عن الخطاب التربوي في المشروع النهضوي العربي

كتب : محمد جبر الريفي*

الخطاب السياسي وحده بكافة تكويناته هو الذي سيطر علي الوعي العربي وعلى ذهنية الإنسان العربي منذ حركات الاستقلال القطرية في الوطن العربي وبذلك ظلت قضايا التربية والسلوك والأخلاق خارج الاهتمامات الرئيسية لأغلب المؤسسات الثقافية الرسمية العربية وقد أحدث ذلك تناميا في المظاهر السلبية حتى في المجال السياسي نفسه وانتشارا للعيوب الاجتماعية في مجالات التنمية الاقتصادية، فغياب فاعلية التأثير للمؤسسات التربوية والتعليمية هو تعطيل لقدرة الإنسان العربي في عملية القيام بدوره الاجتماعي والاقتصادي وتأخير لتنميته وتطور ملكاته وقدراته التي يتطلبها هذا الدور وما هو واضح الآن أن الطفرة الهائلة في مجال التعليم في الوطن العربي لم تأت بتحقيق الأهداف المنشودة فبقيت ذهنية الإنسان العربي في كثير من المجتمعات العربية قاصرة عن مجاراة ما أحدثه التقدم العلمي التكنولوجي من نتائج ملموسة على المستوى الاقتصادي الامر الذي افضى بالتفكير الخرافي والتقليدي لأن يستمر في احتلال حيز كبير في الذهنية العربية وأنه من أجل بناء مجتمع عربي ومتقدم وخال من مظاهر التخلف لابد من التأكيد علي الخطاب التربوي القائم على المنهج العلمي الحديث ومن خلاله يتم إعادة النظر في كثير من الممارسات السلوكية الخاطئة التي شاعت في حياتنا اليومية وفي كتير من المفاهيم التي تكرس عملية الاستلاب الحضاري بكافة اشكاله.

إن التربية والتعليم هما الحقلان الأساسيان اللذان يجب أن يتوجه لهما المشروع النهضوي القومي العربي، فالفلسفة الاستعمارية التي خططت لتخلف الشعوب كانت دائما تنطلق في مخططاتها من اعتبار أن التعليم لا يعطى للشعوب المقهورة إلا بقدر ما يتيح للدوائر والمؤسسات الاستعمارية استيعاب مجموعات الموظفين البيروقراطيين الذين يصعب عليهم الخروج من دائرة الهيمنة الثقافية الاستعمارية، وبذلك يتحول المجتمع بأسره إلى مجموعة من الناس تبهرهم حضارة المستعمر وتفكيره وقدرته علي الخلق والإبداع والابتكار في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لذلك فإن المجتمع العربي ومجتمعنا الفلسطيني بالخصوص بحاجة ماسة إلى سياسة تربوية تعليمية تقدمية واضحة تعمل على تربية العقول وتهذيبها.

وهذه السياسة المنشودة يجب أن تكون قائمة على العلم والحرية لأن العلم هو القوة الحقيقية في عالم اليوم وليس أدل علي ذلك من تسابق دول العالم الكبرى علي احتكار التكنولوجيا وغزو الفضاء بل إن هناك دولا صغيرة أصبحت عن طريق العلم قوة اقتصادية في عالم اليوم.

والعلم هو الطريق الوحيد لمسايرة الدول المتقدمة تقنيا واللحاق بها حيث الصلة وثيقة بين التربية والتعليم وبين التقنية الحديثة وهو _اي العلم لا يرقى ولا يزدهر الا في اطار من الحرية والعقول لا تتفتح إلا في حلقات الجدل بل إن مجالات الفكر والثقافة لا تصاب بالجمود إلا إذا افتقدت ما تحتاجها من حرية الانطلاق والتعبير، وكل حديث عن تقدم العلم ينبغي أن يؤسس علي البحث الحر لا علي التلقين والتلقي والعقل العربي لا ينهض في هذه المرحلة إلا بالتأكيد علي الخطاب التربوي العلمي ولا تكون وسيلته إلى اجتياز مرحلة التخلف إلى مرحلة التقدم إلا بالثورة لأن التعليم المطلوب لواقعنا العربي المأزوم هو الذي يمنح مكانة حضارية للإنسان والمجتمع لا التعليم الذي يكرس الاستلاب الحضاري والذي يؤدي إلى تخبط الإنسان العربي في الفوضى الفكرية والسياسية وهي دعوة ليست للعزلة الحضارية والتقوقع بقدر ما هي دعوة إلى حضارة عربية تقدمية مكتملة لا تصل بنا إلى مرحلة الانحدار بل توفر لنا عناصر البقاء في وجه الغزو الخطير القادم علي المشاريع والمخططات الاقتصادية المشبوهة التي تبشر بها الدوائر الصهيونية والإمبريالية.

*كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons