محمد جبر الريفي

سياسات وأفكار في الأزمة القطرية

كتب : محمد جبر الريفي*

ليست إمارة قطر دولة ثورية اشتراكية يحكمها تناقض رئيسي مع النظام الرأسمالي الإمبريالي العالمي كحال كوريا الشمالية ذات النهج الماركسي التي تحسب لها الولايات المتحدة الأمريكية الف حساب بسبب امتلاكها لصواريخ بالستية محملة برؤوس نووية.

ليست إمارة قطر ذات النظام الأميري الوراثي الرجعي المستبد بهذه الحالة السابقة حتى تواجه بهذه الحملة السياسية التي استدعت قطع العلاقات الدبلوماسية معها من دول رئيسية في النظام العربي الرسمي كالسعودية ومصر إضافة إلى دولتي الإمارات والبحرين؛ ولم يكن نقد السياسة القطرية الخارجية ولا الخطاب السياسي الصاخب في معاقبة امارة قطر تعفي هذه الدول من مهمة ممارسة دور سياسي هام في إطار الاستراتيجية الأمريكية.

إمارة قطر المشيخة السابقة قبل الاستقلال الشكلي التي منحته بريطانيا الاستعمارية لمشيخات الخليج العربي دولة خليجية صغيرة، عضو في مجلس التعاون الخليجي الذي تتزعمه المملكة العربية السعودية لكنها تلعب دورا إقليميا هاما في المنطقة العربية يفوق حجمها الطبيعي البشري والجغرافي وهو دور مستمد من الثروة النفطية التي تعود عليها بالأموال الهائلة التي تبذل بسخاء لتحقيق أهداف سياسية تنسجم مع المخطط الأمريكي الصهيوني في خلق شرق أوسط جديد يضمن الهيمنة الأمريكية والغربية عموما في المنطقة لأجل استمرار عملية النهب الإمبريالي وهو ما يستجيب ايضا للأهداف الصهيونية وهذا ما أثار حفيظة دول الخليج الأخرى لأنها تنافسها في الدور الوظيفي التي تقوم به في إطار الاستراتيجية الأمريكية.

ما يجري من صراعات في المنطقة على أرضية طائفية بعيدة عن الخطر الصهيوني تلعب امارة قطر الصغيرة دورا هاما سياسيا وامنيا وكان ذلك بهدف تأكيد دورها السياسي الإقليمي في ما يجري من أحداث ومتغيرات نوعية تشهدها المنطقة أما سبب خلافها الرئيسي مع كل من السعودية والإمارات والبحرين إضافة إلى مصر هو ليس كما يشاع في وسائل الإعلام سببه الرئيسي فقط دعم الإرهاب الدولي بل هو في الحقيقة استقواء الإمارة الصغيرة بحركة الإخوان المسلمين في مواجهة هذه الدول العربية وبشكل خاص نزعة التسلط والهيمنة السعودية على القرار السياسي في مجلس التعاون الخليجي. ومع ذلك تبقى قطر في نظر الغرب الإمبريالي ضمن المنظومة الخليجية العربية السنية التي تعمل على حماية المصالح الحيوية الغربية من احتمال هبوب رياح التغيير التي تجتاح المنطقة.

الذي نقوله في هذه المسألة هو أن قطر الإمارة الصغيرة قياسا بدول المنطقة والشرق الأوسط ليست وحدها التي تشكل الخطر الكبير الذي يزعزع الأمن والاستقرار في المنطقة فالخطر الإسرائيلي يفوق الخطر القطري حيث الدولة العبرية تمتلك السلاح النووي وترفض كل مبادرات السلام بما فيها المبادرة العربية للسلام التي أقرت في قمة بيروت وهي مبادرة سعودية في الأصل ومع ذلك تشهد العلاقات بين هذه الدول الخليجية العربية المزيد من التطبيع التدريجي الذي قد يصل في مرحلة قادمة إلى الاعتراف بالكيان الصهيوني واللحاق بالموقف المصري والأردني تحت ذريعة التمدد الإيراني والإرهاب الدولي، ذلك أن ثمة إدراك لحقيقة أن الحلف الإمبريالي الصهيوني الخليجي الرجعي يبرز الآن بوضوح وهو يقدم على القيام بمهمتين :أولهما محاربة ما يسمى بالإرهاب الدولي الذي يعتبره الغرب بديلا عن الخطر الشيوعي الذي كان يمثله في السابق الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي المنهار، والمهمة الثانية المكملة هي تصفية القضية الفلسطينية بحل إقليمي يحوز على قبول الكيان الصهيوني الذي يطالب بالاعتراف بيهودية الدولة وتجسيد ذلك تم من خلال زيارة ترامب لحائط البراق الذي يسمونه اليهود حائط المبكى مرتديا القلنسوة اليهودية، والملفت للنظر أن الأزمة القطرية جاءت بعد تلك الزيارة إلى السعودية ودولة الكيان الصهيوني وهكذا فإن الخاسر الأكبر في هذه الأزمة الخليجية هي القضية الفلسطينية حيث الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يصبح هامشيا بسبب إضافة أزمة جديدة في المنطقة على غرار الأزمة السورية خاصة ان ما يجمع الازمتين قاسم مشترك واحد وهو تدخل القوى الإقليمية والدولية وذلك في ظل غياب للدور القومي العربي الفاعل، فمصر الشقيقة العربية الكبرى قد فقدت دورها السياسي القيادي الذي كانت تقوم به في الوطن العربي خاصة بعد ثورة 23 يوليو المجيدة وأصبح الدور السياسي الفاعل في المنطقة هو للملكة السعودية ودول الخليج العربي وهذا ما حدث بسبب تراجع المد القومي أثر هزيمة يونيو/حزيران 67 وإبرام معاهدة كامب ديفيد برعاية امريكية مع الكيان الصهيوني واصطفاف مصر مع السعودية والإمارات العربية والبحرين ضد سياسة إمارة قطر الخارجية لهو دليل واضح يؤكد على ذيلية الدور المصري الحالي في المنطقة حيث استبدل النظام في مصر الدور القومي القيادي التي كانت تقوم به مصر على مر التاريخ العربي والإسلامي بالمال النفطي الخليجي.

*كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons