الثلاثاء , سبتمبر 19 2017
الكاتب المغربي عبد الكريم ساورة

«ماركسي يصلي على السرير» .. قصة للكاتب المغربي «عبد الكريم ساورة»

كتب : عبد الكريم ساورة*

لا يمكن إلا أن يكون مختلفا عن الجميع، متميزا في كل شيء، يصدق نفسه ولا يصدق أحدا، يثق في قدراته ولا يثق في أحد، العربي، الماركسي المثقف، هذا الإسم كان يتردد على كل الألسنة بالجامعة، جل الطلبة يهابونه، ويحسبون له ألف حساب.

اختار شعبة الفلسفة، وهو ينصح كل زملائه: اسمعوا الفلسفة لايمكن أن يلج أبوابها من فيه حبة خردل من الإيمان، هذه شعبة الكفر والإلحاد. ويضيف وبنوع من الزهو قائلا: “اتركوا الله في منازلكم واحفظوا نصائح ماركس جيدا”.

العربي، شاب يمثل جيل السبعينات بأكمله، كانوا يؤمنون بماركس ولينين أكثر من الله، اكتشفوا فجأة أن قصائد ماركس وحدها من لها القدرة على تحطيم الطبقية التي كانت عقدة اليساريين.

كان التيار جارفا، والصراع في أشده بين قطبين متناقضين في كل شيء، بين الخير والشر، والغنى والفقر، والحياة والموت، لهذا كان العربي يقول لزملائه اليساريين: “أموت ألف مرة من أجل أن يسقط هذا النظام الغاشم. يجب أن تنتهي هذه الأسطورة المفبركة من حياتنا، يجب أن يسمع العالم صوت المطرقة”، بهذه الكلمات القوية، وهذه اللغة الموغلة في عوالم الحلم، كان يخطب العربي وسط الجماهير، إنه صوت الجماهير المتعطشة لهذه الكلمات المتلألأة في فضاء الجامعة، إنه يمثل جيل بأكمله.

مرت أربع سنوات بسرعة، حصل فيها على شهادة الإجازة في علم الاجتماع بميزة حسن، كان متفوقا على الجميع، لايفارق كراسات ماركس وانجلز، محفظته المعروفة بين الطلبة، نقش عليها المطرقة والمنجل، لباسه مختلفا ومثيرا، وجهه حادا ونظراته قاسية، يتحدث كلما دعت الضرورة إلى ذلك، لم يبتسم يوما في وجه أحد، وأنت تحدثه تشعر وكأنك بينك وبينه ثأر طويل.

وقف ذات صباح بين جموع الطلبة وهو يحمل مجموعة من الكتب الحمراء وصورة لرفيقه لينين وهو يردد بصوت مرتفع: اسمعوا أيها الرفاق…سأغادر الجامعة، وسأفارقكم مؤقتا، لكن تأكدوا أنني لن أفارق رفيقي هذا وأشار بسبابته إلى صورة لينين، ولن أخون هذه، وأعاد الإشارة إلى الكتب الحمراء، سنبقى على العهد حتى نزيل الداء ويزول الصداع.

عاد العربي إلى بلدته الصغيرة وهو يحلم بتحقيق جمهوريته الفاضلة، خلال أيام قليلة جمع ثلة من الشباب الحالم بالتغيير الجدري، كان العربي في كل لقاء له بالمناضلين الشباب يحثهم على التشبث بهذا المطلب الاستراتيجي قائلا لهم: “الحل في التغيير الجدري” وبحماسة منقطعة النظير، كان يهتف الشباب: عاشت الجماهير …عاشت الجماهير ..عاشت الجماهير…

كانت الاعتقالات في أوجها، لأن النظام كان يخاف من الشعارات أكثر من خوفه من الدبابات، وَوُضِعَ إسم العربي في لائحة المشاغبين رفقة بعض رفاقه، تم اعتقالهم لمدة أسبوع وأطلق سراحهم، لم يعثروا في حوزتهم سوى على منشورات مفعمة بالوعد والوعيد “للإمبريالية وأزلامها الخونة”.

طيلة مدة التحقيق مع العربي كانت التحقيقات مركزة على كلمة “أزلامها” كان كل محقق يحقق معه يسأله نفس السؤال قائلا له: ماذا تقصدون بـ “أزلامها”؟

كان المحققون متوجسون كثيرا من الكلمات، يعتقدون أنها تحتوي على سر من الأسرار التي قد تقودهم إلى الحقيقة، إن جهلهم الكبير بالمعجم السياسي، كان يجعلهم يشكون في كل كلمة جديدة عليهم، ويشكون في كل واحد تلفظ بها، أي لفظ جديد هو إشارة على محاولة انقلاب جديدة، ومحاولة في تغيير النظام القائم.

أسبوع من الاعتقال كان كافيا ليصبح العربي زعيم اليساريين بالبلدة ويتم انتخابه بالإجماع رئيس الفرع المحلي للحزب، ويودع أحلام الجامعة وصورة لينين والكتب الحمراء، وينطلق لحصد مقاعد المدينة.

فرحة العربي لم تدم طويلا، فقد قرر الحزب مقاطعة الانتخابات، كما قاطع من قبل التصويت على الدستور والذي اعتبروه ممنوحا، وبهذا الخبر الصاعق فضل أن يلتحق بسلك التعليم، والذي قضى به مدة طويلة، استغل موقعه النضالي ليتم دراسته العليا، وحصل على دبلوم الدراسات العليا في علم الاجتماع ومنها حصل على مدير ثانوية والذي كان بالنسبة له أكبر إنجاز يحققه في حياته.

بدأت تظهر ملا مح التغيير على شخصية الرجل، فقد أضحى أكثر تشددا من الأول، فكل مناضلي الحزب يجدون صعوبة كبيرة في محاورته أو في الحديث إليه في أمور الحزب، وكان كل من حاول أن يخوض في الجانب التنظيمي للحزب ينهره ويتهمه بأقبح الاتهامات قائلا له: “الحزب هو أنا وأنا هو الحزب” مضيفا: “أنا من بنى الحزب بهذه المدينة وأنا من أعتقلت بسبب هذا الحزب، ولا أحد يمكنه أن يهدم ما بنيته منذ سنوات طويلة” ويضيف: “أنتم مجرد ضيوف على الحزب، أنا رَبُ البيت”.

نفس الاسطوانة كان يرددها في كل مناسبة، وهو ما جعل العديد من المناضلين ينسحبون من الحزب الواحد بعد الآخر، والحزب سنة بعد أخرى يتراجع ويتقهقر حتى بلغ الحضيض.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد فقد أثرت وضعية الحزب على نفسية العربي، وأصبح أكثر اعتزالا، طلق المقاهي بالمرة، وهجر الوقفات الاحتجاجية التي كان يدعمها الحزب مرة مرة، ودخل في خصام وعداوات مع زملائه في العمل، فكل يوم يذاع خبر خصام وسباب بينه وبين أحد الأساتذة، وهو ماجعل الجميع يطالبون برحيله، لدرجة أن ثلة من الأساتذة أصبحوا يستهزؤون منه بقولهم: هل فعلا هذا يمثل اليسار؟ وهل أخلاق اليسار تكون بهذا الشكل؟ هذا رجل مريض يجب نقله إلى أقرب مصحة نفسية للشفاء……

علم الحزب على المستوى المركزي، بوضعية الفرع المحلي المتقهقرة، وبعث بلجنة للتقصي، ووجدت أن الرجل الماركسي صاحب محفظة المطرقة والمنجل لم يبق منه إلا الذكريات، وأنه وجب تعويضه بسرعة بمناضل يعيد الروح إلى الحزب المغدور بهذه المدينة.

كانت سنة كافية على تعويضه، من طرف مناضل، شاب متخلق، متمكن، منفتح، محاور جيد، هناك إجماع حوله، ملم بقواعد التواصل الحديثة، يستحضر في كل لقاء له قوانين الحزب، ويشد على عنصري مشاركة الجميع، وعلى الديمقراطية الداخلية، وهذا ما زاد من إعجاب المناضلين به، كما ساهمت ثقافته الواسعة ومشاركته كل القوى بالمدينة في البحث عن أفق لها ومستقبل أبنائها.

ازدادت شعبية القائد الجديد للحزب بالمدينة خلال سنة واحدة، وهو ما جعل المسؤولين على المستوى المركزي ينوهون به وبما قام به من مجهودات أعطت أكلها بشكل ملموس وهو ما جعل العديد من الأطر والمناضلين والمناضلات يلتحقون بالحزب، ويعرف توهجا لم يسبق أن عرفه الحزب طيلة الفترات السابقة. في هذه الفترة جن جنون العربي واعتبر أن انقلابا حيك ضد شخصه العظيم وما أنجزه لفائدة الحزب، وتحول إلى وحش هائج حيث جمع بعض الموالين له الذين نفضتهم المرحلة معه، وشكلوا حلفا صغيرا، وبدأوا يطالبون بتطهير الحزب من الخونة و”المتياسرين”، وبدأوا في الهجوم على القائد الجديد بكل ما يملكون من أسلحة الدمار الشامل لشخصه وأسلوبه ولكل من يساندونه.

لقد أعلن العربي الحرب على الجميع مذكرا إياهم بمقولته الشهيرة “أنا هو الحزب والحزب هو أنا”. وفي كل اجتماع كان يصرخ بأعلى صوته: “أن اليسار مدرسة المناضلين الحقيقيين لايجب أن ينفتح على أحد يجب أن يظل مغلقا مثل صدفة البحر حتى لايدخلها الماء” وزاد قائلا: “اليسار مجتمع النخبة، نحن من نفكر، ونحن من نقرر ونحن من يجب أن يُنْصَتَ إلى دروسنا، الكل يجب أن يتبع خطواتنا”، “الكل يجب أن يتعلم منا، نحن الأصل” هل تسمعون؟

رد عليه القائد الجديد بقوة قائلا له: “اليسار هو صوت الشعب، اليسار هو الشعب بكامله وليس نخبه المريضة التي تأكل من المواقع التي تربعت عليها عن طريق التهييج وشبكة العلاقات المخدومة” وأضاف بنبرة حازمة أمام جميع المناضلين قائلا: “عليكم أن تتخلوا عن أسطورة أنكم وحدكم المناضلون في الساحة، عليكم أن تنسوا فترة السبعينات، الشعب الآن لا يعرفكم، ولا يعرف قصتكم التاريخية، الجيل الجديد من الشباب لايعرف عنكم شيئا، لايعرف عنكم سوى أنكم ملاحدة تحاربون الله، هل لديكم ما تقدمون للشعب من غير السب والتخوين والعربدة للآخرين والبكاء على الأطلال، أفيقوا من سباتكم لقد هرب القطار عنكم وسوف ترمون في مزبلة التاريخ إذا لم تُسْرِعُوا في تغيير قصائدكم القديمة”.

كان القائد يتحدث من قلبه وهو يشعر بالمرارة، كان يشعر بثقل المرحلة، وأن زمن اليسار لم يعد الزمان نفسه، لقد تغيرت أمور كثيرا بالبلاد، وأن الخطاب والسلوك يجب أن يتغير، يجب فتح قنوات كثيرة، يجب الإنصات إلى الأصوات الأخرى، إننا في منعطف خطير، لم يعد لدينا أي اختيار آخر أيها المناضلون الشرفاء، إما البقاء أو الموت، يختتم كلامه. خرج العربي يجري كالجرو الخائف، تبعه مريدوه، الثلاثة والذي يلتصقون به دائما كظله يهرولون وراءه، فبدأت الشعارات ترفع عاليا في القاعة….سواء اليوم سواء غدا، والتغيير ولابد…..

مدة طويلة لم يعد يحضر العربي ومريدوه، اجتماعات المجلس، فقد هجر كل شيء، زوجته التي كانت مناضلة بالحزب هي فقط من تحضر بين الفينة والأخرى، وكلما سألها الرفاق عن زوجها تتحاشى الحديث عنه، ولكنها أسرت لرفيقه لها بأن العربي تغير كثيرا، لم يعد ذاك العربي الذي كان كلما رفع صوته في حلقات الجامعة، الكل يسمع ويمتثل، لم يعد ذلك الرجل الذي كان يضرب به المثل في المواجهة، فقد أصبح مثل العجوز الذي ينتظر لحظة وداعه الأخير، خائفا، مذعورا، ولا يكلم أحدا، فقد قاطع كل شيء، ويشك في كل شيء بما فيهم أنا زوجته، لقد أصبح يغلق باب الغرفة عليه، وهو يردد أنا الحزب، أنا اليسار كله، أنا ماتبقى من اليسار، ويمزق ماتبقى من كتب ماركس ولينين، وما جمع من الكتب الحمراء، ويكسر الأشرطة الغنائية الثورية، ويشطب على المطرقة والمنجل المرسومة على حائط غرفته، وفي الليل يشرع في الصلاة، بدون انقطاع والغريب أنه يصلي على سريره.

*كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons