الأربعاء , سبتمبر 20 2017

“ماء وملح” .. يعيد النبض لوريد فلسطين

بقلم : إيهاب القسطاوي*

بينما كان قادة السلطة، ودكاكين المرتزقة، والفصائل الانتهازية يهرولون نحو منحدر التبعية، فيتعثرون ويتساقطون على السجاد الأحمر فيركض الصهاينة لنجدتهم، يواصل أسرانا البواسل، الإضراب المفتوح عن الطعام، فى سجون الكيان الصهيوني الغاصب، والذي بدأ فى 17 أبريل/ نيسان الماضي، وسط تصاعد الإجراءات القمعية من قبل قوات الاحتلال الصهيوني، بدءا من اقتحاماتٍ لأقسام في سجن النقب الصحراوي بواسطة الكلاب البوليسية، وتزود الأسرى بعبوة مياه واحدة لكل ستة أسرى، ورفض تزويدهم بالملح، وسكب المياه المخصصة للشرب على الأسرى، لثنيهم عن مواصلة إضرابهم، انتهاءاً إلى ما يزداد الوضع مآساويةً على الأسرى، من ارتفاع درجات الحرارة، حتى بدأ عددا منهم بتقيؤ الدم، بالإضافة إلى قيام إدارة السجون باحتجاز الأسرى في زنازين قذرة، وهم يرتدون ذات الملابس منذ بداية الإضراب، وتهديد الأسرى بـ “التغذية القسرية”، بشكل مهين ومؤذي حيث يتم إدخال الطعام إلى الجسد من خلال أنبوب يدخل أنف الأسير المكبَل، فهم يقومون بإحضار أطباء من الهند والشيشان لقتل أجساد هزيلة لم يدخل أحشاؤها إلا الماء والملح الذي صودر أيضا من بعضهم “الأسرى”.

لقد اختار آلاف الأسرى سلاح الإضراب عن الطعام لوقف الانتهاكات وتعسف الاحتلال ضدهم، ففي الوقت الذي سقطت فيه كافة أنظمة المنطقة فى شراك الولايات المتحدة وعملائها، يطل علينا الشعب الفلسطيني مجددا ببطولاته ليعلق مرارة خيانة نخبته، بملحمة وطنية جديدة، يسطرها بأمعائه الخاوية ويحولها إلى فعل مقاومة، ملحمة يقودها أسرانا البواسل في سجون الاحتلال المقيت، بإضراب عن الطعام لأكثر من 1670 أسير من أصل سبعة آلاف أسير، في أكثر من 22 سجنًا ومركز تحقيق، بينهم 6 آلاف من الضفة الغربية المحتلة، و330 من قطاع غزة، و29 أسيرًا منذ ما قبل توقيع نكبة “أوسلو” مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1993، و 62 امرأة، ضمنهن 14 طفلة “دون 18 عامًا”، و34 أسيرًا من جنسيات عربية، بحسب إحصائيات رسمية.

وعلى الرغم من الحروب البربرية والاستيطان والحصار المفروض على الشعب الفلسطيني، ورغم المشاريع الاستعمارية الجديدة من صفقات القرن المزعومة التي تروج لها الولايات المتحدة وعملائها في المنطقة، اختارت القيادة الأسيرة هذا التوقيت تحديدًا لكسر حالة التردي والخنوع والإصرار على معاني الحرية والعدل والكرامة والاستقلال، رغم كل المحاولات الفاشية الممنهجة، وليس هناك أدنى شك أن معركة اسرانا البواسل الذين يستنزفون أجسادهم إلى الألم والمعدة الخاوية، أعطت إشارات ملهمة لمدى القوة الهائلة الكامنة في الصفوف الثورية للتصدي وتحدي آلة القمع والسلف الصهيونية، كما كانت هذه الملحمة من أهم المعارك لصد الإجراءات القمعية للعدو الغاصب وإيقاف مخططاته للإجهاض على المقاومة وتغيير مسارها، كما عملت أيضاً على فرز مواقف القوى السياسية المختلفة وساعدت على فضح انتهازية بعضهم، لكن يظل السؤال قائماً عن مدى نجاعة هذه الملحمة في تعبيد طريق مستمر ومستدام لقطار المقاومة الثوري وعن مدى نجاحها في الانتصار لسلطة الجماهير المقاومة في مقابل سلطة المتاجرين بالقضية الفلسطينية.

أن عبقرية الشعب الفلسطيني المقاوم أبت إلا أن تقلب الطاولة فى وجوه الصهاينة وعملائها، وأن تثبت من جديد أنه شعب جدير بالحياة والحرية، فأطلق انتفاضته الجديدة وانخرط بشبابه وشيبته ورجاله ونسائه، حتى أطفاله، فى اجتراح المآثر وقهر المستحيلات، مستخدما أبسط الأدوات قليلا من “الماء والملح “، مقارعا بها العدو الصهيوني المدجج حتى أسنانه بأحدث الأسلحة والتجهيزات، ليوجعه ويقض مضجعه، ويفيق العالم الذي كاد أن ينسى أن هناك قضية تسمى فلسطين، مجسدا على أرض الواقع أسطورة طائر الفينيق الذي لا يني ينبعث من بين الرماد المحترق متألقا وأخاذا من جديد.

إن معركة الكرامة البطولية لهذا الشعب الأبي لتعيد التأكيد على أن الشعوب لاتموت، وأن إرادتها لا تقهر، وأن الظلم مهما طال، وأن الظلام مهما ادلهم، فإن قوة الحق وإرادة الحياة لقادرين على جلب الانتصار واستنهاض شمس النهار.

*كاتب وباحث سياسي من مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons