تيران وصنافير .. الأرض الموهوبة ممن لا يملك لمن لا يستحق

كتب : إيهاب القسطاوي*

عندما فرطنا في حق “أم الرشراش”، كان أبي مجند بسيط بالقوات البحرية، كآلاف المجندين من فلاحين وعمال مصر، من أبناء الطبقة المتوسطة، ممن حملوا على عاتقهم شرف تحرير تراب الوطن، ممن حلموا بانبلاج فجر الوطن، ورددوا مع الخال الابنودى: “تعيشى يا ضحكة مصر”، وغنوا مع عبد الحليم حافظ “خلي السلاح صاحي”، فقد كان مكلف من قيادته برصد تحركات جيش العدو الصهيوني من خلال قارب صيد بدائي استقله مع بعض الصيادين البسطاء بجزيرة تيران، وتم أسره من قبل قوات العدو، ولكن قبل ان يقع فى أيديهم قام بالتخلص من جهاز الاتصال اللاسلكي الذي كان في حوزته فى أعماق ساحل الجزيرة، فابحثوا فى عمق شط الجزيرة، سوف تجدون جهازه القابع هناك ملطخ ببعض دمائه، مازال يصرخ في وجه من تخلى عن الجزيرتين: “الأرض مصرية، مصرية، مصرية”، ليستشهد أبي في النهاية وهو قيد الأسر على أيدي العصابات الصهيونية، والسؤال الذي يطاردني حاليا: “عن ماذا كان يدافع أبي، عن أرض مصرية متشابك مع جذورها، ام أرض سعودية”.

بعيدا عن الوقائع التاريخية والعلمية والقانونية المتعلقة بأهمية ووضع جزيرتي “تيران وصنافير”، اللذان يفصلان خليج العقبة عن البحر الأحمر، ويتحكمان في مدخل خليج العقبة، ميناء العقبة في الأردن، ميناء “إيلات المحتلة” أم الرشراش المصرية، وبعيدا عن الدماء المصرية التي سالت وامتزجت بالأرض، ففي العام 1956 بدأ العدوان الثلاثي على مصر واحتل العدو الصهيوني جزيرتي تيران وصنافير وأصبح مضيق تيران تحت سيطرتها ومفتوحاً أما العالم وتم منع وجود قوات مصرية فيها وظلت الجزيرتين تحت حماية قوات دولية، حتى العام 1967، حيث أبلغت مصر القوات الدولية بالانسحاب من الجزيرتين وأعلن عبد الناصر أن الجزيرتين ستعودان للسيادة المصرية ومنع دخول أى سفينة صهيونية، فقام الكيان الصهيوني بعد إغلاق تيران بإعادة احتلالها مرة أخرى، وبعد عقد اتفاقية العار “كامب ديفيد” مع الكيان الصهيوني عام 1978 وما تلاها من معاهدات خنوع 1979، ليشترط العدو الصهيوني بموجبها أن لا تُوضع الجزيرتين تحت حماية قوات دولية ومصرية، وأن تعبر السفن الصهيونية في الخليج بحرية تامة وبالفعل تم ضم الجزيرتين للمنطقة “ج” والتي بموجبها يمنع أي تواجد لقوات الجيش المصري، وهو ماحدث بالفعل فلم تكن في الجزيرتين إلا بعض من قوات حفظ السلام.

وبعيدا عن فقدان مصر سيادتها وسيطرتها على أحد حدودها المائية الهامة وهما الجزيرتان اللذان يمثلان مفتاح مصر على البحر الأحمر، وخسارتها مقصد سياحي مهم، بالإضافة إلى إحتواء الجزيرتين على مخزون استراتيجي هائل من أحواض الغاز الطبيعي داخل البحر الأحمر، ليبقى الكيان الصهيوني هو الطرف الوحيد المستفيد من التفريط في الجزيرتين وذلك لطموح الكيان الصهيونى فى انشاء قناة ملاحية من ميناء “أم الرشراش” المحتلة إلى البحر الأبيض تسمى قناة ”أشدود” وذلك لتنافس قناة السويس.

قصة التنازل

بعد عقود من إصرار الدولة المصرية على أن جزيرتي تيران وصنافير مصريتان وتدريس ذلك في المناهج الدراسية الرسمية، وطرحه أمام المؤسسات الدولية وفي الوثائق الرسمية تغير الموقف الرسمي 180 درجة وبدون سابق إنذار أو مشاركة للشعب بأي وسيلة، لتخرج علينا وسائل الإعلام بخبر توقيع اتفاق تعيين الحدود البحرية ما بين مصر والسعودية ضمن 15 اتفاقية وبرتوكول تم توقيعها ما بين الجانبين المصري والسعودي أثناء الزيارة المشئومة للملك سلمان لمصر، وأعقب ذلك مساء السبت 9 أبريل/نيسان 2016 صدور بيان من مجلس الوزراء يدعي بشكل مقتضب أن الاتفاق جاء بعد عمل شاق وطويل استغرق أكثر من 6 سنوات، انعقدت خلالها إحدى عشر جولة لاجتماعات لجنة تعيين الحدود البحرية بين البلدين، آخرها ثلاث جولات منذ شهر ديسمبر/كانون الأول 2015، وطرح فيه أن التوقيع على اتفاق تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية انجاز هام مفيد للبلدين، مبينا أن الرسم لخط الحدود أسفر عن وقوع جزيرتي صنافير وتيران داخل المياه الإقليمية للمملكة العربية السعودية، وعلى اثر ذلك أقام بعض المحامين دعوى قضائية يوم 10 أبريل/نيسان أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة، مطالبين بإصدار حكم قضائي بوقف تنفيذ الاتفاقية، ضد كل من رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء، ورئيس مجلس النواب، لمخالفتهم المادة 151 من الدستور، وسط سخط وحالة من غليان شعبى على اتفاقية التنازل عن تيران وصنافير لصالح المملكة العربية السعودية، وتم تنظيم وقفتين احتجاجيتين: الأولى في 15 إبريل/نيسان، والثانية 25 إبريل/نيسان 2016، وتم القبض على ما يقرب من 590 متظاهرًا واتهامهم بالتظاهر في القضية المعروفة إعلاميًّا بقضية الأرض.

 

 

صدر بعد ذلك حكم أول درجة في 21 يونيو/حزيران 2016 من محكمة القضاء الإداري ببطلان توقيع ممثل حكومة المصرية على الاتفاقية الخاصة بترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، طعنت الحكومة المصرية في 22 يونيو/حزيران 2016 على الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا، وأعلنت أنها ستتقدم بكافة الوثائق التي تحت يديها لبيان سلامة وقوة أسانيدها، وأكدت الحكومة أنه لا تفريط في التراب الوطني، وأن الحفاظ على الأراضي المصرية دون تفريط من الثوابت والمبادئ الأساسية للدولة، أقامت هيئة قضايا الدولة بصفتها محامي الحكومة دعوى منازعة تنفيذ في 15 أغسطس/آب أمام المحكمة الدستورية العليا، لوقف تنفيذ حكم محكمة القضاء الإداري ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية واستمرار تبعية جزيرتي تيران وصنافير لمصر، قضت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة يوم 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 برفض استشكال هيئة قضايا الدولة الجهة الممثلة للحكومة، الذي يطالب بوقف تنفيذ حكم بطلان اتفاقية “تيران وصنافير” بين مصر والسعودية لحين الفصل في طعن الدستورية، كما قضت بالاستمرار في تنفيذ الحكم، وتغريم الحكومة مبلغ 800 جنيه، وفي 29 سبتمبر/أيلول 2016 قضت محكمة الأمور المستعجلة المصرية ببطلان حكم محكمة القضاء الإداري الذي أبطل نقل تبعية جزيرتي تيران وصنافير من مصر للسعودية، وتقدم المحامون بطلب لوقف تنفيذ حكم القضاء الإداري، استنادًا إلى أن قضاء مجلس الدولة غير مختص بنظر الاتفاقيات والأمور التي تعد من أعمال السيادة، وفقًا لقانون مجلس الدولة، دخل طعن الحكومة على مصرية تيران وصنافير في عدد من التأجيلات، حيث أجلت المحكمة الإدارية العليا الحكم في القضية من 5 إلى 19ديسمبر/كانون الأول 2016 للاطلاع على تقرير المفوضين بالمحكمة الإدارية العليا والرد عليه، وبعد الاطلاع حجزت القضية للحكم في 16 يناير/كانون الثاني 2017، وقبل نهاية العام وتحديدًا في يوم 29 ديسمبر/كانون الأول 2016 وافق مجلس الوزراء المصري على اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر والمملكة العربية السعودية، وقرر إحالتها إلى مجلس النواب طبقًا للإجراءات الدستورية، الأمر الذي اشعل الغضب الشعبى لاتخاذ الحكومة هذا القرار، فتم تنظيم وقفة احتجاجية أمام نقابة الصحفيين في يوم 2 يناير/كانون الثاني 2017 انتهت بالقبض على 12 من المتظاهرين.

وقد أكدت الحكومة المصرية بكل فجاجة في مذكراتها التي أرسلت للبرلمان في 29 ديسمبر/كانون الأول الماضي، أي قبل صدور حكم بات ببطلان التنازل عن الجزيرتين بنحو 3 أسابيع، أن الجزيرتين كانتا عهده في يد مصر منذ احتلال القوات البحرية المصرية لهما في يناير/كانون الثاني 1950 لدعم المركز العسكري والاستراتيجي للعرب ضد “إسرائيل”، وإغلاق خليج العقبة بعدما احتلت “إسرائيل” مدينة أم الرشراش وحولتها إلى ميناء إيلات في مارس/آذار 1949 في نهاية حرب فلسطين، وطبقا للمستندات التى نشرتها الحكومة المصرية وقت توقيع الاتفاقية كدليل على سعودية الجزيرتين، عن أن مبارك طلب وساطة الرئيس السوداني الأسبق، جعفر نميري، مع العاهل السعودي الراحل الملك خالد بن عبدالعزيز، لإقناعه بعدم إثارة موضوع استعادة السعودية للجزيرتين حتى إتمام الانسحاب الإسرائيلي من سيناء.

وكشفت وسائل الإعلام في 10 يناير/كانون الثاني الماضي، عن تفاصيل مراسلات خطية بين مصر والكيان الصهيوني حول تنسيق المهام الأمنية ونقل الجزيرتين للسعودية، تم اختتامها بخطاب من رئيس الوزراء الصهيوني، بنيامين نتنياهو، إلى وزير الخارجية المصري، سامح شكري، مؤرخ في 19 ديسمبر/كانون الأول 2016، أكد فيه أن الكيان الصهيوني لا يمانع بتسليم الجزيرتين إلى السعودية، وأنه يقر بما حملته الخرائط المصرية من تقسيم للمناطق وبخطة الانتشار الأمني المرتقب تنفيذها ومشروع جسر الملك سلمان، والسماح للسفن الصهيونية بالعبور من مضيق تيران وصولاً أو خروجاً من ميناء “إيلات”، واختتم الرسالة بأن: “هذه الإجراءات لا تمثل انتهاكاً لاتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية”، وفق تعبير الإرهابي نتنياهو.

وتنص اتفاقية كامب ديفيد الموقعة في عام 1978، على حرية الملاحة البحرية والجوية في مضيق تيران وخليج العقبة، وأشار إلى ذلك وزير الدفاع الصهيوني، الإرهابي موشي يعلون، في 13 أبريل/نيسان 2016، بقوله: “توصلنا مع الأميركيين والمصريين والسعوديين لنقل مسؤولية الجزيرتين إلى السعودية، بشرط الإيفاء بواجبات المصريين في الملحق العسكري لاتفاقية السلام”.

إن ما حدث يعبر في الواقع عن استخفاف غير مسبوق بمبدأ السيادة الشعبية الذي يزين مواد الدستور وبمؤسسات الدولة نفسها المفترض فيها تجسيد هذا المبدأ، فقد كانت جلسة التصويت على الاتفاقية في البرلمان تعبيرًا صريحًا عن الاستعداد للتخلي عن ما تبقى من تقاليد جمهورية، حيث أبت الجلسة أن تكتمل إلا بإعلان رئيس مجلس النواب أن “أحكام القضاء هي والعدم سواء” وبتنكر ممثلي الأغلبية البرلمانية والحكومة بالقول الفاحش لحق الشعب المصري في ممارسة رقابته على كل ما يتصل بسيادته تلك من أعمال، هذه المبادئ تم الضرب بها جميعًا عرض الحائط بمنتهى الوضوح، والإعلان بشكل لا يحتمل التأويل أن لا سيد في هذه الرقعة الجغرافية إلا الرئيس.

إن التنازل عن تيران وصنافير هو في واقع الأمر إعلان متأخر عن مصادرة فعلية لسيادة الشعب المصري على كافة مناحي حياته بدءًا من لقمة عيشه التي يجري التلاعب بها عبر قرارات التعويم وتعديلات قانون الضرائب الجديدة ورفع الدعم عن حزمة إضافية من الخدمات والسلع الأساسية، ويجري تعميد كل ذلك بموجة قمعية غير مسبوقة طالت كل من ينادي بحق الناس في الرقابة والمعرفة، فلم يكن من قبيل الصدفة والحال كذلك أن يجري تمرير تلك الاتفاقية على وقع موجات من حملات الاعتقالات الأولى في شهر إبريل/نيسان وحصدت 39 معارض والثانية في شهر يونيو/حزيران عند مناقشة مجلس النواب لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية وكانت حصيلة حملة الاعتقالات 151 شخص من بينهم 9 سيدات، بمجموع 190 ناشط سياسي أو كادر حزبي أو معارض تم القبض عليهم بين 21 أبريل/نيسان و20 يونيو/حزيران 2017 وما زالت الاعتقالات مستمرة، ومازال أكثرهم قيد الاحتجاز ولم يتم إخلاء سبيلهم حتى لحظة كتابة هذه السطور.

والحقيقة أن ردود الأفعال تكشف الأبعاد الحقيقية للمأساة، أن هذا الجيل غير قادر علي تمثل المعنى الحقيقي لفقدان جزيرتين من جزرنا، قد يكون ذلك لأننا جئنا في زمن الانبطاح والتخاذل الوطني والانسحاق أمام الغول الصهيوني والامبريالي. قد يكون هذا لأن معني الوطن انسحق، والانتماء الوطني أصبح جرما، والشعور بالكرامة الوطنية أصبح من تراث الماضي الذي عمدوا الى تشويهه، ان الاخطر من فقدان الجزيرتين، هو فقدان غيرتنا علي أرضنا والتعامل بميوعة.

أجدادنا منذ الدولة القديمة قاتلوا ضد شتى أصناف الغزاة كي تظل مصر. استعيدوا الشعور الوطني، اكرهوا الأجنبي، وجهوا حقدكم ضد كل ما يمس كرامتنا الوطنية، استعدوا ليوم نستعيد فيه كل شبر مسلوب من أراضينا، فمهما طال الليل، لابد من فجر الحق أن ينجلي.

*كاتب وباحث من مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons