الثلاثاء , سبتمبر 19 2017
الكاتب المغربي عبد الكريم ساورة

«الثعلب الذي يظهر ويختفي» نص للكاتب المغربي «عبد الكريم ساورة»

كتب : عبد الكريم ساورة*

كثيرا ما نكَوِن فكرة عن كاتب ما، من خلال ما نسمع عنه من الأصدقاء، فكل واحد يقدمه بالطريقة التي تشبع رغبته الجامحة من خلال خلفيته الثقافية والسياسية، فهناك من يقدمه بالبطل، والزعيم، وهناك من يقدمه بالسكير والعربيد، وقد يصل الأمر في بعض الأحيان إلى وصفه بالزنديق والملحد. وقد حدث هذا الأمر مع العديد من الكتاب والشعراء عبر التاريخ، فالشاعر العربي أبو نواس اتهم بالزندقة ، نظرا للصور الإباحية الساحرة التي استعملها في شعره، والكاتب المصري”فرج فودةّ” اتهم بالكفر وتمت تصفيته بدم بارد مطبقين عليه عنوان كتابه الشهير “نكون أو لا نكون” نظرا لانتقاده القوي للإسلام السياسي، تولستوي الكاتب الروسي الذي اتهم بالثيوقراطي نظرا لنفحته الدينية في كتاباته ومساندته للطبقات السفلى من الشعب.

وأنا أقرأ للكاتب المغربي محمد زفزاف رحمه الله كعادتي بالمقهى رواية ” محاولة عيش” بادر مجموعة من الأصدقاء بالهجوم على الكاتب واتهامه بأنه “لا يحشم” طبعا من الحشمة، حيث قال لي أحدهم لايمكن أن تقرأ لزفزاف ولا تصيبك الرعشة الجنسية، كأنك تضاجع امراة في فصل الصيف، وقال آخر كل مصطلحاته فيها قلة حياء، كأنك تشاهد فيلما برنوغرافيا، وقال آخر وهو من القراء بالفرنسية لا أستطيع أن أتمم رواياته، فيها لغة سوقية وتغيب فيها المراجع والمصادر، إنها نصوص جوفاء كالبوم الذي يحلق في كهف مظلم.

من وجهة نظر هؤلاء الأصدقاء، فملاحظاتهم حقيقية، لأنهم ينطلقون من بعد أخلاقي لفعل الكتابة، كما أنهم يتحدثون من منطلق القارئ وليس الباحث المتمكن. لكن السؤال الجوهري: هل هذه هي حقيقة الكاتب، وهل فعلا ما يكتبه لا يخرج عن دائرة السوقة.

بصراحة أنا لم أقرأ يوما للكاتب، فقط ما كنت أسمع عنه من الأصدقاء وبعض الكتاب والإعلاميين، وهي لا تخرج عن نميمة ثقافية جرت بها العادة لتسليط الضوء عن بعض الظواهر الثقافية ويأتي اسم كاتب في الحديث عرضا، فيتم الحديث عن وضعيته ونزواته وبعض أسراره، هكذا الإنسان بطبعه، لا يتوقف في النبش على حياة الآخرين مع التركيز دائما عن الأسوأ والمثير فيها، إنها لذة لا تضاهيها لذة. وبالصدفة التقيت منذ ستة أشهر بصديق لي، ونحن نناقش الوضع الأدبي بالمغرب والذي وصفه بالكارثي مثله مثل السياسي، قال لي بالحرف: إن المغرب يعرف أكبر انهيار في القيم وفي السياسة وفي الثقافة؟ فقلت له وما هو السبب الحقيقي في نظرك؟ فقال التطفل وقلة الحياء، فالكل أصبح شاعر والكل أصبح صحافيا، والكل أصبح منظرا، والكل أصبح سياسيا، والدولة هي من لعبت دورا كبيرا في المساهمة في نشر وتشجيع التفاهة.وزاد وبنوع من الثقة: بصراحة أنا أتابع مقالاتك ونصوصك فهي لازالت جد رديئة، ولهذا أنصحك بقراءة الكبار من الكتاب. وفي الفور أجابته: وفي رأيك من تقترح علي؟ قال: أنصحك بقراءة محمد زفزاف، من أجل أن يتحسن معجمك اللغوي، وهل لديك رواياته، فقال لدي رواية واحدة: اسمها “محاولة عيش” فابتسمت وقلت له: ائتني بها فأنا جد مشتاق للقاء به.

التهمت الراوية بسرعة كبيرة، لا تتعدى كل صفحاتها 94 صفحة من الحجم الصغير، تحكي عن وضعية دور الصفيح بمدينة القنيطرة والتي يعرفها الكاتب جيدا بحكم عمله كمدرس بالمدينة منحته، فرصة للتعرف عن دروبها وأمكنتها المهمشة إنه سوسيولوجي من الطراز الرفيع.

وضعية دور الصفيح ليست ظاهرة تخص مدينة عن أخرى بل هي شملت العديد من المدن المغربية، في أواخر الستينات وبداية السبعينات بسبب الهجرة من القرى إلى المدن الساحلية، بحثا عن لقمة عيش في ظل التفاوتات المجالية التي عرفها المغرب بعد خروج المستعمر من المغرب.

الكاتب محمد زفزاف عرف كيف يخرج هذه الظاهرة بكل صدق وأمانه، من مجال الجغرافيا والتناقضات المجالية إلى عمل روائي إبداعي بكل ماتحمل الكلمة من معنى، ونجح في تصوير ملامح الشخصيات بدقة متناهية سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو النفسي، لقد دخل الكاتب إلى أعماق أعماق الشخصيات من أجل أن يكلمها بلغتها السهلة البسيطة العامية، بل لقد وصل إلى الحد الذي عرى فيه كل الشخصيات كما تعرى العاهرة لمن يدفع أكثر.

لقد كان الكاتب ذكيا لما اختار شخصية حميد الشاب في مقتبل العمر الذي كان يلازمه بالعبارة الساحرة والنافذة حينما يقول: “عندما يخرج حميد في الصباح، لا يعرف ماذا يفعل بنفسه” أليس هناك أخطر من أي شيء في الحياة أن تخرج من منزلك فلا تعرف ماذا تفعل بنفسك؟ أليس هناك أخطر شيء في الوجود هي أن تخرج من بيتك الصفيحي وأنت لا تعرف أين تسير، بدون وجهة معينة وبدون بوصلة؟ إنه يعيش كل يوم على المجهول…..

إن اختيار حميد التائه في كل اختياراته والغريب عن كل المجالات التي سوف يلتحق بها كبائع للجرائد يعطينا صورة حقيقية عن شباب دور الصفيح الذي يعيش أعظم اختراع وهو اختراع العزلة – على حد تعبير “بول أوستر” في روايته الشهيرة – عن كل عوالم التمدن والتحضر الممكن، العزلة عن كل ما يرتبط بالحياة.

إن فعل الإقصاء الممنهج والذي نجح الكاتب ببراعة كبيرة، في تصويره على كل المستويات سواء في علاقة حميد بأبيه المتسلط والمتكاسل، سواء مع أمه التي تريده أن يظل طول العمر تحت جناحيها المكسورين، أو مع عشيقته التي تنام كل يوم في حضن سكير، أو مع مشغله الرجل الضخم صاحب البطن الكبيرة الذي يؤمن كل الإيمان بأهمية التفاوت الطبقي كضرورة وجودية عندما كان يوصي حميد بالشد على حرفة بيع الجرائد من جد إلى جد لأنها مهنة تضمن البقاء على قيد الحياة ولو بذلك الفتات الذي يكسبه مع بداية طلوع الشمس إلى سقوط الليل.

لقد توفق الكاتب بشكل كبير، بنوع من السخرية السوداء في إخراج كل الشخصيات من الجحر لترى العالم الحقيقي، عالم التناقضات الكبيرة، عالم السوق الذي يباع فيه كل شئ، وأهمها الأخلاق والقيم والمبادئ والقانون الذي يُضْرَبُ عرض الحائط عندما يتم ارتشاء رجل الأمن والمقدم وكل منابع السلطة. لقد نقل الكاتب كل هذه الصور المجروحة وصور أخرى معطوبة بنوع من الفكاهة المرة، أليست الفكاهة كما يذكر أوكتافيو باز، هي: “الابتكار العظيم للروح الحديثة”. لقد نجح زفزاف ببراعة في جعلنا نتعرف عن هذه الروح المريضة لكل هذه الشخصيات المعطوبة.

إن الروائي ليس بقديس ولا كاهن ولا رجل دين، من أجل أن يختار الكلمات المناسبة والملائمة للجمهور عندما يريد أن يخاطبه، وليس برجل القانون من أجل أن يحترم علامات المرور، ولا عاشق يرغب في لقاء حبيبته فيختار لها من كلمات العشق ما يجعلها تحلق في الفضاء من شدة وقع هذه الكلمات، الروائي مبدع وخالق لشخصيات يحييها وقت ما يشاء ويميتها وقت ما تبين له أن عمرها الافتراضي قد انتهى، إنه هو من يبعث فيها الروح، لتقول كل شيء، كل شيء بدون فرامل، بدون حياء، بدون خوف، بدون حشمة ، بدون مكياج، بدون اعتبار للأساطير، الكاتب هو الوحيد الذي يحمل مهمة تحطيم هذه الأساطير المؤسسة للمخيال الجمعي، والمبدع محمد زفزاف كان بارعا في تحطيم هذا الطابو الساكن فينا منذ سنين.

ولهذا عندما أتممت من قراءة “محاولة عيش” شعرت بفرحة عارمة، لأنني عثرت على كل الأجوبة لأسئلة أصدقائي وارتيابهم من معجم زفزاف، وفهمت أن الرواية لا يصنعها معجم الكلمات، وإنما تجربة الكاتب في الحياة، نزوله إلى قاع القاع، لهذا كان عنوان الرواية أعمق من العمق، عندما أكد فيه وبقوة أن هؤلاء “البشر” من دور الصفيح لا يعيشون بالمرة، وليست لهم أية علاقة بالحياة، إنهم يموتون كل يوم ، كل صباح وكل مساء وكل ساعة وكل لحظة، لذلك يحاولون العيش، مجرد محاولة لا غير، إنهم يحاولون البقاء على قيد الحياة ولو بذلك الفتات…..

أسبوع بعد ذلك، ذهبت لشراء روايته “الثعلب الذي يظهر ويختفي”….

*كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons