فالنتين كاتايف

كاتايف والروايةُ “السجينة”

كتب : عبد الله حبه

في الفترة الاخيرة كثُـر الحديث عن الكاتب السوفيتي فالنتين كاتايف (1897-1986) بعد أن نسيه النقاد والقرّاء على حد سواء، خلال عدّة عقود من السنين بعد وفاته. وبعد زوال الاتحاد السوفييتي أدرج اسم كاتايف في عداد الكتّاب السوفيت الموالين للسلطة، لكونه من المقربين سابقا الى القادة في الكرملين. وقد ذاع صيته على الأخص في الفترة السوفيتية لقصصه ورواياته ومسرحياته الكثيرة الموجّهة الى الجيل الفتي ومنها ” ابن الفوج ” و”عاد الجندي من الجبهة ” و” شراع أبيض يتألق في الأفق” الذي ترجم الى العربية ونشرته دار “التقدم”. وقد منح له وسام لينين ثلاث مرات، ووسام ستالين والكثير من الاوسمة الأخرى، ولقي التكريم لدى السلطات التي أنعمت عليه بالكثير من الامتيازات منها الداتشا (البيت الصيفي) في قرية الادباء (بيرديلكينو) بضواحي موسكو.

وفي فترة الستينيات أحبه الادباء والشعراء الشباب السوفيت، حين تولى رئاسة تحرير مجلة “يونيست” (الشباب) التي احتضنت الأدباء والشعراء ومنهم اكسيونوف ويفتوشينكو وفوزنيسينسكي وبيلا أحمدولينا وغلادولين واملينسكي وغيرهم. ويعود إليه الفضل في بروز الكثير منهم في الساحة الأدبية.

وقد جذب انتباهي مؤخراً صدور كتاب حول سيرة كاتايف عن دار نشر “مولودايا غفارديا” في سلسلة مشاهير الرجال. علما إنني لم أهتم بأعماله من قبل لانصباب اهتمامي على الادب الكلاسيكي الروسي، وقرأت فقط رواية” شراع أبيض يتألق في الأفق” التي أعجبني إسلوب كاتبها القريب من الشعر وخياله الخصب. ولهذا أردت أن أعرف المزيد عن هذا الكاتب الذي اكتشفت فجأة موهبته الفذّة المنسية الآن. ولدى تناول سيرة حياته وجدت أنها شبيهة جداً بسيرة حياة كاتب آخر هو ميخائيل بولجاكوف، ولو أن الأخير قد عانى كثيراً من تعسف السلطات والرقابة الحزبية وعانى من شظف العيش دائماً. بينما عاش كاتايف حياة مرفهة وتمتع بامتيازات الادباء المقربين من السلطة. لكن كلا الكاتبين كانا ينتميان الى عائلة من رجال الكنيسة البارزين في روسيا سابقا كما أن بعضهم اصبح من جنرالات الجيش القيصري. ولهذا حاول كاتايف وبولجاكوف التغطية بكل السبل على أصولهما العائلية، بغية ضمان العيش في الظروف الجديدة التي أسفرت عنها ثورة أكتوبر 1917. وقد كتب بولجاكوف روايته الشهيرة “الحرس الابيض” عن فترة الحرب الاهلية في مدينته كييف، بينما كتب كاتايف رواية “لقد كتبت فرتر ..” عن فترة الحرب الأهلية في مدينة أوديسا. وألقت المقادير بكلا الكاتبين بعد كثير من الاسفار والمغامرات في الوسط الأدبي بموسكو. ولئن جلبت رواية “الحرس الابيض” الشهرة والمجد الى بولجاكوف، فإن رواية ” لقد كتبت فرتر …” (العنوان الاصلي ” المرآب” وقد غيّره الكاتب بسبب عرض فيلم بهذا العنوان أيضاً على شاشات دور السينما السوفيتية في فترة صدور الرواية). ويمكن القول إن كلا الكاتبين التزما بمبدأ الصدق في الابداع الذي ميّز المبدعين العظام في الساحة الادبية الروسية في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.

لقد تطرّق سيرجي شارجونوف كاتب سيرة كاتايف الى هذه الرواية، مشيراً الى اختفائها من الأسواق والمكتبات فور نشرها في مجلة “نوفي مير” عام 1980. ودفعني الفضول الى متابعة مصير هذه الرواية التي أصبحت “سجينة” لدى الرقابة. وفعلاً لم أجد للرواية أثراً في مجلدات المؤلفات الكاملة للكاتب بالطبعات المختلفة. وبعد ذلك توجهت الى مكتبة تورجينيف القريبة من بيتي وطلبت العدد السابع من مجلة “نوفي مير” لعام 1980. فأثار دهشتي أن يداً ما قصّت جميع صفحات الرواية (ص ص 122 – 158) في المجلة. وتكرر الأمر في مكتبة أخرى. ولكن حالفني الحظ في العثور على الرواية في الانترنت، ويبدو ان أحدهم تبرع بإهدائها الى القرّاء مجاناً. فجلست وقرأتها من البداية وحتى النهاية، وأدركت عندئذ اين يكمن جوهر القضية. إن جميع أعمال كاتايف ترتبط بتجاربه الحياتية، وهذه الرواية تتحدث ايضا عن أيام فتوة الكاتب حين كان طالباً حربياً في أوديسا. وبطل الرواية طالب حربي أيضاً وقع بأيدي رجال لجنة الطوارئ (الأمن) التي تشكلت في الفترة الأولى لقيام ثورة أكتوبر من أجل قمع المعارضة البرجوازية والحرس الأبيض بعد إعلان ما سمي بـ” الارهاب الأحمر”. علماً أن غالبية رجال الأمن في أوديسا آنذاك كانوا من اليهود، فقط بسبب كثرة السكان اليهود فيها. ولهذا فإن فظائع التعذيب وإعدام البرجوازيين بالجملة في الجاراجات والأقبية بلا محاكمة أو تحقيق كان ينفذها يهود أوديسا . وهذا الأمر بالذات أثار انزعاج الموظفين في قطاع الثقافة في لجنة الحزب المركزية، باعتبار إن الحزب فرض “تابو” على التعريض بأية قومية في الاتحاد السوفيتي.

ولابد هنا من الأشارة اعتماداً على الوثائق السرية التي صارت تنشر بعد زوال الاتحاد السوفيتي الى أن العديد من دوائر الحزب ولاسيما في مجال الثقافة والإعلام المشرفة على دور النشر والصحف والإذاعة والتلفزيون، كانت توجد تحت سيطرة مسؤولين يهود. ولديهم طبعاً حساسية شديدة لدى تناول أيّ موضوع يخص اليهود في الاتحاد السوفييتي. ويستغل بعض القوميين الروس احياناً هذا الموضوع للتحذير من الحضور اليهودي المكثّف في بعض مؤسسات الدولة. وفي الواقع أن المسألة اليهودية كانت وما زالت تثير الحساسية لدى البعض. هذا بالرغم من أن لينين كرّس بعض أعماله الى التصدي لمواقف القوميين اليهود من نشاط الحزب البلشفي ومحاولات توجيهه لمصالحهم القومية الضيقة. ولا بد من الاشارة الى أن لينين كان من أم يهودية (لقبها كابلان) ويعتبر حسب تقاليدهم من اليهود أيضاً، كما أن العديد من قادة البلاشفة والقوميسارات كانوا من اليهود أيضاً. إن اليهود في روسيا يتميزون عن يهود العراق مثلاً بكونهم من المتعصبين المتشددين جداً للحركة الصهيونية التي انطلقت من روسيا القيصرية حين أسسها فولف – زئيف جابوتينسكي (1880- 1940) المولود في أوديسا. أن الروح العدوانية المميزة لليهود الروس تعود الى معاناتهم خلال سنوات طويلة سواءٌ في المانيا ومن ثم في بولندا بعد أحتلالها من قبل القوات الروسية في عهد الامبراطورة يكاترينا الثانية وفي روسيا أيضاً.

أن كاتايف كان يعرف لدى كتابة روايته إنها ستلقى رد فعل سلبياً في اللجنة المركزية وحتى في هيئة تحرير “نوفي مير”. ولهذا عمد بإسلوب ذكي الى إرسالها الى ميخائل سوسلوف منظر الحزب آنذاك، مرفقة برسالة يشير فيها الى أن الرواية تفضح دسائس تروتسكي وأنصاره في أوديسا. ويبدو أن مشاغل سوسلوف الكثيرة حالت دون إطلاعه على نص الرواية فكتب ملاحظة الى هيئة تحرير المجلة يرجو فيها نشر الرواية. وفعلاً اضطرت ادارة المجلة الى نشرها، ولكن جرت مصادرتها فور توزيعها في الاسواق والمكتبات بأمر من اللجنة المركزية أيضاً، وهذه حالة نادرة في الحزب الشيوعي السوفييتي، وصدور عدّة مقالات لكتاب يهود يحتجون فيها على نشر رواية “معادية لليهود”. وقد واجه كاتايف خصومه بجرأة وأعلن أنه لا يعادي اليهود وأن زوجته يهودية وأن ولديه يعتبران من اليهود أيضاً، كما إن صهره هارون فرجيليس رئيس تحرير مجلة “سوفيتشه هايملاند” اليهودية. وقال لزوجته ايستر دافيدوفنا :” ما علاقة اليهود بالأمر، أنا كتبت عن الواقع كما رأيته “. أن روايته تصور واقعياً صفحة مأساوية من فترة الحرب الأهلية في روسيا عام 1920 .ولكن هذا الدفاع لم يجد نفعاً. فقد اختفت الرواية نهائياً من الاسواق والمكتبات ولم تصدر في كتاب منفصل حتى الآن.

كتب فالنتين كاتايف روايته “لقد كتبت فرتر ..” (العنوان مقتبس من بيت شعر لباسترناك) بعد الهجمات العنيفة من جانب بعض المثقفين التي وجهت الى روايته السابقة” التاج الألماسي”، فأراد أن يكتب حول موضوع أكثر تأثيراً هو أيام فتوته حين سيطر البلاشفة على اوديسا. ويصوّر فيها “عائلة ثرية إنهارت وهرب رب العائلة الى اسطنبول، بينما صارت الأم تبيع حاجيات البيت في سوق العتيق، كما اعتقل إبنها الرسام ديما الذي تورط قبل هذا بالصدفة في اقامة علاقات مع الحرس الابيض في اثناء وجودهم في المدينة. كان رجال الحرس الثوري يقتادونه في الشوارع الى القبو حيث ينفذ الاعدام. وتراءى له من وراء الركن شبح عجوز ذات وجه مألوف جداً انها المربيّة الطيبة التي رسمت أمامه علامة الصليب. آه ، نعم. أنها مربية ديما التي توفيت قبل الثورة. وودّعته بنظرات حزينة” . إنه ينتظر الإعدام في قبو لجنة الطوارئ… وجاءت لاريسا جيرمانوفنا أم المحكوم عليه الى سيرافيم لوس الارهابي السابق من حزب الاشتراكيين الثوريين راجية مساعدته أملاً في حدوث معجزة. فذهب هذا الى ماكس ماركين رئيس الأمن الذي هرب معه سابقاً من المنفى السيبيري وقال:- ” تذكر المنشار. ربما ستتجاسر وتنكر أنني حصلت على المنشار؟”.

فدمدم ماركين بإرتباك :- انت حصلت على المنشار.

– !ذن هبني هذا الصبي “.

في الساعة التي تقرر أن يتم فيها اعدام ديما ليلا يقتاد ماركين الفتى المحكوم عليه ويدفعه بعد فتح باب حديدي في الجدار قائلاً:

– أخرج ولا تقع في أيدينا مرة أخرى.

رأت لاريسا جيرمانوفنا في لوحة الاعلانات جريدة تتضمن أسماء الذين أعدموا وبينهم ولدها ، فعادت الى البيت وتناولت جرعة قاتلة من السم .

أما اليهودية صاحبة الشقة، حيث عاش ديما فإنها لم تسمح له بالدخول قائلة: أذهب ! أنا لا أعرفك. ولا توجد لي ايّة معرفة بك. لقد أعدموك، وأنت لا تسكن هنا بعد هذا. أنا لا أتذكرك!ولا اريد أن أواجه المشاكل بسببك”.

ويصور الكاتب في هذه الرواية حقبة كاملة من تاريخ الاتحاد السوفييتي ويظهر ميكانزم وميتافيزيقية الارهاب “الكبير” الذي لا يمكن محوه من أقبية أجهزة الأمن . فهناك حيث أزيلت صورة القيصر من الجدار ثبتت بدلاً منها بالمسامير صورة تروتسكي. لكن الاساليب التي مارسها رجال الأمن هناك، لا تختلف كثيراً عن ممارسات الشرطة السريّة في العهد القيصري. أن كاتايف لم يرغب في روايته التنديد بستالين أو تروتسكي أو غيره من قادة البلاشفة ، بل أن يعلن رفضه لكافة اشكال العنف لدى تولي السلطة وفرضها على الشعب قسراً، ورفضه “للشيوعية العسكرية” التي أعلنها تروتسكي. أن كاتايف لم يكن معارضاً للسلطة السوفييتية. وهذه الرواية تركت في حينه تأثيراً لا يقل عن تأثير رواية الكسندر سولجينتسين “يوم من حياة ايفان دينيسوفتش” عن معسكرات الاعتقال في سيبيريا. وقد إعترف سيرجي ناروفتشاتوف رئيس تحرير مجلة “نوفي مير” الذي عارض نشر الرواية بأنها ” كتبت بإسلوب رائع جداً”. أما الكاتب نفسه فقال عن نشر الرواية” هذا امتحان للنظام. لقد قدمت الى السلطة السوفييتية امتحاناً لمعرفة هل انها قادرة على الصمود أمام الحقيقة؟ وقد تبين إنها قادرة على ذلك الحقيقة”.

لكن قيادة الحزب إعتبرت الرواية ضارة، وأرسل يوري اندروبوف رئيس (كي.جي . بي) آنذاك توجيها سرياً الى اللجنة المركزية في 2 سبتمبر/أيلول 1980، يشير فيها الى ان نشر الرواية يخدم أعداء الاتحاد السوفييتي والدعاية الامبريالية في ترديد الاقاويل حول “قسوة” الثورة الاشتراكية. وأكدت لجنة أمن الدولة أن الوقائع الواردة في الرواية حول اطلاق سراح البطل ديما ومن ثم معاقبة رئيس الأمن وإعدامه لهذا السبب لا يتفق مع الواقع. علماً أن الكاتب لم يرغب أصلاً في كتابة رواية وثائقية بل إن جميع الشخصيات خيالية. لكن قادة الأمن اصدروا قراراً بمنع نشر وتوزيع الرواية وذكرها في الصحافة. وهكذا اصبحت إحدى أروع أعمال كاتايف رهينة السجن.

المصدر: المدى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons