الثلاثاء , سبتمبر 19 2017
محمد علي دوس

محمد علي دوس .. الرائد الشرق أفريقي “للبان أفريكانزم”

كتب : كريبسو ديالو*

في بدايات معرفتي بحركة وفكر “ألبان افريكانزم” لفت نظري اسم هذا الرجل “محمد علي دوس” عدة مرات قبل ان أوليه اهتماما دراسيا عميقا. فقد ورد اسمه أمامي في عدد كبير من الكتب التي عرضت تاريخ الدعوة الي “الجامعة الافريقية” ومؤتمراتها منذ المؤتمر الأول المنعقد في لندن 1900 ومع ذلك لم يحظ مما كتب الا بأسطر قليلة لا ترسم له دورا أساسيا في الحركة، ولما توفرت علي دراسته تبنيت مدى الظلم وعمق النسيان الذي لحق بسيرة هذا الرائد سوداني الانتماء الذي بدأ بمولده في الإسكندرية ثم حياته في لندن وأمريكا وأخيرا في نيجيريا حيث توفي عام 1945.

وإذا اخترنا عينة من الكتب الأساسية عن “ألبان افريكانزم” وجدنا “جورج بادمور” يذكره في كتابه “الجامعة الإفريقية أو الشيوعية” في 7 أسطر خلال الحديث عن “ماركوس جارفي” فيقول: ان “جارفي” امضى عدة سنوات في لندن يتعلم من “محمد علي دوس” المحرر الشاب السوداني الذي كان يعمل محررا في مجلة “أفريكان تايمز أند أورينت ريفيو” التي اشتهرت بعدائها من الاستعمار، وكتب ايضا كيف كان “دوس” من أنصار الزعيم الوفدي “سعد زغلول”. ويقول أيضا “كولين ليجوم” في كتابه “الجامعة الافريقية” ان “دوس محمد علي” ربط اسمه ونشاطه بكفاح القيادات الأولى “للبان افريكانزم” وان مجلته كانت منبرا للدعوة للوحدة الافريقية ومحاربة الاستعمار. وبينما كان يذكره “إيسين اودم” في كتابه عن القومية السوداء في امريكا ، بانه معلم “ماركوس غارفي” الذي تأثر بأفكاره ونشاطه. وأخيرا تشير نشرة “الانسيكلوبيديا أفريكانا” إلى أنها ستضع اسمه في سجل إعلام كتاب نيجيريا الذي تزمع الموسوعة التأريخ لحياة أهم الكتاب المحليين والإقليميين الذين كانوا يعيشوا في “نيجيريا” و “دوس” كان له فضل كبير علي الصحافة النيجيرية عندما كان يعيش في “لاغوس” فهو كان من أوائل الذين أنشأوا مجلة توعوية تتحدث عن ضرورة الاهتمام بالهوية الأفريقية وكانت اسمها “كوميت”.

وعندما راجعت عددا من المؤلفات العربية الخاصة بالحركات القومية المصرية، فلم أجد إشارة إلى اسم هذا الرائد إلا في كتابين أولهما بعنوان “محمد فريد” تأليف “عبد الرحمن الرافعي” وقد ذكره في معرض الحديث عن احتفال الشبيبة المصرية والسودانية بلندن بالزعيم “محمد فريد ” عام 1914 قائلا ان من بين خطباء حفل التكريم “محمد علي دوس” رئيس تحرير مجلة “الأفريكان تايمز” وثاني كتاب هو اليقظة “الجزء الثاني” وكان من تأليف “محمد صبيح” وقد أورد جزءا من مذكرات “محمد فريد” وفيها ورد اسم ” محمد علي دوس” وكان هناك كتاب ايضا تحدث عن سيرته تم طبعه من قبل مركز الدراسات العربية والإفريقية في التسعينات.

الميلاد والشباب:

المصدر الأصلي لكل البيانات الخاصة بـ “محمد علي دوس” بحياته وأفكاره هو سلسلة المقالات التي نشرها في مجلة “كوميت” بنيجيريا التي سرد فيها مذكراته من الفترة 1932 الذي صدرت فيها المجلة حتى عام 1945 الذي توفي فيه. وكان هناك مصادر فرعية هي الإشارات والذكريات التي يرويها من عرفوه أو عاصروه في أوروبا وإفريقيا. ويؤخذ منها أنه ولد عام 1867 من أسرة سودانية الأصل كانت تقيم في مدينة الإسكندرية وهناك بعض الأقاويل تتردد بأن والده كان نوبي من جنوب مصر ووالدته من ام درمان ولكن لم يتم تأكيد ذلك بنسبة 100%. وعند بلوغ “دوس” سن التسع سنوات قرر والده أن يرسله إلى لندن ليتعلم هناك وهذه النقطة تستلزم دراسة الوضع المالي للأسرة والوضع الفكري لعقلية هذا الأب الذي أرسل ابنه في التاسعة من عمره ليتعلم في لندن، والرأي الراجح عندي أن الوالد “وأسرته” قد وصل الإسكندرية بحثا عن عمل أو بحكم وظيفة، وأن أصل الأسرة السوداني يجعلنا نمّيل إلى الاعتقاد أن الأسرة لم تكن من طبقة أرستقراطية أو بورجوازية تملك أرضا زراعية ، وهذا ما يجعل أمامنا غير تفسيرين : إما أن الوالد كان موظفا حكوميا أو أما موظفا في الشركات والبنوك الأجنبية التي ملأت الاسكندرية واشتغلت بتجارة التصدير والاستيراد في فترة ازدهار الرأسمالية الأوروبية في منتصف القرن التاسع عشر. علي كل حال فالولد قد اتصل فكريا بالحضارة الأوروبية وقرر أن يمنح ابنه تعليميا “اجنبيا”. وقد ذكر “دوس” في مذكراته أن أسرته هلكت تماما نتيجة العدوان الانجليزي علي الاسكندرية والحريق الذي تلا ضرب المدينة بمدافع الأسطول ولهذا ساءت حالته المادية في لندن بعد أن انقطعت عنه الأموال التي كانت ترد إليه الأموال من مصر. وقد استلزم منه أن يعمل في وظائف ومهن متعددة لكسب قوته، ومن هذه المهن التأليف المسرحي والعمل الصحفي. ولكن الشيء المهم في حياته هو أنه واجه الحياة وبدأ يعرفها علي حقيقتها واتصل بجاليات الملونين المقيمة في لندن وكانت متعددة قد قدمت من جزر الهند الغربية ومن أفريقيا ومن الهند ومن الشرق الأقصى. ومن هذا الاتصال بدأ “دوس” يزداد تجربة ووعيا بمشكلة اللون ومسألة مستقبل الشعوب الملونة وعلاقتها بأوروبا وخضوعها للاستعمار. وأضف إلى هذا أن العمل في الصحافة قد أتاح له فرصة ذهبية للسفر والتجوال في أوروبا وأمريكا والهند. وبذلك ازدادت معارفه وتنوعت معلوماته وخبراته.

وفي أواخر القرن التاسع عشر كان نشاط دوائر هذه الجاليات القادمة من أفريقيا قد اتسع نطاقه، وابتداء من عام 1898 بدأ التفكير في عقد مؤتمر لمناقشة مستقبل هذه الشعوب الافريقية والجاليات الأفريقية “الأصل” واشترك في هذه المناقشات زعماء قادمين من الولايات المتحدة الأمريكية وهم كانوا من قيادات الأقلية السوداء هناك وأسفرت المناقشات عن توجيه دعوة من “سيلفستر وليامز” المحامي “الترينيدادي” لعقد أول مؤتمر للجامعة الإفريقية عام 1900 وتكوين جمعية “بان افريكان” ثم صدرت مجلة بان افريكان عام 1901 تعبيرا عن آمال وآراء هذه الجاليات ذات الأصول الأفريقية وكان “دوس” يعايش كل تلك الفترات. وفي الوقت نفسه وفقا لما ذكرته بعض المراجع المصرية عن نشاط الحزب الوطني خارج مصر تألفت مجموعات من الشباب الذين كانوا يستكملون دراستهم في لندن وغيرها من العواصم الأوروبية وكان لهم نشاط وطني في مناهضة الاحتلال البريطاني قد ساعد “دوس” هذه المجموعات في الشتات. وفي عام 1910 عندما زار الرئيس الأمريكي “روزفلت” مصر عن طريق الخرطوم ثم ذهب بعد ذلك إلى لندن وخلال هذه الرحلة ألقي عدة تصريحات تمثل تأييدا للوجود البريطاني في مصر والسودان وطعنا في حق وأهلية سكان المستعمرات في شرق أفريقيا للحياة المستقلة وقد أثارت هذه التصريحات حفيظة الحزب الوطني فاصدر بيانا يفند فيه كلام الرئيس الأمريكي ونظم مظاهرات ضده في الإسكندرية عند مغادرته مصر. وقد أخبر بعض الطلاب المصريين المقيمين في لندن بتلك الأحداث إلي “دوس” فثار وعكف علي تأليف كتابه الأول والوحيد وقد طبعه في لندن باللغة الإنجليزية وعنوانه كان ” في بلاد الفراعنة” وما إن صدر الكتاب حتى قوبل بترحيب غير متوقع من الصحافة في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية فكان ذلك سببا في ذيوع شهرة “محمد علي دوس”.

وفي عام 1911 كانت لندن تستقبل وفودا عدة لحضور مؤتمر الأجناس الدولي في دورته الأولى وحضره زعماء كثيرين من الجاليات الأفريقية القادمين من الأمريكيتين ومن الأفارقة المقيمين في أوروبا والقادمين من أفريقيا واتصل منظمو المؤتمر بمحمد علي ليشترك معهم وعهدوا إليه بمسؤوليات العلاقات العامة والاستقبال في المؤتمر وقد أحرز “دوس” في مهمته نجاحا كبيرا نظرا لعلاقته بالدوائر الصحفية في لندن وفي هذا المؤتمر تعرف على شخصية بارزة وكان لها أثر كبير فيما بعد في حركة “ألبان افريكانزم وهو الدكتور”ديبوا” وفي عام 1912 وصلت إلى لندن ايضا شخصية لها أصول إفريقية قادمة إلى لندن من جامايكا تركت أثرا بالغا في حياة الأفارقة وفي فكرة الجامعة الافريقية وهو الدكتور “ماركوس جارفي”. وقد نشأت صداقة بين الرجلين وتأثر كلاهما بالآخر. وكان جارفي هو المصدر الذي عرف منه “دوس” فلسفة وفكر الزعيم الأفروأمريكى “بوكر واشنطن” وقد أدت هذه الصداقة الفكرية إلى أن اتفق “دوس” و “جارفي” علي مناصبه الدكتور “ديبوا” العداء ومرجع هذا إلى أن الدكتور “ديبوا” كان يقود حملة ضد “بوكر واشنطن” وفلسفته بين السود ومن ناحية أخرى اشتد العداء بين “دوس” والدكتور “ديبوا” بعد عام 1919 لان الدكتور “ديبوا” كان يقود حملة من الهجوم الضاري والمعارضة لدور “ماركوس غارفي” في الولايات المتحدة. وكان هناك من الاقاويل التي تتردد بان من أصدقاء “جارفي” بان “ديبوا” هو الذي تسبب بالاشتراك مع “فيليب راندولف ” و “اوين تشالندر” في سجنه ثم نفيه من امريكا. وكان هذا هو سبب امتناع ” محمد علي دوس” عن حضور مؤتمرات الجامعة الأفريقية التي كان ينظمها الدكتور “ديبوا” ابتداء من عام 1919 في عدة عواصم أوروبية.

مجلة أفريكان تايميز اند أورينت ريفيو

في يوليو/تموز 1912 صدر العدد الأول من مجلة “أفريكان تايميز اند أورينت ريفيو” واستمر صدورها حتى عام 1919 فيما عدا فترات احتجابها المؤقت عن الصدور ، وكان “دوس” يتولى رئاسة التحرير منذ صدورها حتى انقطاعها عن الظهور وقصة المجلة ترجع إلى أحد التجار المغامرين يدعى مستر “تايلور” أحب أن يستفيد من شهرة “دوس” في إصدار مجلة تنمي مصالحه التجارية في غرب أفريقيا، وقد قبل “دوس” العرض بشرط أن تعبر المجلة عن الاهتمام بكل العالم الأفريقي في القارة أو الشتات، وتم بالفعل الاتفاق وصدرت المجلة ، ولكن بعد فترة زمنية حدثت أزمة مالية إثر امتناع الممول مستر “تايلور” عن الإنفاق اللازم علي المجلة بعد أن أخذت شكل راديكالي أثار غضب بعض رجال السلطة البريطانية. وفي هذه الآونة قد وصل الي لندن وفد يمثل جمعية الدفاع عن حقوق المواطنين في ساحل الذهب “غانا اليوم” لتقديم شكوى إلى وزير المستعمرات يطلبون فيها عدم إصدار قانون الغابات الذي كانت تزمع الحكومة “الاستعمارية” إصداره وهذا الأمر كان يهدد حقوق القبائل والمزارعين في ساحل الذهب. وتوجه الوفد لمقابلة “محمد علي دوس” للاستعانة بآرائه ونصائحه. وفي نفس الوقت حذروه من سمعة “تايلور” السيئة في غرب أفريقيا، وعندما علموا بقصة الأزمة المالية عرضوا عليه شراء حقوق “تايلور” في المجلة. وفعلا تم هذا وأصبحت المجلة ملكية إفريقية كاملة خالصة. وفي هذا الوقت تعرف “محمد علي دوس” بالمحامي “كيسلي هايفورد” الذي أصبح له شأن سياسي في ساحل الذهب وفي غرب أفريقيا فيما بين الحربين العالميتين. وكان يقول بعض الدارسين أن المجلة كانت تمثل كنزا غنيا بالأفكار والأحداث، فقد صرف القائمين عليها بجانب “دوس” العزيمة ضد الاستعمار الاوروبي في أفريقيا وعنيت عناية بالغة بقضية المستعمرات الألمانية في أفريقيا وكشفت عن فضائح عدة عن الإدارة البريطانية في المستعمرات ونشرت مقالات عن قضاياه في مصر و السودان و الجزائر وموريتانيا وجزر الهند الغربية. وأيدت حركات “الأفرو أمريكان” ضد التفرقة العنصرية في الولايات المتحدة الأمريكية. وكان شعارها الذي أوردته في عددها الأول بعد شرائها من رجل الأعمال البريطاني: “أن الشعوب الخاضعة للحكم الأوروبي في حاجة إلى صوت حر يدافع عنها في عاصمة أكبر إمبراطورية استعمارية في العالم وان هذه الشعوب لها حقوق وآمال يجب أن تحقق.

وفي الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى اسهم “محمد علي” في تغطية العديد من النشاطات المؤتمرات التي عقدت دفاعا عن الشعوب “السوداء و السمراء و الصفراء” مساندة لحقوقها في الاستقلال وحكم نفسها بنفسها. وعندما أعلنت الحماية البريطانية علي مصر عام 1914 ثم تألف الوفد المصري عام 1918 واندلاع احتجاجات مارس 1919 امتلأت صفحات المجلة بإشارات إلى مصر ومطالب الشعب المصري وتم اتهام ” محمد علي دوس” بمناصرة سعد زغلول.

وقبل أن يسافر “محمد علي دوس” الى امريكا بعد التضييق عليه من جانب السلطات البريطانية، أسهم في نشاط جمعيات افريقية عديدة في إنجلترا، وقد ذكر الباحث “كولمان” في كتابه عن نيجيريا حول تكوين في لندن قبل عام 1919 جمعية “اتحاد التقدم الافريقي” وان احد قادة الجمعية كان “محمد علي دوس” وكان هدفها رفع مستوى الطلاب الأفارقة في المهجر ثقافيا واجتماعيا وأن هذه الجمعية وغيرها كانت طليعة الحركات الوطنية التي نشأت في الشتات وأخرجت فيما بعد الأجيال التي قادت الكفاح الوطني في القارة.

وايضاً قد كون ” محمد علي دوس” صداقات مع زعماء حزب العمال وأعضائه في البرلمان الإنجليزي وأمدهم بالبيانات التي كانوا يطلبونها عن السياسة البريطانية في المستعمرات الأفريقية، ولكن الثابت أنه لم يعمل مع الجماعات الاشتراكية الفابية التي كانت منتشرة في لندن في ذلك الوقت بل ظل يتبع الفلسفة الليبرالية وحق تقرير المصير وفلسفة إعلان حقوق الإنسان ولكنه كان يؤكد بأن الأوروبيين ينادوا بتلك الأشياء ولكن هم أوائل الذين يخترقونها وان تلك المثل ليست حكرا لهم.

“محمد علي دوس” في الولايات المتحدة الأمريكية

غادر “دوس” من لندن الى امريكا بعد في أواخر 1919 بعد أن تم إغلاق المجلة ولقد واجه ما بعد الحرب العالمية الأولى، فوجد أن أمامه طريقين لا ثالث لهما مادام يؤمن بفلسفة “ألبان افريكانزم” ويحترف الصحافة والكتابة. اما الطريق الاول فهو دعوة الدكتور “ديبوا” لمؤتمرات الجامعة الافريقية وهذه الجامعة كانت تساندها الجمعية القومية لتقدم الملونين في أمريكا وقد انعقد مؤتمرها في باريس عام 1919. وأما الطريق الثاني فهو دعوة “ماركوس غارفي” إلى مؤتمرات الشعوب السوداء في العالم وهذا المؤتمرات كانت تساندها الجمعية العالمية لتقدم السود في أمريكا، وقد انعقد مؤتمرها الأول في نيويورك عام 1920 وكان لابد أن يكون الخيار لدوس محمد علي صاحب هذا التاريخ وهذا الفكر وهذا الإسهام في الدعوة إلى الجامعة الافريقية، وهو اختار أن ينحاز إلى جانب ماركوس غارفي وأسباب ذلك هي صداقتهما القديمة وكراهيتهما وعداؤهما الفكري مع الدكتور “ديبوا”.

وهناك سبب لا أغفله وهو أن “محمد علي دوس” وجد فائدة شخصية في انحيازه إلى غارفي ولقد كان “غارفي” في حاجة شديدة إلى معونات ومساعدة المثقفين والكتاب ضد أعدائه من الصحفيين. وكان جارفي في ذلك الوقت يصدر مجلة باسم “العالم الزنجي” وقد وصل توزيعها إلى ربع مليون نسخة وكانت تطبع بالإنجليزية والفرنسية والإسبانية. وكان هذا يمثل إغراء لصحفي محترف مثل “دوس” لا يوجد من ينافسه من بين أنصار جارفي في أمريكا والعالم. ولكن الحظ لم يحالفه فقد تحركت الحكومة الأمريكية ضد “جارفي” ومنظمته عقب انتخابات الرئاسة في عام 1924. وزج بجارفي في السجن وتم تجريده من أمواله ثم نفي نهائيا من الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1927. وبعد ذلك ساءت احوال “محمد علي دوس” فغادر امريكا الي غرب افريقيا ولم يعد إلى لندن ولم يفكر بالعودة إلى مصر أو السودان. واختار “لاجوس” عاصمة نيجيريا لإقامة فيها باقي حياته.

“محمد علي دوس” في نيجيريا آخر محطة في حياته

وصل “دوس” الى “لاغوس” وعمره يناهز السنين ومع ذلك لم يفقد حماسه لمزاولة مهنة “البحث عن المتاعب” وبالفعل استقر في العاصمة النيجيرية حيث تزوج وأصدر مجلة “كوميت”.وفي هذه المجلة لم يفتر اهتمامه بالجامعة الإفريقية ولكن رويدا رويدا جرفه الاهتمام بغرب أفريقيا وقضايا نيجيريا الخاصة. وأحسن تقييم لدور هذه المجلة في حياة نيجيريا هو ما كتبه الدكتور “كالوايزرا” في كتاب “التقدم الدستوري في نيجيريا” فقال إنها كانت مجلة قوية لها تأثير وشعبية بين القرّاء أكبر مما لأي مجلة صدرت في فترة ما بين الحربين في غرب أفريقيا واهتمت أيضا بالشأن الداخلي النيجيري وكان من كتابها من جميع الأطياف السياسية والأيديولوجية. ولقد ساعدت أيضا علي تنمية ودعم الحركة القومية النيجيرية، وقد تعرضت للمصادرة من جانب الحكومة الاستعمارية حين أيدت الإضراب الكبير الذي قام به العمال عام 1945.

وفي هذه المجلة أيضا كتب “دوس” مذكراته وأرخ لحياته وما مر بها من أحداث، وقد نشأت بينه وبين الدكتور “أزيكوي” أول رئيس لنيجيريا صداقة في بدء حياته السياسية في نيجيريا ، ولذا كان آخر حدث سياسي هام في حياة “دوس محمد علي” قبل أن يرحل ترأسه الاجتماع التاريخي الذي عقد في أغسطس عام 1944 ونتج عنه قيام حزب المجلس الوطني لنيجيريا والكاميرون NGNC.

وبعد معاناة طويلة مع المرض توفي في الثامنة والسبعين في “لاغوس” نيجيريا في 25 يونيو/حزيران 1945 وأقيمت جنازته في 27 يونيو/حزيران 1945 حضرها أكثر من 5,000 شخص من بينهم قادة سياسيين، واجتماعيين، ودينيين وصفت جنازته بأنها وحدت نيجيريا حيث حضرها وسار فيها المسلمون والمسيحيون وأعضاء الأحزاب المتناحرة والمثقفين والعامة وحسب كثير من مؤرخي العالم كان “محمد علي دوس” من أعظم وأكثر قادة حركة الوحدة الأفريقية اجلالاً على مسرح التاريخ قطعاً وبلا منازع وقد أختار الملاكم العالمي الراحل “كاسيوس مارسيلوس كلاي جونيور” أسم “محمد علي” تقديرا الي المفكر السوداني “محمد علي دوس”..

في نهاية هذا الحديث أعتقد أن علي المثقفين والمفكرين الأفارقة بالأخص “السودانيين والمصريين” تقع عليهم مسئولية التأليف والكتابة عن هذا الرائد الشرق أفريقي. لان ميراثه وإسهامه الفكري يمنحنا تراثا وجذورا في حركة الدعوة إلى “الجامعة الافريقية” وهذه الدعوة التي يصر الكتاب الغربيون علي أنها من صنع قادة ” أفارقة أمريكيين” وتسلمها منهم زعامات الشباب والقيادات في غرب أفريقيا. وفضلا عن هذا فإن نشر تراث هذا الرائد يمحو الاتهامات المغرضة التي يبثها بعض المغرضين والمتعصبين حول أن مصر والسودان ودوّل الشمال الأفريقي لم تعرف نشاط الجامعة الافريقية والوحدة الإفريقية إلا اخيراً لأغراض سياسية طارئة وخاصة.

*باحث في الشئون الأفريقية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons