الكاتب المغربي عبد الكريم ساورة

أبطال بلا مجد

كتب : عبد الكريم ساورة*

كثيرا ما يشعر المرء بنوع من الحسرة والمرارة، وهو يعيد شريط الذكريات للعديد من المحطات من تاريخنا الحافل بالمؤامرات، ويسأل نفسه السؤال الوجودي، ماذا تحقق بعد كل هذا المخاض، والتجارب والتراكمات والنضالات من مختلف الأطياف ومن أبرز الأسماء المعروفة؟ والتي كثيرا ما سلط عليها الإعلام بركاته والأسماء التي بقيت في الخلف تشتغل في صمت وحياء ونكران الذات وكان الوطن يغويها ويسكنها حد النخاع ولم تكترث يوما إلى قصائد المدح وتصفيقات الجمهور وهدايا السلطة.

ليس من باب الصدفة أن يركب العديد من الرجال والنساء في الوطن العربي سفينة التغيير، كل من موقعه ومن القضية التي أغرم بها واتخذها عشيقته المفضلة. إنها مشيئة الإخلاص للذات وشرف القضية. وقد ذاقوا أنواع الإهانات والضربات في المناطق الحساسة بدءا من قوتهم وتشهيرا بأقرب المقربين لهم وتلطيخ سمعتهم وقد يصل الأمر إلى حبسهم . كل حسب ”الجريمة” الأخلاقية والفكرية والسياسية والحقوقية والأدبية التي ارتكبها في الإخلال بقواعد الإجْماع.

أمثلة كثيرة ووازنة في الوطن العربي، لم يتنازلوا قيد أنمله عن مواقفهم وظلوا ثابتين صامدين كالجبال، ينبعث صداهم من بعيد ورائحة القرنفل تعشعش بين شقوق صخورهم، حيث صنعوا الحدث دون أن يلتفتوا إلى جلاديهم.

سياسيون نبلاء قهروا السلطة وجبروتها بدمهم، لم يحملوا يوما رشاشا ولا متفجرات ، كان الموقف والمبدأ وشارة النصر سلاحهم، الذي فجروا به الوضع القاهر ولم يتهافتوا يوما على كرسي عاقر.

حقوقيون، كانت كرامة المواطن عقيدتهم، لم يتاجروا يوما بمعاناة المواطن، ولم يقتاتون من بؤسه وقلة حيلته. ولا سمعنا يوما أنهم تحولوا سيفا مسموما على رقبته بل سيفا قاطعا لورم القهر و الاستبداد في سيرتهم.

مفكرون وكتاب، كان القلم ابنهم الشرعي وفلذة كبدهم، ينامون على رموش حروفه العريقة ويستيقظون على صوت رصاصه المدوي، شجرتهم أصيلة ولم تسجل في قاموسهم كلمة مجاملة أو مداهنة ،إنهم محاربون بالوكالة من طرف جيش القُراء من أجل روح الحقيقة وصناعة الجمال وقدسية الكلمة.

مبدعون في عدة ميادين، أقسموا أن تكون إبداعاتهم سواء في التشكيل أو السينما أو المسرح رسالة حياة وقصيدة حب، لم يحملوا يوما إحساسهم ووطنهم إلى أشهر سوق لبيعهم بأعلى سعر يقدم إليهم. كما لم تكن يوما الشهرة والتتويجات في الملتقيات السياحية ضمن شهواتهم. لقد كانوا خلية نحل حقيقي وصانعي عسل طبيعي.

إن الوقوف قليلا على أعمال هؤلاء الجنود، الذين تركوا الكثير من التحف الإبداعية والمواقف النضالية والأعمال الإنسانية والتي نقتات منها وبشراهة في كل لحظة، دون أن نعرف الثمن الذي قدمه هؤلاء العظام في سبيل تحقيق هذه الغاية السامية، ودون أن ندري هل تم فعلا وضعهم في كفن أبيض يستر على الأقل سوآتهم.

إن تجاهل المواطن يكون أكثر وطأة وقسوة من السلطة وأهوالها، عندما يتحول إلى صنم من رخام بارد، متنكرا لزرع الآخرين وجاحدا لفضل أعمالهم ومعاناتهم بعد رحيلهم، أما عندما يتوارى صاحب القضية إلى الخلف في عزلة اختيارية أو مكرها بسبب من الأسباب ويتم هجره من طرف المواطن، باعتباره أكبر مساند – بعد حصار السلطة – فهذه أعظم مذبحة ومؤامرة في حق القضية وحامليها.

*كاتب من المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons