والضفة الغربية مع الأردن … وبذلك ينتهي الحلم الوطني الفلسطيني حلم الجماهير العربية حلم إعادة فلسطين المغتصبة من قبل مهاجرين يهود كجزء من مشروع استعماري .. إعادتها إلى الخارطة السياسية العربية وهو حلم وردي له إمكانية موضوعية للتحقيق لأنه يتوافق مع حقائق التاريخ والجغرافيا ووحدة النسيج الاجتماعي لدول المنطقة لكن الواقع السياسي العربي وما يتصف به من مؤثرات التجزئة السياسية والتخلف الحضاري وعلاقات التبعية السياسية والاقتصادية يحول دون تحقيقه.

وبعد ذلك كله: أليس كل هذا التراجع الذي حصل على مفهوم المشروع الوطني الفلسطيني بفعل سياسة الجري وراء أوهام مشاريع التسوية السياسية قد أصبح هذا المشروع الوطني بحاجة ماسة لإعادة صياغته من جديد على أساس التمسك الكامل بالثوابت الوطنية وعدم الالتفاف عليها بشكل أو بآخر وذلك تطبيقا بما تضمنه في بداية الانطلاقة الأولى للثورة الفلسطينية المعاصرة.

*كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons