الأربعاء , سبتمبر 20 2017
عباس الجمعة

قمة ترامب وغياب فلسطين

كتب : عباس الجمعة*

في ظل التطورات الإقليمية والدولية وانعكاساتها على المنطقة العربية، أتت زيارة الرئيس الأمريكي ترامب للمنطقة وعقد قمم بهدف تسخير العداء بين شعوب المنطقة وتنفيذ مشروع تفتيت المنطقة العربية، هذا المشروع الذي عجز كيسنجر ورايس عن تنفيذه، إلا أن مشروع الشرق الأوسط لم يسقط من أجندة الإدارة الأمريكية التي سعت منذ احتلال العراق لتنفيذه وتعميم الفوضى الخلاقة له عبر ما يسمى الربيع العربي، ولذلك نقول إن أمام هذه المخاطر لا بد من تشكيل جبهة شعبية عربية قادرة على التصدي لكافة المخططات المرسومة للأمة العربية.

من هنا رأينا بأن الإدارة الأمريكية حددت اهتماماتها في المنطقة بدعوة أصدقائها لمحاربة ومحاصرة إيران، والحفاظ على شعار أمريكا أولاً، بما يعني أن على دول الخليج العربي أن تدفع المال مقابل الدفاع عنها، وهذا ما لمسناه من زيارة ترامب للسعودية وعقد الصفقات بمئات المليارات من الدولارات، كما أن خطاب ترامب كان واضحا وبصمة الحاضرين في مواجهة إيران و”الإرهاب” وهو بكل تأكيد سيشكل هذا الخطاب صفحة للتطبيع العربي الصهيوني على حساب القضية الفلسطينية من خلال التمهيد لضرب قوى المقاومة.

أن ما يجب الوقوف أمامه ليس ما تخطط له الإدارة الأمريكية، فهذا وضع طبيعي بالنسبة لدولة إمبريالية، ولكن الأهم هو غياب أي دور عربي رسمي يواجه هذه المخططات والمؤامرات التي تحاك منذ احتلال العراق الذي يتعرض الى التفتيت والتمزيق، وما تعرضت له سوريا وليبيا واليمن بعد ذلك من قوى الارهاب المدعومة من قبل القوى الإمبريالية والرجعية بعد قيام ثورات عربية حقيقية في مصر وتونس، ولكن القوى الامبريالية استطاعت مع حلفائها التحرك لاحتوائها وتجييرها لمصلحتهم، رغم الدور الذي لعبته القوى التقدمية والقومية في مصر وتونس، لهذا المطلوب دعم وإسناد المقاومة في المنطقة لمواجهة هذه المؤامرات.

ونحن اليوم نرى أن المنطقة العربية تعرضت إلى ضربات قاسية، كان أهمها وعد بلفور المشؤوم الذي كان بداية لتحولات لإعادة رسم المنطقة العربية كاملة ونكبة فلسطين عام 48، وهزيمة يونيو/حزيران التي تعتبر الضربة القاصمة الأكبر للمنطقة العربية، حيث بدأ انهيار الأمة بعد الهزيمة بشكل متسارع، فقد كانت هزيمة لمشروع إعادة إحياء دولة حقيقية بعيداً عن التقسيمات التي قام الاستعمار بفرضها، الا ان قوى المقاومة لهذه المشاريع، كانت على مدى التاريخ. والمنطقة العربية تشهد تطوراً للمقاومة ونهجها، استطاع إيقاف التمادي “الصهيوني” التي كانت تسرح وتمرح في المنطقة كيفما تشاء، وكانت انتصارت المقاومة في لبنان، التي أسقطت نظرية رايس في عام 2006.

لذلك نحن نرى ان الاوضاع التي تعيشها المنطقة، من حيث اتساع دائرة الصراعات العربية، وبمشاركة إقليمية، دولية، دون إغفال أن المفتاح الرئيس لهذه الصراعات هو (القضية الفلسطينية)، وتنامي الصراعات الدولية على منطقتنا، إضافة إلى صعود قوى دولية كروسيا والصين، وتراجع قوى أخرى ولكنها لم تصل حتى هذه اللحظة إلى حالة الانكسار، رغم ما يجري على الأرض من خدمة صافية للكيان الصهيوني، خاصة من خلال التطبيع مع الكيان الصهيوني، وهذا يؤكد بلا شك سقوط غالبية النظام الرسمي العربي، الأمر الذي يستدعي ضرورة استنهاض كافة الأحزاب والقوى التقدمية والقومية والاسلام التنويري في مجابهة هذه المخاطر.

وفي ظل كل ذلك تأتي ذكرى نكبة فلسطين الذي لعب العرب فيها الأدوار، حيث لم نسمع في قمة ترامب أي حديث يذكر عن النكبة، إلا إدامة مفاعيل الهزيمة، خدمة للسياسة الأمريكية والإمبريالية في المنطقة، وإذا اعتبرنا أنّ الكيان الصهيوني يُمثّل قاعدة متقدّمة للعدوان الاستعماري على منطقتنا، فإن الرجعية العربية التابعة، شكّلت باستمرار قاعدة الإسناد للكيان الصهيوني، واختراق عميق للصف العربي، لطالما لعبت أدوار مدمّرة لإضعاف الصف العربي والقدرة على المقاومة والصمود، وفي الأعوام الأخيرة تطور التعاون بين نظم النفط والكيان الصهيوني لتحالف أمني مفضوح، وشراكة عسكرية في العدوان على العديد من شعوب المنطقة، هذا كله بجانب الشراكة في الهجمة المسعورة لتصفية القضية الفلسطينية.

إن مخاطر عدة يفرزها التحالف والتسابق العربي والإسلامي للالتحاق بالركب الأمريكي، لا تبدأ باستكمال مخططات التقسيم والتفتيت للمنطقة العربية، ولا تنتهي بفرض التسوية التصفوية للقضية الفلسطينية، بل من ضمن أهدافها تغذية وتسعير الحرب الطائفية، وتصعيد الحروب على قوى المقاومة بحجة مكافحة الإرهاب.

اما ما قدموه من عشرات وربما مئات المليارات للخزينة الأمريكية، لتقديم كل ما يمكنهم لضمان بقاء الحماية الأمريكية لهم، بما في ذلك تصفية القضية الفلسطينية، و خوض حروب الولايات المتحدة نيابة عنها، في مواجهة كل قوى المقاومة، وكل محاولة للنهوض الحر لهذه الشعوب، يستدعي من كافة القوى العربية الحية حشد كل موارد الصمود، لوقف مخاطر هذا العدوان، والرد عليه بيقظة حقيقية من الشعوب في هذه المنطقة المنكوبة بحكام لم ولن يعرفوا طريقا إلا في خدمة امبراطورية القتل الأمريكية.

وفي معمعان المعركة التي تستهدف شعوب المنطقة والنيل من إرادتها وكرامتها، على الشعب الفلسطيني بكافة قواه وفصائله استنهاض الطاقات لمواجهة الاحتلال الجاثم على صدور شعبنا ومستمرا في كل اجراءاته الاستعمارية والاستيطانية والعنصرية، كما أن المرحلة تستدعي انهاء الانقسام الكارثي وتعزيز الوحدة الوطنية وتطبيق اتفاقات المصالحة وتفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها على أرضية شراكة وطنية حقيقية تقديرا واحتراما لدماء الشهداء من قادة ومناضلين وإبراز قضية الأسرى التي يجب أن لا تكون موضوع خلاف أو صراع على الإطلاق، ورسم استراتيجية وطنية تستند لكافة أشكال النضال والكفاح الوطني.

ولذلك نقول للعالم اجمع ان المقاومة حق مشروع للشعوب التي تحتل أراضيها كما نصت عليها مواثيق الأمم المتحدة وشرعة حقوق الإنسان، وتنبثق شرعية المقاومة من حق الشعوب والأمم في تقرير المصير، وهو حق من الحقوق غير القابلة للتصرف، ولا يجوز لأي دولة محتلة واستعمارية وعنصرية أن تتوسل بأي ذريعة لمنع الشعب الفلسطيني من ممارسته على أرض وطنه، ويعطي هذا الحق الشرعية للمقاومة المسلحة كأداة للوصول إلى حق تقرير المصير إزاء هذا كله لم يبق أمام الشعب الفلسطيني والأمة العربية إلا المقاومة والانتفاضة لمواجهة العدوانية الصهيونية ومساعيها لإقامة «إسرائيل العظمى» من النيل إلى الفرات والهيمنة على الاقتصادات والثروات العربية.

ان المقاومة عمل مشروع يتماشى مع مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والعهود والمواثيق الدولية الأخرى، ومع تجارب الشعوب الأوروبية في محاربة الاحتلال النازي ومع ما هو متعارف عليه عالمياً بخصوص الاستعمار والاستعمار الاستيطاني ومقاومة الاحتلال الأجنبي والعنصرية والتمييز العنصري، فكل شعب من شعوب الأرض سواء أكان صغيراً أم كبيراً له كامل الحق في الحرية والاستقلال والسيادة وحق تقرير المصير، وهذه الحقوق مبادئ دولية معترف بها في جميع أنحاء العالم ولدى شعوب العالم كافة، والشعب العربي الفلسطيني أسوة ببقية شعوب العالم له الحق في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على كامل ترابه الوطني وعودته إلى دياره التي شرد منها تطبيقاً لقرارات الأمم المتحدة والعهود والمواثيق الدولية.

من هذا الموقع وبعد تجاهل العرب في قمة ترامب قضية الأسرى نقول أن الحركة الأسيرة المناضلة التي تدخل اسبوعها الاول من الشهر الثاني بإضرابها متسلحة بإرادة عظيمة ومصممة على تحقيق أهدافها ومطالبها الإنسانية العادلة بكل ثبات ،ولا بد من اتخاذ خطوات ترتقي إلى مستوى نضال الاسيرات والاسرى البواسل الذين يعكسون حالة صمود وعزة ولا يملكون من أدوات الفعل إلا إرادتهم وأمعائهم الخاوية في مواجهة آلة البطش والقهر الصهيوني فهم من يعطونا الأمل في استمرار مسيرة نضالنا من أجل حريتنا.

ختاما: لا بد من القول، أمام الضغوط ومخاطر الهجمة الإمبريالية الشرسة على المنطقة والقضية الفلسطينية، نرى بأن الاحتمالات الواردة، حول حصول عدوان صهيوني على لبنان وغزة مع استمرار تصاعد العدوان والاستيطان في الضفة في محاولة للقضاء على المقاومة، لذلك لا بد من الاستعداد لأن المرحلة المقبلة هي مرحلة تركّز الصراع على جميع المستويات، وهذا يستدعي وحدة الصف الفلسطيني، ورفض الابتزاز الأمريكي والضغوط من أجل العودة إلى مسار مفاوضات جربت على مدار اربعة وعشرون عاما دون نتيجة، فلنكن على قدر من التمسك بحقوق شعبنا حتى نيل الحرية والعودة والاستقلال.

*كاتب سياسي فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons