الثلاثاء , سبتمبر 19 2017

نكسة 1967 .. تحول في الموقف السياسي العربي وتعميق في نهج التسوية

كتب : محمد جبر الريفي*

شكلت هزيمة يونيو/حزيران عام 1967 والتي عرفت بمصطلح النكسة، بداية مرحلة جديدة في الصراع العربي الصهيوني لأنها أسست لفكرة تيار الواقعية السياسية في الفكر السياسي العربي فقبل الهزيمة التي أسفرت عن احتلال أراضي عربية إضافة إلى احتلال ما تبقى من أرض فلسطين التاريخية (الضفة الغربية وقطاع غزة) كانت القضية الفلسطينية هي محور الصراع بين الأمة العربية والمشروع الصهيوني وكان الرفض لهذا المشروع الذي نتج عنه إقامة دولة “إسرائيل” في عام 48 من القرن الماضي كحالة استيطانية إحلالية بتخطيط من الغرب الاستعماري لاستمرار عملية النهب لثروات المنطقة وسعيا لاستمرار تجزئتها وتخلف شعوبها حتى تبقى محكومة لعلاقات التبعية بكافة أشكالها.

كان الرفض لهذا المشروع الصهيوني العنصري الاجلائي هو محل موقف الشعوب العربية والأنظمة العربية قاطبة بدون استثناء ولكن بهزيمة دول عربية من دول الجوار احتلت أراضيها تغير الموقف السياسي تغييرا جذريا لصالح الكيان الصهيوني بشكل لم يكن يحلم به منذ قيامه وهو ما يعد إنجازا سياسيا كبيرا للحركة الصهيونية في صراعها مع الحركة الوطنية الفلسطينية وحركة التحرير العربية فتم بعد هذه الهزيمة، استبدال شعار تحرير فلسطين العميق في مخزون الضمير والوجدان العربي إلى شعار إزالة آثار العدوان وهو ما فتح المجال بعد ذلك واسعا للسياسة العربية بفكرة القبول بالدولة الصهيونية والاعتراف بها رسميا على أنقاض الشعب العربي الفلسطيني وهذا ما تم بالفعل بعد حرب أكتوبر عام 1973 بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، وبذلك حققت دولة الكيان الصهيوني بالنكسة عام 67 ما عجزت عن تحقيقه بالنكبة عام 48 لأن بعد النكبة ظل شعار تحرير فلسطين وتدمير دولة “إسرائيل” باقيا في الوعي السياسي القومي العربي باعتباره هو هدف الأمة العربية كلها من المحيط إلى الخليج شعوبا وأنظمة سياسية ونخب ثقافية وأحزاب سياسية وحركات تحرر أما بعد النكسة فقد أصبح الاعتراف بهذا الكيان مقابل الإنسحاب من سيناء والجولان والضفة وغزة وهي الأراضي التي احتلت في مثل هذه الأيام قبل 50 عاما هو ما يسعى إليه بكل الوسائل السلمية النظام العربي الرسمي غير ملتزم بقرارات مؤتمر القمة العربي الذي انعقد في العاصمة السودانية الخرطوم.

بعد النكسة لعبت الولايات المتحدة الأمريكية دورا أساسيا لصالح الكيان الصهيوني وكانت اتفاقية السلام تلك بين مصر والكيان هي بداية لتعاظم هذا الدور السياسي الذي أسفر بعد ذلك عن تعميق نهج التسوية وذلك لأنه لم يقف هذا التراجع الخطير في الموقف العربي من القضية الفلسطينية على السياسة الرسمية العربية بل تعداه إلى السياسة الفلسطينية الرسمية ذاتها فقد تساوق الموقف الفلسطيني الرسمي مع الموقف العربي الرسمي وذلك باعتماد ما يسمى بالحل المرحلي بدلا من الحل الاستراتيجي الذي يتضمن الاستمرار برفع شعار تحرير فلسطين وإقامة الدولة الديمقراطية وهو الشعار السياسي الذي رفعته الثورة الفلسطينية المعاصرة منذ انطلاقها عام 1965، وقد أثبتت اتفاقية أوسلو بعد ذلك على عدم تحقيق أي تقدم في مشروع الحل المرحلي هذا الذي اعتمدته منظمة التحرير الفلسطينية كموقف وطني رسمي والذي يعرف بحل الدولتين وها هي السياسة العربية الرسمية تستمر في مراهنتها على مشاريع التسوية وفي وقت تشهد به المنطقة العربية فوضى سياسية وأمنية بسبب الصراع على السلطة في بعض أقطارها تصب كلها لصالح الكيان لأنها عملت على تهميش القضية الفلسطينية وتراجع الاهتمام العربي والدولي بها كقضية رئيسية للأمة العربية.

وتمارس هذه السياسة العربية الرسمية عملية تحفيز واسترضاء للجانب الصهيوني مستخدمة في ذلك القنوات الدبلوماسية والإعلامية بشكل يطغى به الخطاب السياسي الناعم لكسب موقف الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة والمجتمع المدني الصهيوني العنصري الذي تسود فيه نزعة التعصب الديني والعرقي وكل ذلك بهدف الوصول إلى تسوية سياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال المبادرة العربية للسلام التي أقرها مؤتمر القمة العربي في بيروت عام 2002 والتي يجري الحديث في هذه الأيام عن إمكانية تعديلها لصالح الكيان الصهيوني حتى تحظى بقبوله وهو ما يشكل في الواقع السياسي العربي الرسمي خطوات أخرى في طريق التنازل والتفريط بالحقوق الوطنية الفلسطينية لكن دولة الكيان الصهيوني التي يسيطر عليها اليمين الصهيوني العنصري الفاشي ما زالت في موقف التعنت والصلف والغطرسة والرفض لكل مبادرات ما يسمى بالسلام وآخرها المبادرة الفرنسية لأنها ما زالت متمسكة بالكامل بأهداف المشروع الصهيوني العنصري بينما بعض أركان النظام العربي الرسمي (دول الخليج العربي بشكل خاص) يقوم الآن بممارسة المزيد من سياسة التنازل المجانية بأحد أهم أهداف المشروع القومي التحرري وهو المتعلق بتسوية عادلة للقضية الفلسطينية وذلك من خلال القيام ببعض خطوات التطبيع تباعا وباشكال مختلفة.

*كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons