الماركسية هل مازالت تصلح؟ ( 3 )

كتب : عمرو عمر*

إن التحول الاشتراكي خاصة فى الجانب الاقتصادى ليس سهلاً ويتطلب الكثير من الشروط أهمها اقتناع الجماهير بجدوى تغيير المنظومة الاقتصادية، وهذا لن يحدث إلا بإجراء واقعي على الأرض، فإذا عدنا بالزمن قليلاً فور نجاح ثورة يوليو واقصائهم للحكم الملكي والتخلص من الاستعمار، كانت أولى القرارات التي تم تنفيذها على الأرض هو ”الإصلاح الزراعى“ و”إعادة توزيع الملكية“، استطاعت قيادة الثورة بهذا القرار قلب الأوضاع لصالحها لتصنع لنفسها التأييد الشعبى القوى على الأرض لتبني أولى جسور الثقة.

فى المقال السابق تحدثت عن المحاور التسعة التى طرحها الدكتور محمد دوير عن كيفية التحول الاشتراكى وكانت أولى تلك المحاور ”كيف سندير الاقتصاد؟“، ولكن قبل التطرق إلى كيفية إدارة الاقتصاد يجب أن نبدأ فى البحث عن شكل ”الدولة الجديدة“، فالبناء الجديد للدولة سيحدد البنية الاقتصادية المستقبلية، ولا يجوز البحث عن سبل هدم الدولة القديمة قبل أن نحدد شكل البناء الجديد للدولة القادمة وطبيعة العلاقات بين السلطة الحاكمة والشعب بشكل أرقى من الديمقراطية الليبرالية تتيح لأكبر قدر من القاعدة الشعبية المشاركة في القرار السياسي بشكل كبير ومؤثر.

الديمقراطية الليبرالية الغاية والتعريف

عَرّف الفكر البرجوازي الليبرالي منذ القرن الثامن عشر الديمقراطية بأنها ”ذلك الترتيب المؤسسي الهادف إلى الوصول بقرارات سياسية إلى تحقيق الخير العام بجعل الشعب نفسه يقرر حاجاته عبر انتخاب أفراد يجتمعون لتنفيذ إرادته“، تعريف جميل بسيط يحمل الكثير من المثل الأخلاقية، وفي القرن العشرين أضاف المنظرين الليبراليين الجدد لهذا التعريف ما يتناسب مع وجهة نظرهم ”إن الديمقراطية الليبرالية فى جوهرها تعد الحرية الفردية هي الباعث والهدف نحو تحرر الفرد والمجتمع من تسلط الحكومات“، لذا نجد أن الفكر البرجوازي نادى بشعارات مثل الحقوق السياسية والحريات العامة فى إطار مكمل للتعريف وهذا للعمل على خلاص الفرد من التسلط الحكومي والمجتمعي، فالليبرالية ترى أن السلطة بكافة أشكالها ضد الحرية الفردية وهذا يتفق تماما مع التوجه الاقتصادى الرأسمالي، وهناك تعريف آخر يقول ”إن الديمقراطية شكل من أشكال نظم الحكم، ولا تتعلق بمضمون النظام الاجتماعي، وان جوهرها هو الحرية، وليست المساواة، وإن المساواة تدخل فقط بمعنى المساواة السياسية بين المواطنين“.

اليوم تتخذ الليبرالية المعاصرة أشكال عديدة تتخطى التعريفات السابقة، فالمنظرين الليبراليين الأمريكيين يرون أن «الليبرالية ليست مبدأ ثابتاً بل أنها تخضع لتطور الظروف وتناقض المصالح، مرتبطة بخدمة مصالح أصحابها في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في إطار ضيق يخدم المصالح الأمريكية وفرض العولمة على أساس المركزية الأمريكية حتى لو أدى ذلك إلى كثير من التجاوزات المنافية لحقوق الإنسان والمصحوبة بشيء من استباحة الكرامة الإنسانية والتضييق على الحريات من خلال التجسس المعلن وغير المعلن بدعوى أن هذه التجاوزات ضرورية لحماية الدولة المركزية الليبرالية من الأعداء المتوهمين أو المتخلفين أو المتوقعين».

من هنا نرى أن الديمقراطية الليبرالية توقفت عند جانب واحد فقط هو حرية الاختيار فى انعكاس واضح لمفاهيم الاقتصاد الحر بنقله إلى عالم السياسة، لتتحول الأحزاب السياسية في ظلها إلى سلعة وعلى الإنسان العادي (المستهلك) الاختيار بين الأحزاب، وبالتالي ووفقاً لقواعد السوق التي باتت في ظل الليبرالية تتحكم في النظام السياسى أصبح على رجال السياسة (الأعمال) التحرك وفقاً لتفضيلات المستهلك وحركة السوق!

لذا كان على الديمقراطية الليبرالية تعظيم القيم والمنافع الفردية كما عبرت عنه ”المدرسة النفعية – Utilitarianism“ التي صورت المجتمع الأفضل هو الذي يحقق أكبر قدر من المنافع التي جوهرها هو السعي نحو الامتلاك كوسيلة لإشباع الرغبة في الاستهلاك والتمتع، لتصبح الملكية هي المحور وليصبح الإنسان هو الفرد المتملك/المستهلك، وأن القيم الأساسية هي المنافسة لتعظيم الربح.

من هنا نجد أن الديمقراطية الليبرالية قد وضعت فرضية أساسية أن المجتمع سيكون قادراً على تحقيق منافع للأفراد على أساس قدرة السوق في توزيعها حسب القدرة الاقتصادية وحجم ما يمتلكه الفرد من موارد، وبالرغم من محاولات الليبراليين التأكيد على جوانب الحق أو العدالة القانونية المتمثلة في القانون، لكن هذا الجانب عملياً مرتبط بالقدرات اللازمة لممارسته، وبالتالي يصبح القانون أداة في يد شريحة ضيقة من المواطنين هم القادرين على سنه وتطبيقه فهم الطبقة الحاكمة المسيطرة اقتصادياً وسياسياً بحكم قدرتهم على التملك، فالقانون هنا يخرج من إطار الحق إلى إطار آخر ينبع من قوة أو حجم ملكية الفرد.

الليبرالية والنخبة الحاكمة (التفاضل الإجتماعي)

في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بدأت تظهر كتابات تناولت مفهوم” التفاضل الاجتماعي“، وكان من أبرز المنظرين لها هو العالم الإيطالي Vilfredo Pareto فى كتابه ”إزدهار وانحدار النخبة“ الذي نشر عام 1920، ثم جاء Wright Mills الذي يعتبر كتابه ”سلطة النخبة – The Power Elite“ الذى نشر عام 1962 الأكثر وضوحاً من الناحية السياسية يوضح لنا Mills فى هذا الكتاب أكذوبة الديمقراطية الليبرالية وكيف تحولت إلى مجموعة من الدوائر النخبوية المغلقة و أسقط هذا المفهوم على النظام السياسى الأمريكى الحالى.

قسم الكاتب السلطة فى النظام الأمريكى أنها متمثلة فى ثلاثة دوائر هي كالتالي: –

* الدائرة الأولى – المؤسسة العسكرية

* الدائرة الثانية – رجال الأعمال أو الشركات الخاصة

* الدائرة الثالثة – رجال السياسة أو النخبة السياسية

ويشرح لنا Mills إن القرار السياسى لا يخرج خارج تلك الدوائر الثلاثة بأي حال من الأحوال وأن السلطة مقسمة بينهم ولا يسمح أن تحاول إحدى تلك الدوائر أن تتعدى على الدائرة الأخرى ويجب الحفاظ على ذلك مهما كان الثمن وقد تصل إلى حد القتل والاغتيال إذا حاولت إحدى تلك الدوائر أن تتعدى حدودها المرسومة بدقة، فالمسئولين عن اتخاذ القرارات داخل الدولة يؤمنون بنفس التوجهات السياسية والاقتصادية ولا خلاف بينهم إلا فى فرعيات فى غاية الهشاشة مما يجعل القرار دائما يدور داخل نفس الدائرة المغلقة، فالحزبين الكبيرين كل قيادتهم السياسية ينتمون إلى واحدة من تلك الدوائر وهم يعرفون ذلك لذا نجد أن الخلاف بين الحزبين دائما شكلياً و ليس جوهرياً ، لكن السؤال الذي يقفز إلى ذهن القارئ هو”من هى الدائرة الأقوى والأكثر سيطرة؟“.

لم يتركنا Mills في حالة من الدهشة والتيه طويلاً ويجيب على هذا التساؤل أن الدائرة الثانية المتمثلة فى الشركات الكبيرة تمثل القوى الحقيقية فى المنظومة فهي تسيطر بشكل حقيقى على القرار السياسي لما فيه من مصلحة لها، بل هي التي ترسم التوجه السياسي العام للدولة خارجياً و داخلياً، ويتضح ذلك فى الانتخابات الرئاسية فإذا أخذنا مثال صغير فالشركات التي مولت حملة باراك أوباما عام 2008 «إجمالي تبرعاتها حسب ما أعلنته الحملة وقتها 386,565,878 مليون دولار» في دورته الرئاسية الأولى، الغريب أنها نفس الشركات تقريباً التى مولت حملة دونالد ترامب عام 2016 «إجمالي تبرعات الشركات حسب ما ذكر على موقع الحملة 356,198,046 مليون دولار»، السؤال الذي يطرح نفسه، ما الداعي لأن تدفع تلك الشركات مئات الملايين من الدولارات فى وقت تعاني فيه الخزانة الأمريكية من عجز كبير، في نفس الوقت تلك الشركات ترفض بشكل قاطع العودة لقانون الضرائب التصاعدية.

إن ما يتم تسويقه للشعب الأمريكي والعالم عن الديمقراطية الليبرالية ليست إلا لعبة مرسومة بدقة تصيغها وسائل الإعلام والدعاية التي تعمل على تغييب الوعى للجماهير بشكل دائم من خلال شخصيات يتم اختيارها وتدريبها وصقلها بعناية على مدار سنوات، والدفع بهم ليكونوا المنظومة والواجهة الدعائية اللازمة للدوائر الحاكمة، فالمنظومة الإعلامية هى جزء أساسى من الدائرة الثانية التى تشكل العقل الجمعي للشعوب.

يأخذنا Mills إلى دائرة الرعب بعد ذلك وهي المؤسسة العسكرية فيقول ”أن الحرب فيما مضى كان ينظر لها كشأن يخص العسكريين، والعلاقات الدولية كانت المسئولية الأساسية للدبلوماسيين، أما الآن فقد باتت الحروب حالة شبه دائمة“، وهذا ما نحن فيه اليوم، فالعلاقات الدبلوماسية والحوار بين الدول أصبحت هامشية والموضوع دائم الطرح للحوار هو الحرب التي باتت جزء أساسى من قوة الدائرة الثانية فهي الرابح الأول من الحروب، ففي ظل الأزمة الأقتصادية العالمية وفشل الرأسمالية فى الخروج منها لم يعد أمامها سوى التجارة بالحرب للحفاظ على النظام من الانهيار فهي الستار الذي تدارى عن طريقه فشلها فى حل أزمتها، لذا يجد المتابع للحالة السياسية في العالم اليوم أن المؤسسات العسكرية تم هدم الجدار الذي كانت تختبئ وراءه وظهر واضحاً مدى تأثيرها على القرار السياسي للدول وأصبحت أكثر التصاقاً بالدائرة الثانية ولكى يتم تبرير عسكرة الديمقراطية يجب خلق عدو مهدد للمجتمعات يتيح للدوائر الثلاثة تبرير أفعالها وتجاوزتها الإنسانية التي طالما ما تاجرت بها الليبرالية.

تحليلات Mills وغيره من المفكرين، والتغيرات والصراعات التي يشهدها العالم اليوم يؤكدوا صحة نظريتهم فالليبرالية المزعومة ستنتهي فى النهاية إلى حكم نخبوي عسكرى يحكم السيطرة على مقدرات الشعوب إذا لم تستفق.

هناك من هو ذهب إلى أبعد من ذلك ومن هؤلاء”سلافوي جيجك“ الذي يحذر أن الرأسمالية تحولت إلى ما يشبه جدران الفصل العنصري، وأن العالم سيعيش تفصل بين جنباته جدران عالية، النخبة الحاكمة المسيطرة تعيش داخل حصونها المغلقة بأسوارها العالية، والرعاع خارجها وعليهم أن يعملوا لصالح هؤلاء النخبة حتى يستطيعوا العيش فقط ولن يسمح لهؤلاء الرعاع الدخول إلى داخل تلك الحصون أو الارتقاء بحالهم؛ دائما ما يتحدث”جيجك“ فى مقالاته وأحاديثه الصحفية عن ضرورة تخطي الرأسمالية، وبالرغم أنه يصف نفسه بأنه شيوعي ستاليني لكن أفكاره بعيدة تماما عن ما يصف به نفسه، وبالرغم أنه يتحدث عن ضرورة الشيوعية لكن أطروحاته بها الكثير من الغرابة والتضارب مع الفكر الماركسي.

النخبة ما هي وكيف تتكون؟!

تحدثنا عن دوائر نخبوية لكننا لم نتعرف عن تلك النخبة وكيف تكونت وهل التحالفات بين تلك الدوائر النخبوية دائمة أم مؤقتة.

«إن مفهوم النخبة يشير إلى أحد سمات البناء الإجتماعى، وهو اختلاف درجتي النفوذ والتأثير اللتين يتمتع بها الأفراد، ففي كل المجتمعات تود مجموعة من الأفراد التي تمتلك السلطة وتمارس نفوذاً أكبر من الآخرين فى مجالات الحياة المختلفة، فالمفهوم يشير إلى تلك الأقلية العددية التي تتميز عن بقية أفراد المجتمع من حيث درجة تأثيرها ونفوذها، فجوهر مفهوم النخبة هو التوزيع غير المتكافئ لمصادر النفوذ والسلطة»

هناك مدارس كثيرة تحدثت عن النخبة و تكوينها وصفاتها ، فهناك من أتخذ من المعيار الأقتصادى و المكانة الإجتماعية كأساس للتحديد الأمبريقى للنخبة، لكن البعض وجد أن هذا المعيار لن يكون دقيقاً، فليس كل من يمتلك القدرة يمارس نفوذ سياسى ، مما ترتب على ذلك إلى ضرورة البحث عن معيار أجتماعى/ سياسي آخر لمفهوم النخبة، الذي تمثل في ثلاثة عناصر أو معايير أساسية هي:

* المنصب: ويقصد به من تولى أحد المناصب العليا في المؤسسات التنفيذية أو التشريعية أو القضائية.

* الشهرة: وهؤلاء من لم يتولوا منصباً سياسيا أو تنفيذيا لكنهم يمارسون قدراً من التأثير على صناع القرار.

* المشاركة في صنع القرار السياسي: وهؤلاء يمثلون القيادات السياسية الحاكمة ويمكن إضافة القيادات السياسية المعارضة فهم يشاركون بقدر ما فى صناعة القرار السياسي.

إذا جمعنا ما بين المنظورين سنعرف مما تتكون النخبة الحالية، ولكننا سنجد أن النخبة السياسية اليوم فى غالبيتها هي صناعة القوى الرأسمالية حتى فى بعض أجنحة النخبة المعارضة تكونت تحت مظلة البرجوازية، فلكي يعمل النظام بشكل يرضي الجموع المغيبة يجب صناعة ما يمكن أن نطلق عليه ”نقطة الاتزان“، فتلك النخبة المعارضة المزيفة تقوم بهذا، فهى تعمل على معارضة النظام بشكل وهمى ولكنها فى الحقيقة تحافظ عليه، فهم دائما يتحدثون عن الديمقراطية والحريات ولكن يتجنبوا في نفس الوقت الحديث تماما عن الصراع الحقيقي داخل المجتمع فمهمتهم هي إبقاء المجتمع يدور فى فلك ضيق لا يخرج فيه خارج الأطر المرسومة له، فغالبية النخب اليوم مصنوعة إعلامياً و ليست نتاج عمل سياسي حقيقي ملتصق بالجماهير.

من أمثلة صناعة نخب لها قبول مجتمعي لا يوجد مثال أفضل من الرئيس الأمريكي السابق ”باراك أوباما“ الذي لم يكن سوى صورة معاد تشكيلها على وجه ”لوثرى“ بأمل تهدئة الغضب الشعبى على أثر الأزمة الاقتصادية حتى يتثنى للرأسمالية الوقت اللازم لكى تخرج من أزمتها الاقتصادية، لن أنسى كيف تناقلت وسائل الإعلام صور خروج الجماهير فرحة بفوزه و كيف كانت التعليقات على وسائل التواصل الإجتماعي التى كانت تأمل فى أن يعيد هذا الأوباما تشكيل المنظومة بالكامل كما وعدهم فى خطبه الدعائية، في النهاية لعب أوباما الدور المرسوم له بدقة ولم يخرج خارج الخطوط الحمراء حتى هدأت الأمور قليلاً لتعود البرجوازية لتدفع بألعوبة جديدة بشكل جديد يتيح لها الاستمرار في السيطرة.

الأحزاب السياسية في ظل الديمقراطية الليبرالية

تقوم الديمقراطيات البرجوازية على ترسيخ عدد من المبادئ أهمها الدستور، القانون والعمل الحزبي، فالأحزاب فى ظل تلك الديمقراطيات الخادعة من المفترض أنها وسيطا سياسيا يربط ما بين المؤسسات الحكومية والناخبين أو المواطنين من خلال التنظيم القانونى والدستورى الذي تم الاتفاق على مبادئه لتعطى للحكم شرعيته المطلوبة، فنشأة الأحزاب بدأت داخل المؤسسات النيابية فى نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، وتطورت حتى وصلت إلى ما فيه الآن من استقرار سياسي وارتبط هذا التطوير بمعايير التطور في المجتمعات، وقد ساهمت مجموعة من العوامل في هذا التطوير أهمها حركة الإصلاح الدينى، والثورة الصناعية التي أفرزت توجهات و تفاعلات سياسية متعارضة بين الطبقة العاملة التي تكونت على أثرها وبين أصحاب رؤوس الأموال.

تنقسم الأحزاب إلى عدد من التصنيفات أهمها:-

أحزاب النخب: وهى تضم النخب السياسية والاقتصادية فى المجتمعات، لا تحمل أيديولوجية واضحة سوى توفير المساندة لمرشحيها من الوجهاء والعمل للحفاظ على مكاسبهم ووجودهم فى المجتمع، أنتشر هذا التصنيف من الأحزاب في أواخر القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر إلا أن هذا النموذج من الأحزاب تغيرت تشكيلاته في القرن العشرين نتيجة تطور المجتمعات وأصبح يضم شريحة من العامة ومن أهم تلك النماذج الحزب الجمهوري الأمريكي، حزب المحافظين البريطاني.

أحزاب الجماهير: بفضل تنامي الأفكار الإشتراكية فى نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بدأت تظهر أحزاب تعتمد على الطبقة العاملة في تكوينها، وتصنف سياسياً كيسار وسط، تلك الأحزاب تجمع ما بين الطبقة العمالية وشرائح من الطبقة الوسطى وتعمل بشكل أساسي على توسيع قاعدة العضوية على العكس من الأحزاب النخبوية، كما أن العلاقة بين الأعضاء وقيادات الحزب علاقة أكثر ديناميكية من الأحزاب النخبوية، فهناك ممارسة ديمقراطية بقدر ما داخل تلك الأحزاب ومن الأمثلة الواضحة حزب العمال البريطاني.

الأحزاب الماركسية: وهي الأحزاب التي بدأت تتكون في النظم السياسية بعد الثورة البلشفية عام 1917 والتزمت اغلبها بالمبادئ التي صاغها لينين أثناء تحضيره للثورة البلشفية، تتكون تلك الأحزاب من الطبقة العاملة وتعبر عن إرادتها، من أهدافها الرئيسية تغيير النظم السياسية عن طريق المسار الثوري لما فيه خدمة المجتمع بأكمله.

الأحزاب الائتلافية: وهي أحزاب تتكون من مجموعة من التحالفات إما لمجموعات إثنية أو تيارات سياسية تقترب فكرياً فى بعض الأمور وترى أن تجمعها سيعطيها القدرة على التأثير بدلا من العمل بشكل منفرد، ومن أمثلة ذلك حزب المؤتمر الهندي، تحالف الجبهة الوطنية الماليزية، وحزب التجمع المصري.

الأحزاب القومية: تقوم تلك الأحزاب في غالبيتها على أسس إقليمية أو عرقية تلتزم بمصالح الجماعة العرقية أو الإقليمية التي تعبر عنها ومن أمثلة تلك الأحزاب الحزب القومي لإقليم الباسك، والإتحاد الوطني الكردستاني.

أحزاب طائفية: وهي الأحزاب التي تقوم على معتقد ديني لطائفة معينة ومن أمثلة ذلك، الأحزاب المسيحية في أوروبا، المجلس الأعلى الإسلامى العراقى، وحزب الله في لبنان، تعمل على حماية الطائفة ومصالحها وتواجدها السياسي داخل الدولة.

أحزاب أصولية دينية: وهى أحزاب تسعى لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع بما يتناسب مع رؤيتها على ضوء قراءة ضيقة للمبادئ المذهبية والدينية بغض النظر عن أي تطور يحدث في المجتمعات، لا تعترف بالدساتير الوضعية وتعمل على عدم فصل الدولة عن الدين ومن أمثلة تلك الأحزاب حزب النور السلفي، وجماعة الإخوان المسلمين في مصر.

تلعب الأحزاب السياسية دورا أساسياً فى الديمقراطيات البرجوازية، فهي جزء من آليات السلطة السياسية، كما أنها من المفترض أن تقوم بعملية تشكيل الوعى السياسى للجماهير، فالأحزاب تعتبر إحدى أوجه الرقابة الشعبية على أعمال الحكومات بجانب الرقابة البرلمانية والدستورية، كما أنها تكرس مبدأ تداول السلطة وممارسة المعارضة السياسية، وبرغم كل ذلك وبالتحليل التاريخي سنجد إن النظام الحزبى البرجوازى لم يحمي مصالح الطبقات الكادحة بل كان على العكس تماماً نظرا للتزاوج بين النظام السياسي الذي أقره الفكر البرجوازي مع النظام الاقتصادي الرأسمالي، مما همش دور الطبقات الكادحة في العملية السياسية واتضح ذلك خلال الفترة الأخيرة مع تعاظم أزمات الرأسمالية وعدم قدرتها على حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية مما أدى إلى نشوء حركات شعبية بدأت تشغل حيز مهم بجانب الأحزاب في العشرين سنة الأخيرة، بل أن الأحزاب نفسها بدأت تنقسم من الداخل إلى حركات منظمة أخذت شكل به جانب كبير من الاستقلالية عن نظام الحزب الأساسي ومن أكبر الأمثلة على ذلك حركة حزب الشاي المنبثقة من داخل الحزب الجمهوري التي دعمت دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية الأخيرة، وفي الانتخابات الفرنسية الأخيرة شاهدنا كيف فقد الناخبين الثقة في الحزبين الكبيرين وهما الحزب الاشتراكي والحزب الجمهوري، ليفوز إيمانويل ماكرون بالرئاسة وهو يعتبر خارج المنظومة الحزبية، فالحزب الذي تقدم بأسمه في الانتخابات لم يتأسس إلا في أبريل/نيسان 2016 وهو حزب غريب التكوين أعتمد على شبكات التواصل الاجتماعي في جذب أعضاء له لا تعرف له أيديولوجية واضحة وإن كان يصنف نفسه كحزب ليبرالي يمثل يمين الوسط لكن عندما تقرأ البرنامج الأساسي للحزب لا يختلف عن أحزاب يمكن أن تصنف في أقصى اليمين إلا في موقفه من الاستمرار في الاتحاد الأوروبي كذلك موقفه من المهاجرين، أستطاع الحزب أن يجذب البرجوازية الفرنسية الكبيرة مما أدى إلى حصوله على دعم قوي من الشركات، لذا كان موقفه من الاستمرار في الاتحاد الأوروبي محسوم مقدما فهو في صالح تلك الشركات.

سأتوقف عند تلك النقطة وللحديث بقية …
___________________
مصادر:

هانز كلسن – الديمقراطية طبيعتها و قيمتها ، ترجمة على الحمامصى – مكتبة الأنجلو المصرية

الليبرالية و أزمة التجديد الإصلاحى – مقال للدكتور عبد الحليم عويس – شبكة الألوكة 2015/10/28

السيد ياسين – مجلة الديمقراطية – السلطة بين الصفوة و الجماهير – 2012/11/7 العدد 48

دكتور على الدين هلال – مجلة الديمقراطية – النخب السياسية بين مطرقة العولمة و سندان الديمقراطية – 2014/2/16 العدد 52

هانى نسيرة – الليبراليون الجدد فى مصر ، اشكال الخطاب والممارسة – كراسات استراتيجية – مؤسسة الأهرام – أغسطس/آب 2006

Vilfredo Pareto – The Rise and Fall of Elites: Application of Theoretical Sociology 1st Edition

Wright Mills – The Power Elite – 1/18/00 Edition

*صحفي مصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons