أرشيفية

اليسار والعدل والإحسان .. في انتفاء شروط التحالف

كتب : سعيد زريوح*

تاريخ السياسة هو في جزء كبير منه تاريخ التحالفات. فلكي يخوض حربا أو يسقط حكومة أو يربح استحقاقا انتخابيا، قد يحتاج الفاعل السياسي إلى الدخول في لعبة التحالفات. واللجوء للتحالف هو في جوهره إقرار بعدم قدرة الأطراف المتحالفة على تحقيق رهاناتها بشكل منعزل وتحتاج لتجميع إمكانياتها حتى تتمكن من تغيير موازين القوى لمصلحتها. غير أن كل تحالف سياسي يفترض وجود أهداف مشتركة بين الحلفاء وإرادة للتنازل تتيح إمكانية بناء حد أدنى وبالتالي تضمن شروط استمرار التحالف.

إن التذكير بهذه البديهيات نبتغي من ورائه أن نضع تأطيرا لمساهمتنا في النقاش الدائر داخل الأوساط اليسارية المعارضة حول إمكانية التحالف مع جماعة العدل والإحسان. وهو نقاش بالمناسبة كان قد واكب بزوغ حركة 20 فبراير ليتوارى بعد خفوتها ويعود إلى الواجهة من جديد بعد اندلاع حراك الريف وإعلان الجماعة انضمامها ولو بشكل متأخر إلى دائرة التضامن مع هذا الحراك.

إن اليسار المغربي المعارض بكل تنظيماته وحساسياته لا يختلف مع جماعة العدل والإحسان في اعتبار النظام السياسي المغربي استبداديا تنتفي معه شروط التداول السلمي على السلطة. ولكن لنطرح سريعا السؤال التالي: هل يشكل هذا الاتفاق في تشخيص طبيعة النظام السياسي أرضية قوية لبناء تحالف اليسار مع الجماعة لتغيير هذا النظام؟ إن أحد العناصر المحددة في الجواب على هذا السؤال توجد في المقدمة التي أوردناها أعلاه والتي أكدنا فيها أنه لا يمكن الحديث عن أي تحالف سياسي في غياب أهداف مشتركة.

إن جماعة العدل والإحسان وبغض النظر عن مرجعيتها الدينية ومنطلقاتها المذهبية لم تخفي يوما أن مشروعها السياسي يهدف إلى بناء دولة الخلافة الذي لا نحتاج إلى كثير عناء لتبيان تناقضه الجوهري مع مفهوم الدولة المدنية. وجدير بالذكر أن الحوار الذي بادر بفتحه مجموعة من الفاعلين في وقت سابق مع الجماعة لمحاولة إقناعها بمراجعة مشروعها لم يكن له من نتيجة سوى التأكد من أن دولة الخلافة هذه تشكل ثابتا في فكر الجماعة وليس متغيرا قابلا للتفاوض.

وبالرجوع إلى منطلقات وأهداف وبرامج أغلب التنظيمات اليسارية التي قلنا أنها لا تختلف مع الجماعة من حيث تشخيص نظام الحكم بالمغرب، فإننا لا نكاد نعثر على ما يفيد بوجود تقاطع فيما يتعلق بالبدائل المقترحة لهذا النظام. فاليسار وإن اختلفت عناوين مشروعه (نظام ديموقراطي، ملكية برلمانية، نظام جمهوري) فإنه لا يخفي سعيه إلى بناء دولة مدنية وديمقراطية تحترم حقوق الإنسان بما فيها حرية المعتقد وتؤسس لعدالة اجتماعية عبر التوزيع العادل للثروة… وبمعنى آخر فإن اليسار وباختلافاته يوجد على النقيض من مشروع جماعة العدل والإحسان وبالتالي فإن الحديث عن تحالف مفترض معها هو حديث غير منطقي ويفرغ بشكل متعسف مفهوم التحالف من جوهره.

إن اقتصارنا على نفي إمكانية تحالف جماعة العدل والإحسان مع اليسار المعارض انطلاقا من بحث ملاءمة مفهوم التحالف لهذه الإمكانية لا يبرره انتفاء تجارب تاريخية تحيل على خطورة إنتاج هكذا دعوات ولا وقائع تفيد بعدم ديموقراطية الجماعة في سلوكها مع اليسار …. ولكن يبرره بحثنا في المحددات الرئيسية لاختلافنا مع دعوات البعض إلى تحالف هجين في آخر المطاف.

*المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons