البروليتاريا والترويج الرأسمالي

كتب : نضال زرقط*

إن جوهر الأزمة العربية ينعكس في نقطة واحدة، في منطلقاتها كاملة وجوانبها العديدة تعود إلى الرضوخ الجماهيري العام بضميره الجمعي، وفكره، وانتماءاته المختلفة، للـ “البروباغاندا” الرأسمالية الطائفية، ودخولها وعي الجماهير لذاتها بطريقة حولت قدراتهم النقدية للوضع العام والأنظمة المسيطرة الى رضوخ أيديولوجي كامل، وجعلتهم ينزلقون في وحدة الصراع الطبقي نحو الدعم الواضح للسيطرة الرأسمالية على مختلف جوانب الرؤية العامة للوضع، الذي بات يمثل مجتمعا يتأرجح في سيرورته التاريخية بين تناقضات في حركته، كنتيجة لاصطدامه بعوائق تشكل محاربتها ضرورة تاريخية بالنسبة للوضع المزري ،اقتصاديا واجتماعيا وفكريا، نسبة لما يفترض به أن يكون عليه، ومن هنا تجدر العودة إلى الحركة التاريخية للبنية الفكرية العربية وتقسيم أطوارها من أجل تبيان التطورات -سلبية كانت أو إيجابية- التي مر بها المجتمع العربي والتي بدأت تتزامن ومنذ فترة ليست بوجيزة مع تضليل أيديولوجي أدى نهاية إلى سيطرة فكرية على مختلف فئات الجماهير العربية.

في ظل هذه المنطلقات فإن الإمبريالية الرأسمالية ترى في التكتل البروليتاري كخطوة أولى لحركة ثورية عمالية، وهو أول وأكبر الأخطار النظرية والعملية على الرأسمالية المتجسدة بأعتى مراحلها المتمثلة بالإمبريالية في نطاق أحادي القطبية -القطب الرأسمالي- سيكون بداية لتصاعد مضطرد في صراع المتناقضات الطبقية، والذي سيكون عندئذ بداية حركة ستشكل حركات تقدمية تعمل على الدفع بموقع المجتمع التاريخي نحو عصر جديد ونظام اقتصادي-سياسي يكون بداية تقدم المجتمع في سيرورته التاريخية ونفي النظام المجتمعي القائم المائل نحو النظام الكوسموبوليتي الاحتكاري وتاليا الاتجاه نحو نظام بديل نقيض للملكية الخاصة للوسائل الإنتاجية ليكون الحل الأمثل للمشاكل والمعضلات المسيطرة على الحكومات والسلطات المنهارة والمتقهقرة كنتيجة للإنهيار المتسارع وخصخصة السلطة وغياب التكنوقراطية في العمل السياسي وتوجيهه تبعا للمصالح الاقتصادية للطبقات الحاكمة.

بالطبع فإن تكتل الطبقات المنسحقة اقتصاديا واجتماعيا سيكون نتيجة محتمة لعمل نضالي طبقي يقوم على تعبئة اقتصادية اجتماعية، هدفها إنماء الحس الانتمائي الطبقي للشغيلة العاملة في سبيل الحد من الشعبية المتوسعة للبرجوازيين السلطويين، وحينئذ فإن المنطق النقدي المتبع من الطبقات العاملة وقادتها، وصعوبة العودة إلى المنطق الرجعي المتبع سابقا سوف يؤديان بالرأسمالية نحو اللجوء إلى شكل جديد من الطغيان الفكري والبدء بسياسات أكثر تضليلا تحد من المنطق النقدي المتبع والسياسة التهجمية المتبعة عماليا ويساريا ونقابيا من خلال العمل على شكل جديد من السفسطاء متجسدا بالاشتراكية المحافظة أو الاشتراكية البرجوازية التي وصفها ماركس وانجلز في بيانهما الشيوعي باللجوء الرأسمالي لتحسين الوضع العمالي وشروط العمل والمستوى المعيشي والحد من الأوضاع المزرية للطبقة العاملة من أجل الحفاظ على استمرارية النظام الرأسمالي المسيطر.

إن تطور السياسة المتبعة امبرياليا يقود إلى اصطباغ عملية الإنتاج والسيطرة الرأسمالية بالصبغة الاجتماعية البعيدة عن المصلحة الاقتصادية، والتي تؤدي -في حال عدم مواجهتها- إلى السيطرة الرأسمالية في مختلف الجهات والأحوال واستيلائها على الحركة العمالية الثورية وحسرها وإنشاء نظام امبريالي مقنع بالمصالح الاجتماعية للمجتمع بصفة النيوليبرالية مما يؤدي لشكل إنتاجي مصبوغ بالـ “اشتراكية البرجوازية” التي ستكون وجهتها السيطرة الكاملة للطبقات الأرستقراطية، وفي هذا النوع من الأحوال فإن الحركة الثورية يجب أن تكون ملازمة للسياسة الرأسمالية بالعديد من التحديات من خلال توسيع الفوضى العامة الملازمة لعموم التحرك العمالي والعمل الطبقي الواسع، ومواجهة هذا الانتقال الذي سيمنع الحركات التقدمية من العمل الطبقي المتسع من أجل الحقوق الطبيعية لعموم الطبقات المنسحقة في سبيل الحياة الكريمة لها، ومقارعة انتقاله نحو فئات أوسع وعيا وأوفى قوة وأكبر قاعديا وأكثر حيوية تبعا لحاجاته.

في ظل الوضع القائم اليوم فإن العالم العربي يتميز بعدم تطور رأسمالياته المعاصرة بشكل أو بآخر، لذا فإن الحركة العمالية يجب أن تعمل بطرق متفاوتة ومتغايرة بين أصقاع المنطقة العربية وذلك بسبب الاختلاف الواضح في التطور الاقتصادي والسياسي والثقافي واختلاف المصالح الطبقية والاجتماعية المطلوبة بين دولة وأخرى فإنه لا يفترض وضع خطة عمل شاملة للمنطقة كاملة تطبق بشكل مطلق في مختلف الأصقاع إنما يجب مراعاة الأوضاع العامة والمصالح السياسية والاقتصادية للبروليتاريين بطريقة تكون قد بنت لإحياء حركة عمالية واعية بعيدة عن الخطط الشاملة والتي قد تؤدي إلى تجارب فاشلة بين مناطق وأخرى وإذ يجب بناء هيكلية تنظيمية وخطط عمل تجمع تحت لواء تنظيم عربي يساري موحد يجمع صفوف اليساريين من أجل مواجهة الامبريالية التي لا زالت تسيطر على الأجواء الاقتصادية والسياسية للمجتمع العربي ككل.

والمطلوب الآن في هذه المرحلة الدقيقة عمليا أن تنشأ علاقة جدلية بين العمل الثوري والمواقف العلنية للطبقة العاملة ككل، ومن هنا يجدر الدمج بين العمل الثوري والتفكير النقدي المجرد بكل ما يتلقاه العامل من خلال المنظومة الإعلامية الرأسمالية الغنية بالسبل الغوغائية الاغرائية من أجل منع انزلاق القاعدة الشعبية في ميدان الصراع نحو القوى الرأسمالية المسيطرة، وهنا نتحدث عن وعي الطبقة البروليتارية لذاتها، وانتمائها الطبقي ومستواها المعيشي المتردي كي تكون مدخلا موثوقا للقوى الثورية إلى وحدة الصراع حيث نخرج تحت ثورة عمالية شاملة.

*لبنان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons