محمد جبر الريفي

السلام الاقتصادي المزعوم: التفاف على الثوابت وتناقض في المصالح

كتب : محمد جبر الريفي*

كثر الحديث في هذه الآونة التي تنشط فيها المساعي السياسية من أطراف إقليمية ودولية لإحياء عملية السلام عبر إعادة المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي.

كثر الحديث عن السلام الاقتصادي كمقدمة لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بإيجاد حالة من الإرادة السياسية والثقة بين طرفي الصراع الذي مضى عليه الآن 69 عاما هو عمر الكيان الصهيوني الذي زرعه الغرب الاستعماري في قلب المنطقة العربية، والواقع أن هدف السلام الاقتصادي المزعوم ليس كما يروج له الكيان بأنه تحسين للحالة الفلسطينية المعيشية التي تعاني من تأزم اقتصادي بل هو مشروع سلام وهمي يهدف في الواقع الهروب من دفع استحقاقات عملية السلام الحقيقية التي يمكن الوصول إليها عبر تسوية سياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي تقوم على أساس حل الدولتين.

عبر هذا السلام الاقتصادي المزعوم يتم التوصل لعقد اتفاقات مشتركة ووضع مخططات اقتصادية للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67 لإحداث تنمية اقتصادية والهدف بالدرجة الأولى من ذلك كله إطالة وجود الاحتلال والاستمرار في ممارسة سياسة المراوغة والمماطلة للالتفاف على الثوابت الوطنية الثابتة المعروفة وفي مقدمتها تحقيق الاستقلال الوطني وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود 67 وحل مشكلة اللاجئين حسب قرار الأمم المتحدة المتعلق بهذا الشأن إضافة إلى ذلك فإن السلام الاقتصادي المزعوم الذي يلقى الدعم من قبل الإدارة الأمريكية تحت مسمى المحفزات الاقتصادية كمقدمة للتسوية ويتحمس له الرئيس الأمريكي ترامب الذي يزور المنطقة وفي جعبته تصور لحل إقليمي للقضية الفلسطينية هو في حقيقته أخطر من أي أفكار أخرى تطرح كمقدمة حسن نوايا للحل السياسي الإقليمي الذي يوصف بصفقة تاريخية لأنه يستجيب تماما لأهداف الكيان الصهيوني في السيطرة الاقتصادية أسوة في التفوق العسكري الحاصل في موازين القوى في المنطقة لأنه في حال تطور حالات التطبيع الجارية بين كثير من الدول العربية والكيان الصهيوني فإن الاقتصاد الإسرائيلي الأكثر تقدما من الناحية العلمية والتكنولوجية من اقتصاد دول المنطقة سيجعل السوق الفلسطيني والأسواق العربية الأخرى خاصة المجاورة لدولة الكيان مفتوحة بدون منافس قوي أمام البضائع والسلع والمنتجات الإسرائيلية.

على ضوء السلام الاقتصادي المزعوم يتضح موقف البرجوازية الفلسطينية والعربية خاصة من ممثليها الذين يمتلكون شركات خاصة حيث تجري اللقاءات الدورية مع رجال الأعمال الإسرائيليين الصهاينة في تل أبيب وعمان وأبو ظبي وغيرها من عواصم المنطقة وعلى ضفتي البحر الميت أيضا وهو موقف لا غرابة فيه لأنه ينسجم مع تعاظم دورها السياسي والاقتصادي في هذه المرحلة ووفق شروط وأوضاع إقليمية مناسبة تحقق لها مصالحها الطبقية لكن الأخطر في هذا الدور هو في قدرتها على توجيه السياسة الرسمية الفلسطينية.والعربية من خلال ما صار يعرف بالاتصال بالمجتمع المدني الإسرائيلي عبر زيارات لوفود شعبية إلى الكيان كالذي قام به مؤخرا وفد أردني يمثل بعض العشائر والقبائل في بعض مناطق المملكة وكذلك التسهيلات السياحية التي بدأت تقدمها دولة الإمارات للاسرائيليين بالسماح لهم بالدخول إلى أراضيها حتى بدون الحصول على تأشيرة زيارة هكذا أشيع في بعض وسائل الإعلام العربية مؤخرا و كل هذا الاتصال الذي بدأ يمارس وبشكل علني هو في الواقع يقوم بدور العراب لسياسة التطبيع العربية الجارية بشكل غير مسبوق مع الكيان في وقت وصل فيه مشروع حل الدولتين إلى تعثر دائم.

*كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons