حرب لبنان الأولى «يونيو/حزيران 82» في الذاكرة القومية

كتب : محمد جبر الريفي*

الغزو الصهيوني الواسع النطاق الذي جرى في مثل هذه الأيام من شهر يونيو/حزيران عام 82م علي الجنوب اللبناني ذلك الغزو الذي تواصل قرابة ثلاثة شهور والذي تم بالتخطيط الكامل مع الدوائر الإمبريالية الأمريكية كان يمثل في الواقع تطورا خطيرا للصراع الدائر في المنطقة العربية حيث كان يهدف العدو الصهيوني من ذلك العدوان الذي فرض شروط التسوية “الإسرائيلية” التي تحافظ على أمن الدولة العبرية وعلى توسعها الجغرافي وعلى وظيفتها العدوانية كأقوى دولة في المنطقة.

لقد احتل ذلك الغزو في تلك الأيام موضع الاهتمام العالمي لأنه كان يمثل انفجارا كبيرا للصراع العربي الصهيوني كما أن السرعة الكبيرة المميزة لتطور الأحداث حيث وصل ذلك الغزو إلى أول عاصمة عربية هي بيروت هذه التداعيات ضغطت بشدة علي أعصاب الجماهير العربية ونالت بالاحباط والاذي مجمل المشاعر القومية والدينية كما ان الحرص الرسمي العربي علي استقلال لبنان وعلى وحدته الوطنية لم تجد في تلك المرحلة في التخفيف من وطأة ذلك الغزو(85 الف جندي) “إسرائيلي” الذي كان يمثل في الواقع حربا شاملة غير عادلة على دولة عربية مستقلة ذات سيادة.

في ظل ذلك الغزو الصهيوني العسكري الشامل للجنوب اللبناني لم يكن يقف هدفه في تلك المرحلة عند تحقيق الأهداف العسكرية المعلنة ((السلام للجليل)) فقط بل كان يتجاوز ذلك ليستهدف اغتصاب المزيد من الأراضي العربية لتوسيع رقعة الدولة اليهودية القائمة علي الاستيطان كأحد النتائج السياسية والعسكرية للصراع.

لقد اختار الكيان الصهيوني أفضل الأوقات لشن ذلك الغزو حيث المأزق الحاد الذي كانت قد وصلت إليه في تلك المرحلة اتفاقية السلام المنفردة مع مصر وذلك علي الصعيدين العربي و الفلسطيني وما رافق ذلك المأزق من بوادر وإرهاصات انتفاضة شعبية عارمة في المناطق الفلسطينية المحتلة… وقد يكون من دوافع هذا الاحتلال للجنوب وما يوجد علي أرضه من إمكانيات مائية وفي المساحة التي لا تثير غضب الرأي العام الدولي والمنظمات الإقليمية والدولية قد يكون هذا الاحتلال هو بمثابة تعويض عن الانسحاب من الأراضي المصرية في سيناء التي كانت “إسرائيل” تستنزف مواردها النفطية خاصة مادتي النفط والغاز.

جاء ذلك الغزو في مثل هذه الأيام من شهر يونيو/حزيران عام 82 إذن كحاجة ملحة للكيان الصهيوني وفي ظل أوضاع سياسية واقتصادية بعيدة عن مجرى التضامن العربي فالنظام العربي الرسمي كعادته أخذ ينتهج منذ تراجع المد القومي بعد هزيمة يونيو/حزيران 67 سياسة تخاذلية يحكمها دائما شعار وحدة الصف الذي يستخدمه كغطاء سياسي يخفي من خلفه عجزه في مواجهة المخططات السياسية الأمريكية والإسرائيلية. وفيما يتعلق بالولايات المتحدة فقد كانت ترى هي الأخرى أن همومها في المنطقة وضمان الحفاظ على منظومة مصالحها الاقتصادية الرأسمالية تكمن باضعاف حركة التحرر العربية خاصة في ساحتها المتقدمة في لبنان حيث التحالف الفلسطيني الوطني اللبناني وقد كانت تجد في ذلك الغزو فرصة سانحة لتحقيق ترتيبات إقليمية وذلك من خلال التفاهم مع بعض الأنظمة العربية السائرة في فلكها ولبنان حاضنة الثورة الفلسطينية في ذلك الوقت الذي توجد علي أرضه حركة وطنية ترعرعت في ظل النضال الفلسطيني وقويت شوكتها بحيث أصبحت تهدد وضع لبنان الخاص بتركيبته الطائفية، هذا اللبنان قدر له أن يعيش حدة الصراع العربي الصهيوني وما يفرزه هذا الصراع من أخطار علي وحدته الوطنية حيث كان يرى قسما كبيرا من نخبه السياسية أن الوجود الثوري الفلسطيني فيه قد يزعزع سلطة الدولة والأحزاب اليمينية والمسيحية خاصة قوى المارونية السياسية ذات الميول الانعزالية والغربية.

لقد ترددت بعض الأنظمة الوطنية العربية في الاشتراك الفعلي في القتال بجانب الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية وقد كان الغزو الصهيوني اختبارا لها لكن هذا التردد لم يكن في الواقع إلا انعكاسا لسمات التذبذب وعدم القدرة على الحسم الذي تمتاز به أنظمة البرجوازية الصغيرة الوطنية والتي تدفعها هذه السياسة إلى التخاذل بحجة الظروف الموضوعية التي لا تسمح بسبب الخلل في موازين القوى!

اما الجماهير العربية فقد ظلت اثناء الغزو قابعة في حدود الصمت الذي استمر ما يقارب من ثلاثة أشهر غير قادرة علي التأثير علي موقف النظام العربي الرسمي المتخاذل وكان ذلك بسبب اتساع الهوة الفاصلة بينها وبين السلطة السياسية الحاكمة بأجهزتها البوليسية القمعية وايضا بسبب نمط الحياة الاستهلاكي الذي لم ير في الغزو تهديدا مباشرا لحاجاتها اليومية المعيشية فلم تنزل إلى الشارع كما حدث في ثورات ما سمي بالربيع العربي.

أثناء ذلك الغزو نشطت الدبلوماسية الأمريكية عبر جولات فيليب حبيب المكوكية من منطلق موقف استراتيجي يعبر عن المصالح الاسرائيلية الامريكية المشتركة في المنطقة بينما قرار العزل الكفاحي والتردد الذي اتخذته الأنظمة الوطنية العربية على نفسها هو الذي كان واضحا فقد اتسعت رقعة الخلافات بين اطرافها الى حد عجزت الجبهة القومية للصمود والتصدي التي تشكلت عقب توقيع مصر لاتفاقية كامب ديفيد عن الاجتماع واتخاذ قرار حاسم!

في خضم ذلك الصراع وأجواء الحرب ظهرت في تلك الفترة كل أشكال المراهنة علي الدور الأمريكي وعلى التسوية الأمريكية من أبسطها إلى أعقدها حلا من مشروع الحكم الذاتي إلى الدولة الفلسطينية (مشروع فهد) الي الخيار الأردني المتمثل بمشروع المملكة العربية المتحدة الذي يتساوق مع مشروع (ريغان) الى كل المشاريع والحلول التي كانت تهدف بشكل اساسي الى تصفية القضية الفلسطينية وإلحاق ضربة قاصمة لحركة التحرر العربية.

لقد راهن التحالف الإمبريالي الصهيوني عقب الغزو علي الحل السلمي الأمريكي الإسرائيلي مع وجود الصمت والعجز العربيين أما الحل الوحيد للأزمة اللبنانية كما أصبحت تعرف في تلك الظروف فهو يراها هذا التحالف في خروج قوات الثورة الفلسطينية وقيادتها من لبنان حتى تنضج الظروف الموضوعية لهذا الحل وذلك يؤكد علي أن الغزو الصهيوني للبنان الذي استهدف بالدرجة الأولى الثورة الفلسطينية إنما كان يدور في إطار المخطط الامبريالي الصهيوني المرسوم بدقة في المنطقة.

وهكذا فان لبنان كقطر عربي يتمتع بالاستقلال والسيادة وقع في تلك الفترة التي تماثل هذه الأيام من شهر يونيو تحت طائلة العدوان الإسرائيلي ومآسيه والثورة الفلسطينية التي كانت أنبل ظاهرة عربية وجدت عقب هزيمة يونيو/حزيران 67 جرى للأسف تصفيتها في تلك الحرب وعلي مرأي ومسمع الأمة العربية شعوبا وأنظمة…والصمت علي ما حدث كان منافيا لرابطة الانتماء القومي فشعب فلسطين العربي ولبنان الصمود لم يكونا بحاجة ماسة في تلك الحرب العدوانية الى بيانات شجب واستنكار وإنما كانا بحاجة إلى موقف قومي عربي سياسي واقتصادي وعسكري لأن أسس وبرامج التحالف الإمبريالي الصهيوني في المنطقة لا تتوقف عند اغتصاب فلسطين وجعلها (وطن قومي لليهود).

*كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons