“السيد زومّر”.. إنسان عجيب غريب بلا حكاية متكاملة

كتب : هيثم حسين

يرمز الألماني باتريك زوسكيند في روايته “حكاية السيد زومر” إلى حالة الصخب التي قد تسكن روح المرء، وتبقيه متأهباً ماشياً في حركة دائمة باحثاً عن هدوء أو استقرار من دون أن يستدلّ إليهما، وكأنّه يحتجّ على ما كان عاناه بطله أو عاشه في ماضيه المجهول الذي يكون طي الكتمان والجهل، ويبقي نفسه متحرّراً من قيود البقاء في مكان واحد، أو الاكتفاء بأية أوقات للاستراحة.

يثير زوسكيند أسئلة لدى قارئه عن بطل روايته (منشورات المدى، ترجمة نبيل الحفار، 2017)، منها مثلاً: ما سرّ المشي والحركة الدائبة لدى السيد زومر؟ أية قوة تقوده في محنته الحياتية ليبقى هارباً من مواجهة محتملة أو مفترضة مع مخاوف أو أشياء معينة لا يتمّ الإفصاح عنها؟ هل يرمز السيد زومر إلى الإنسان المعاصر في خضمّ لعبته الحياتية وهروبه المتقادم الدائم من مواجهة ذاته وحرمانه من التهدئة والاستقرار؟

الراوي الذي يتحدث عن طفولته وصباه يستذكر رجوعه من المدرسة، ورغبته المحمومة بالطيران وتسلق الأشجار، كما يتحدث عن قوانين السقوط التي اكتشفها غاليليو غاليليه وعما يصفه بالورم البارومتري في مؤخرة رأسه، ذاك الذي أصابه بالتشتت، وذلك في الوقت الذي كان يريد الكلام على أمر مغاير تماماً.

يقول الراوي إنه كان ينوي ويخطط للحديث عن حكاية السيد زومر، بما يصفه بالخطوط العريضة قدر الإمكان، وأنه في واقع الأمر لم تكن هناك حكاية متكاملة بمختلف تفاصيلها، إنما كان هناك إنسان عجيب غريب اسمه السيد زومر، تقاطع درب حياته، أو بمعنى بما درب مشيه، بضع مرات مع دربه.

السيد زومر كان يظل ماشياً ساعات طويلة يومياً، يمضي نهاره وهو يمشي لا يلوي على شيء، ولم يعرف عنه أنه يقوم بأي عمل، في حين كانت زوجته تمارس مهنة صناعة الدمى، تجلس يومها كله وهي تصنع دمى صغيرة للأطفال من قماش ونشارة وصوف، تجمعها مرة في الأسبوع وتأخذها إلى البريد، ثم تعود بعد أن تتسوق وتجلب معها لوازم بيتها لتبقى منهمكة في صناعة الدمة حتى الأسبوع التالي.

يشير الراوي إلى أن أحداً لم يعرف شيئاً عن تاريخ السيد زومر الذي وصل إلى المنطقة ماشياً، في حين وصلت زوجته بالباص، ولم يعرف لهم أقارب ولا أطفال ولا زوار، واشتهر السيد زومر في المنطقة كلها، ولم يبق شخص كبير أو صغير إلا ويعرفه، لأنه كان يظل متجولاً ماشياً في المنطقة، وفي الفصول كلها من دون أن يكترث لصعوبات الطقس وتبدلاته.
يكون المشي بالنسبة للسيد زومر حياته الفعلية، في حين يكون الوقوف أو المكوث في مكان بعينه بمثابة تعذيب له، ويبدو كأنّ المشي يمنحه طاقة متجدّدة، أو كأنّه يهرب من إثم يلاحقه ويقض مضجعه ويحرمه الراحة والأمان. ثم حين يستقرّ به المقام في بقعة بعينها يضطرب وكأنّه يخشى أن يداهمه أحد أو شيء على غفلة منه.

يعترف الراوي بخيبته أثناء طفولته، تلك الخيبة التي لازمته لسنوات، وكيف كان يستصعب كثيراً من الأمور البسيطة ويعدّها أشياء وأفعالاً معقدة، كحالته حين محاولته تعلم قيادة الدراجة الهوائية، ومقاربته لقوانين الفيزياء التي تسير وفقها، وصعوبة البقاء متوازناً عليها لفترة، ثم تمكنه منها بعد ذلك، وقيادته لها بطريقة كوميدية مثيرة للشفقة والسخرية في آن.

لم تكن الصعوبة لدى الراوي مقتصرة على تعلم قيادة الدراجة، بل وجد نفسه في دائرة تأنيب دائم من معلمة الموسيقى التي كان يقصد بيتها مرة في الأسبوع، وكانت دروس الموسيقى تثقل على كاهله، كما كان الطريق من منزله إلى منزل المعلمة مصدر شقاء وتعذيب له، لأنّه كان يظلّ مرعوباً وهو يقود دراجته بطريقة فكاهية غريبة، كما أنه كان يتمعن في التفاصيل ويستعيد مراراته ومعاناته، لدرجة يصل فيها إلى لحظة يقرر الانتحار، ويتأثر كثيراً وهو يتخيل جنازته وتأثر المحيطين به وتعظيمهم له، فيستنكف عن الإقدام على فعلته ويقرّر استكمال رحلة حياته من طفولته إلى صباه وشبابه، محتفظاً بأسراره ومتكتماً على مشاهداته للسيد زومر في خلواته، وأثناء إغراقه نفسه في البحيرة.

يبرز زوسكيند كيف أن بطل روايته السيد زومر يأتي من المجهول ويمضي إلى المجهول، يقضي رحلة مشي بين مجهولين، أو تراه يظلّ يترنّح ويدور بين مجاهيل متعدّدة، كأنّه يختصر فلسفة العبث، أو يكون وجوده بحد ذاته نوعاً من أنواع العبث، ويكون تساؤل الراوي عمّا يخفى من سيرة السيد زومر وحكايته منطلقاً بدوره من فضول وجهل مشوبين تالياً بعدم اكتراث لمصيره.

يشهد الراوي على غرق السيد زومر، يتابع مشهد مشيه في البحيرة لحين غرقه بالكامل، وتبقى قبعته المثيرة للسخرية طافية على سطح البحيرة، في حين يكمل هو رحلته إلى قاعها، وذلك من دون أن يعرف أحداً سرّه، والأسباب والدوافع التي قادته للانتحار بتلك الطريقة، كما أنّ الراوي لا يخبر أحداً بما رآه، يبقي معرفته بغرق السيد زومر سرية بدوره، وكأنه يحترم رغبة السيد زومر نفسه بالسرية التي غلفت شخصيته وحكايته وحياته.

تظل أسئلة الراوي معلقة، حين كان يسأل عن السيد زومر وإلى أين كانت تقوده جولاته؟ وما الهدف من مسيره اللانهائي؟ وما سبب ولأي غرض كان يسرع طوال ست عشرة ساعة يوميّاً عبر المنطقة؟ ويلفت إلى أن هذا ما لم يعرفه أحد من أبناء المنطقة، وظل لغزاً بالنسبة لهم.

يوصف السيد زومر بأنه مصاب بنوع ثقيل من مرض لا يستطيع المصاب به أن يبقى هادئاً في غرفته، وعليه المشي في العراء دائماً. لذا تراه دام المشي، يحمل حقيبته الفارغة على ظهره، لا يتوجه إلى مكان بعينه، ولا يلتزم بخط سير معين، يتحرك بطريقة مجنونة، يذرع الطرقات والسهول وهو يتجول على غير هدى ومن دون أية وجهة أو غاية. يكون المشي هدفاً له بحدّ ذاته.

يشير زوسكيند إلى مفارقة أنّ الشخص الذي يراه الجميع دائماً قد يصبح بالتقادم جزءاً من أثاث المدينة ومعالمها، يفقد حضوره ليغدو شبحاً أو هيكلاً أو قطعة أثاث لا تلفت أي اهتمام، لدرجة أن غيابه يتساوى بحضوره، وحين يغيب عن الأنظار لا يكترث أحد، كما لا يتنبه أحد إلا بعد أيام، وحين لم يعرفوا شيئاً عنه عادوا إلى صمتهم بعد تداول تخمينات كثيرة عن مصيره وغيابه المفاجئ لهم.

المصدر: المدن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons