أنا وابني من بعدي

نشرت صحيفة “الأخبار” اللبنانية، في عددها الصادر صباح الخميس 22 يونيو/حزيران الجاري، مقالا للكاتب فؤاد إبراهيم، تناول فيه قرار الملك سلمان بتنحية ولي العهد السعودي محمد بن نايف.

جاء في مقال الصحيفة:

برغم التناقض بين التاريخ بوصفه وقائع جرت في الماضي، وعلم النفس بكونه معنياً بتوصيف طبيعة السلوك وراء تلك الوقائع، فإن التاريخ النفسي بات اليوم أداة تفسير نموذجية لقرارات مبنية على دوافع عاطفية ووجدانية، ولكن من شأنها تغيير حركة التاريخ.

أوامر الملك سلمان غير المفاجئة فجر أمس، حسمت سؤال توقيت تنحية ولي العهد السابق محمد بن نايف من كل مناصبه، بعدما كان قرار التنحية محسوماً منذ صيف 2015، وتأكّد بعد لقاء سلمان ــ أوباما في 5 أيلول 2015، حين بدأ يطرح محمد بن سلمان مرشحاً راجحاً للعرش خلفاً لأبيه.

قرار الملك سلمان عزل ولي العهد ووزير الداخلية محمد بن نايف من منصبه وتعيين نجله محمد بدلاً منه يعد التطوّر الأبرز في عهده منذ توليه العرش في 23 كانون الثاني 2015. هو القرار الثاني على هذا المستوى من الخطورة الذي يتخذه بعد إعفاء ولي العهد الأسبق مقرن بن عبد العزيز في 29 نيسان 2015.

لم يكن قراراً مفاجئاً، وليس هناك من يدّعي نبوءة وقوعه، وإنما كان مدار الجدل ينحصر في التوقيت. أما وقد فعلها، فإن الأمور باتت واضحة، ما يسترعي اهتماماً خاصاً لما يأتي:

ــ لأول مرة في تاريخ المملكة السعودية ينجح ملك من أبناء عبد العزيز في تنصيب ابنه ولياً للعهد، فيما فشل الملوك الآخرون، وقد جرّبوا فعل ذلك، على الأقل سعود وفهد وعبدالله، وهذا من شأنه حصر السلطة ليس في العائلة المالكة وإنما في بيت سلمان.

إن تعديل المادة الخامسة من النظام الأساسي للحكم القاضية بعدم الجمع بين منصبي الملك وولي العهد في فرع واحد يشبه إلى حد كبير نص تعيين ولي ولي العهد في عهد الملك عبدالله، مع فارق أن التعديل الأولي لم يكن في النظام الأساسي للحكم، بينما التعديل الثاني هو في جوهر النظام الأساسي للحكم. ما يجمع بينهما أن خرق المادة يأتي لمن يأتي بعدهم، بالرغم من أن التعديل يناقض الإجراء الذي قام به الملك بالجمع بين الملك وولي العهد في فرع واحد.

ما يلفت الانتباه أن التشديد على عدم الجمع بين منصبي الملك وولي العهد في فرع واحد يشي باتفاق مسبق بين الملك وكبار الأمراء الذين خاضوا على ما يبدو نقاشاً طويلاً حول هذه النقطة بعدم حرمان الأجنحة الأخرى من أبناء عبد العزيز من حقها في العرش.

ــ إلغاء منصب ولي ولي العهد يؤكد أن استحداث المنصب في عهد الملك عبدالله قطف ثمرته سلمان، حين جعله جسراً لعبور ابنه محمد الى العرش، ثم أطاح المنصب (ولي ولي العهد) حتى يختار محمد بن سلمان من يشاء لمنصب ولي العهد حين يصبح ملكاً، مع شرط عدم كونه من أبنائه أو إخوته أو أبناء إخوته أو أخواته، بالرغم من عدم وجود قيد يمنع الملك من تغيير ما يشاء من مواد النظام الأساسي للحكم كما فعل سلمان وسبقه عبدالله. وهنا يصبح النظام الأساسي مرجعية غير ثابتة وغير مقدّسة وأن الملك لديه سلطة تغيير مواده أيضاً.

ــ نقل السلطة يتم بتجاوز الجيل الثاني إلى الجيل الثالث، أي إلى الأحفاد، وإن تضمّن مخالفة للبروتوكولات العائلية. على سبيل المثال، فإن وزير الداخلية الجديد عبد العزيز بن سعود بن نايف (مواليد 1983)، أصبح رئيساً على والده سعود، أمير المنطقة الشرقية، لكون إمارات المناطق في المملكة السعودية تابعة لسلطة وزير الداخلية. للإشارة أيضاً، والتي سوف تبرز في مرحلة لاحقة، فإن أحمد بن فهد بن سلمان بن عبد العزيز نائب أمير المنطقة الشرقية سوف يكون هو الآخر تحت سلطة عبد العزيز بن سعود بن نايف، ما يثير سؤالاً حول المرجعية والصلاحية.

ــ البيعة لولي العهد الجديد محمد بن سلمان تمّت بدعوة إكراهية لهيئة البيعة (تأسست في تشرين الأول 2006)، لغياب رئيس لها بعد موت الأمير مشعل، وهو، أي الرئيس المعني ابتداءً بدعوة الهيئة للانعقاد واختيار ولي العهد. وهذا يعني أن هيئة البيعة انعقدت بقرار من الملك، وليس نائب رئيس هيئة البيعة ولا الأكبر سناً في الأسرة المالكة. وعلى أي حال، فإن الهيئة لم تمارس دوراً فاعلاً ومؤثراً منذ تشكيلها، فمن أسّسها هو أول من خرقها بتعيين نايف ولياً للعهد، وتعيين سلمان بعده بدلاً منه بعد موت الأول.

ــ تقليص دائرة التنافس على السلطة وحصرها في بيت سلمان، أي بإلغاء الثنائية التي حكمت معادلة السلطة منذ موت الملك عبد العزيز حتى عزل محمد بن نايف أمس. وعليه، فإن الأحادية السياسية سوف تكون سمة الحكم السعودي في المرحلة المقبلة. لا يعني ذلك استقراراً في الدولة ولا سلاسة في انتقال السلطة، فالخاسرون في التغييرات يتكاثرون إلى قدر يصعب التكهن بما سوف تكون عليه ردود أفعالهم في حال موت الملك، وربما قبل ذلك أيضاً.

ــ استعمال «الرشوة» المالية لشراء الصمت الشعبي، وبأثر رجعي، في إطار تمرير قرارات الملك بهدوء، برغم من افتقار المملكة السعودية إلى سياسة اقتصادية متينة تسمح لهذا النوع من التقديمات الاجتماعية الكبيرة، في ظل انخفاض أسعار النفط، وعجز قياسي في الموازنة العامة، وتآكل الرصيد النقدي من العملات الأجنبية (بحسب آخر إحصائية انخفض الرصيد إلى 508 مليارات دولار)، فيما تتجه الحكومة إلى سياسة ضريبية جديدة (بدأت بزيادة الضرائب بشكل فلكي على المشروبات الغازية والدخانيات)، ويجري الحديث عن ضريبة على الدخل.

ــ سوف تتطلب القرارات الجديدة إعادة تشكيل السلطة مجدداً بإلغاء نظام المجلسين: مجلس الشؤون السياسية والأمنية الذي كان يرأسه محمد بن نايف، ومجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الذي يرأسه محمد بن سلمان.

المصدر: الأخبار اللبنانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons