الكاتب المغربي عبد الكريم ساورة

«مزحة كونديرا» نص للكاتب المغربي «عبد الكريم ساورة»

كتب : عبد الكريم ساورة*

جاءت العطلة الصيفية، كادت المدينة أن تحترق بفعل الحرارة والتي وصلت 47 درجة، الناس يشتكون كالعادة، هذه جهنم وليست مدينة، هذه كارثة حقيقية، هذه لعنة حقيقية يعاقب بها الله هؤلاء المساخيط من ساكنتها. الناس من عادتهم عندما تشتد عليهم أزمة أو ضيق أو شدة يلومون أنفسهم ولا يميلون سوى للتفسير الغيبي للأشياء، لأنه الأكثر تصديقا وتنفيسا لهم.

كان أحد الأصدقاء من مدينة الدار البيضاء كلما زارني يقول لي: ما الذي يجعلك تعيش في هذه المدينة؟ فأنت موظف، يمكنك أن تنتقل إلى أي مدينة أخرى؟ ويضيف صديقي بنوع من الدهشة: لا أعرف ماذا الذي يعجبك هنا؟ ولأنني قدري بطبعي، أرد عليه: لا أحد منا يستطيع مواجهة قدره.

ومن أجل الهروب من هذا الجحيم مؤقتا، جمعت كل لوازم السفر، كانت الروايات في أول القائمة، وكانت زوجتي تستشيط غيظا وتقول لي: هذا ليس سفرا، هذه مصيبة حقيقية ، ألا يمكن أن نرتاح هذا الشهر من هذه الكتب، أنت فعلا مريض، قتلتينا والله حتى قتلتينا… فلم أكن أجد بدا من ترطيب الأجواء بطريقتي المعروفة بالقول: أنا من سيحملها زوجتي العزيزة وليس أنتِ…السفر بدون كتب هو الجحيم الحقيقي بالنسبة إلي، وكنت أتركها وأنا أتساءل مع نفسي : لماذا هذا العداء الكبير بين النساء والكتب ؟ ربما الإهتمام المبالغ فيه للكتب أكثر من زوجاتنا هو الذي يثير نعرتهم ويجعلهم أكثر حقدا على الكتب ؟ … من يدري ؟..لله في نسائه شؤون.

تركت كل اللوازم جانبا، وأعدت تفحص الروايات العشر وقد فكرت أن أقرأ رواية كل ثلاثة أيام وبهذه الطريقة سأربح في هذا الشهر مالم أربحه خلال السنة، كانت شهيتي مفتوحة على الآخر للقراءة وساعدني على ذلك اختيار زوجتي لمدينة أكادير بعد أن كنت متشبثا بالسفر إلى “سيدي بوسلهام” وبصراحة لا أعرف لما أريد الذهاب إلى هذه البلدة الصغيرة؟ أنا هكذا دائما في الاتجاه المعاكس، وفعلا عندما أفكر جيدا، أجد كلام زوجتي صحيحا مائة بالمائة، على أنني فعلا مريض، والمعضلة الكبيرة أنني لم اكتشف بعد أي نوع من المرض يصيبني؟

وبالصدفة وجدت أنني نسيت رواية تسمى “المزحة” كنت وضعتها في مكان ما بالمنزل، لأنني كنت بين الحين والآخر أقرأ منها بعض الصفحات، تقريبا ثلاثة صفحات هذا هو معدل القراءة عندي للروايات، ربما أثر في نفسيتي الكاتب الفرنسي هنري ميلر في كتابه ” الكتب في حياتي ” عندما كان يقول ، أنا لا أقرأ كثيرا، وإذا قرأت فإنني أقرأ الأجمل، و الفيلسوف نيتشه بدوره في سيرته الذاتية ” هذا الإنسان ” ينصح بعدم الإكثار من القراء، لأنك في الأخير ستصبح تفكر من خلال كتابات الآخرين ، وهنا ستفقد سيطرتك على التفكير بحرية وبشكل مستقل.

إلى حد ما أنا أميل كثيرا إلى نيتشه ربما لأنني أحاول طول حياتي لا أرتبط بفكر أو توجه معين وربما لأن الكسل الذي يعتريني يجعلني أختار هذه الوجهة بدون قيد أو شرط.

المهم بدأت في البحث عن الرواية المفقودة، فوجدتها في محفظتي، فرحت كثيرا، لأنني فكرت أن أجهز عليها في هذه العطلة، فرصتي الأخير، لأن المدة طالت وقد وصلت السنة ولم أكمل بعد من قراءتها إلى حدود كتابة هذه السطور كأن هناك جن يقف حجرة عثرة في طريقي لإكمالها.

والرواية تتحدث عن تجربة الكاتب في الجامعة عندما تم طرده منها بسبب رسالة فيها مزحة كتبها لصديقة له يسخر من الحزب الشيوعي آنذاك، وبعد ذلك يتم إرساله في إطار الخدمة العسكرية كنوع من الانتقام له، كما يحاول الكاتب الحديث عن تجربته الموسيقية، ومعرفته الواسعة بعلم الموسيقي التشيكي، خصوصا الموسيقى الشعبية، وهذا يظهر جليا من خلال تأثير والده لودفيك كونديرا عالم موسيقى ورئيس جامعة جان كيك للأدب والموسيقى ببرونو.

والحقيقية بيني وبينكم فإن صاحب الرواية وهو الشاعر الوسيم “محمد المقصيدي” لم يسلم لي الرواية عن طيب خاطر وهذا ما شعرت به يوم زرته رفقة أخي إلى مقر مجلته الغراء ” الموجة الثقافية ” عندما كنا نفكر أن ندخل معه في “شراكة ثقافية ” وهو المشروع الذي بقي مجرد حلم ضمن الأحلام الكثيرة التي سطرناها عن تسرع وجهل محقق.

المهم وهو يتحدث إلى أخي انتهزت الفرصة، وبدأت أتفحص الكتب المرصوصة على خزانة متوسطة الحجم، وبصراحة وجدت أكثر من كتاب ورواية أثارا فضولي، وكنت أبحث عنهم في السابق، فبدأت أقرأ العناوين وعيناي تزيد احمرارا، كأنني وجدت كنزا مدفونا في قاعة مهجورة، فشعر صديقي بشهوتي بدأت تتزايد وريقي يسيل دون توقف لدى رؤيتي بعض الأسماء والعناوين، فطلبته منه كتابا واعتذر، وطلبت آخر فاعتذر ولما أحرجته في طلب رواية المزحة مختبئا وراء حيلة أن الكاتب “ميلان كونديرا” لم أقرأ له شيئا لحد الآن. وأمام هذا الإلحاح قال لي بالحرف: إنها نسخة جميلة وهي الطبعة الأولى 2014 للناشر المركز الثقافي العربي، المرجوا احتفظ بها جيدا، وشعرت كأنه سلمني قطعة من كبده، وبصراحة أنا أقدر له ذلك فأخطرعمل يقبل المرء عليه هو تسليم كتاب من مكتبته. إنها أعظم جريمة يقدم عليها من يعرف بقيمة الكتب.

وأصدقكم القول، فقد تسلمت الرواية وأنا أشعر أنه سلمها لي عن مضض، ولهذا لم يبارك لي فيها الله، وهكذا فكلما بدأت في قراءتها، تضيع مني بالمنزل في مكان ما، أشعر أن الله ينتقم مني على رعونتي وجشعي الزائد.

اليوم وبعد مرور سنة على تسلمي الرواية، لم أتمكن من إتمامها لكنها فتحت لي فسحة التعرف على فيلسوف و كاتب من العيار الثقيل، ميلان كونديرا فهو من أصول تشيكية، كتب في الشعر والقصة وصعد نجمه من خلال رواية المزحة، التي أرقتني كثيرا وجعلتني أبحث عن روايته الخلود، وبعدها ” فن الرواية ” و”الستار” و “الوصايا المغدورة” و”الحياة في مكان آخر” …. ومن خلالهما فُتحت شهيتي على روايات أخرى استشهد بها الكاتب في رواياته وهذا فعلا هو الكنز الحقيقي الذي يجب الانتباه إليه، فتعلمت أنه يمكن أن لا نكمل كتابا في قراءته، لكن يجب أن نتعلم كيف نكمل المشوار إلى آخره، طبعا مشوار المعرفة.

*كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons