“في اللا لا لاند”.. إهالة التراب على النجاح

من أجمل الكلمات في العامية المصرية، التي تدل على المبالغة في الشيء لدرجة مثيرة للامتعاض هي كلمة “أفْوَرَة”؛ وهي التنويعة الدارجة على كلمة “over” الانجليزية، بعدما تحولت إلى فعل وصفة معاً، أُطلقت أولاً على الزيادة في شرب الكحول، ثم انسحبت على الحياة عامة، وصارت تستخدم استخداماً “بليغا” في مواضع متعددة، تشبه كثيراً نتيجة الإفراط في الشرب إلى درجة التقيؤ. “الأفورة” إذن هي حالة تلتصق بمَن بينه وبين “الوعي” مسافة.

لا مفردة يمكن أن تعبر عن حال الكوميديا المصرية في دراما رمضان هذا العام أكثر من هذه الكلمة، التي تلخص حالها بشكل عام، وبإيجاز عبقري. لكن ما ينطبق على كوميديا المسلسلات عامة، يناسب مسلسل “في اللا لا لاند” بشكل خاص. فالآمال الكبيرة التي سبقت عرض المسلسل أصيبت بخيبة كبيرة، خصوصاً أن بطلته دنيا سمير غانم كانت عند حسن ظن مشاهديها لعامين متتالين في مسلسلي “لهفة” و”نيلي وشيريهان” عندما قدمت فيهما كوميديا مبهرة معتمدة على سيناريو محكم وحبكة مميزة. ولذلك توقع الجميع أن تجربة هذا العام لن تقل عنهما إحكاماً وجودة.

التقط المشاهدون من الحلقات الأولى تشابه حكاية “في اللا لا لاند” مع المسلسل الأميركي الشهير “لوست” (Lost)، وصار ذلك مادةً فتحت شهية المواقع الإخبارية والصحف المحلية على التقاط عوامل التشابه بين العملين، خاصة أن المسلسل الأميركي كان له موقعه من الشهرة المشاهدة مصرياً وعربياً.

أولى النقاط الغريبة كانت في شارة البداية التي حملت اسم الملحن والمنتج هشام جمال، على اعتبار أنه صاحب “فكرة المسلسل”. وهو ما لم يقف عند هذا الحد، بل إن المسلسل الآن مهدد بإيقاف عرضه، بسبب دعوى قضائية قدمها سيناريست آخر يدعي بأنه صاحب الفكرة الأساسية وحملت اسم “الجزيرة”. وما يزيد في قوة القضية أنه كانت بين مؤلف “الجزيرة” وبين شركة “تشيري ميديا” وشركة “روزنامة” المنتجتين لـ”في اللا لا لاند” مفاوضات لإنتاج مسلسل، إلا أن هذه المفاوضات لم تثمر عن شيء. وفوجئ المؤلف لاحقاً بتصوير فكرته بعد تغيير بعض الأحداث وعرضه عبر قنوات “سي بي سي”، مع وجود تشابه واضح في سياق الأحداث والشخصيات المشاركة في العمل.

ولا يتوقع أن تسفر الدعوى عن نتيجة ملموسة. فمن المعلوم بالخبرة أن مثل هذه القضايا ينتهي بالتراضي بين طرفي الخصومة، وهي في الغالب ترضية مالية لصاحب العمل الأصلي واستمرار عرض المسلسل/الفيلم “المستنسخ”.

إلى ذلك يجب القول أن التشابه بين “لوست” و”في اللا لا لاند” لا يضر المسلسل كثيراً، خصوصاً أنهما ينتميان إلى نوعين دراميين مختلفين تماماً، ويمكن بشيء من التجاوز اعتبار “في اللا لا لاند”، النسخة الساخرة من حكاية “لوست” وفكرته. ويمكن التركيز قليلاً على النتيجة الفادحة النهائية.

باختصار، يحكي المسلسل عن مجموعة من الناجين من حطام طائرة في جزيرة مجهولة معزولة. وتعتمد الكوميديا على المفارقات والمواقف التي ستحدث بين عناصر هذه المجموعة. ولأن الكوميديا معتمدة على قدرة الناجين وحدهم، فلم يكن أمام صناع المسلسل إلا الاعتماد على عدد من نجوم الكوميديا المتمرسين، على رأسهم سمير غانم، إلى جوار محمد ثروت وحمدي الميرغني وشيماء سيف ومحمد سلام ومحمد قلبظ. وفيما يبدو أن كتّاب المسلسل تركوا “فراغات حوارية” معتمدين على جهد هؤلاء الممثلين في خلق الإفيه، أتت النتيجة النهائية بشكل كوميديا سمجة قريبة الشبه بما يقدمه “مسرح مصر”.

مشكلة الكوميديا في المسلسل أنها معتمدة بشكل أساسي على المبالغة (الأفورة) فقط، فالأبطال هم شخصيات تعبر عن ثيمات محروقة في الكوميديا المصرية منذ بداية السينما الناطقة في ثلاثينيات القرن الماضي: السيدة البدينة، الفلاحين، الصعيدي، زير النساء، النسوية كارهة الرجال، والارستقراطي، الجميلة المدللة. لكل وصف من الأوصاف السابقة إحالة في ذهن المشاهد لعدد ضخم من الأعمال التلفزيونية والسينمائية الكوميدية، غير أن صناع العمل قرروا أن يجمعوا كل هؤلاء في مكان واحد، حتى إذا أفلت “إفيه” لحقه آخر لحل المأزق.

وإذا لم تدرك دنيا سمير غانم وفريقها الأثير في الكتابة والإخراج (مصطفى صقر وأحمد الجندي) أن نجاح هذا العام ناتج عن “القصور الذاتي” لنجاح مسلسلات العامين الماضيين، فستقع في ما وقع فيه الكثير من نجوم الكوميديا الذين يعتبرون أنهم ثقل العمل وقيمته الأكبر، بغض النظر عن الكتابة والسيناريو، وليس هناك ما هو أفضل من تدوينة رسام الكاريكاتير محمد قنديل لتلخيص مشكلات الكوميديا في مصر.

المصدر: المدن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons