الثلاثاء , أكتوبر 17 2017
محمد جبر الريفي

إرادات مغايرة لوجود الكيان

كتب : محمد جبر الريفي*

في الخامس عشر من مايو/أيار من هذا العام 2017 تكون الدولة العبرية قد مر على وجودها فوق الأرض العربية في فلسطين تسع وستين عاماً مشكلة بذلك ظاهرة استعمارية استيطانية خطيرة في المنطقة العربية كثمرة من ثمرات الاستعمار الغربي الكولونيالي في هذا القرن وقد شكلت الدولة العبرية بوجودها العدواني الصارخ فوق الأرض العربية بؤرة توتر حقيقي بحكم كونها جسما غريبا غير متجانس مع نسيج المنطقة التاريخي والحضاري وفي وضع متناقض تماما مع استقرار شعوب المنطقة التي ترفض هذا الوجود الاستيطاني العنصري رفضا تاما متمسكة بالحق التاريخي للأمة العربية في فلسطين وهذا الرفض الشعبي يوجد ما يؤكده الآن على أرض الواقع المعاش حيث مواقف “إسرائيل” لا تستجيب لاستحقاقات عملية السلام ولا تتعاطى مع أي مبادرة تتضمن الالتزام بمرجعية هذه العملية التي انطلقت قبل سنوات عديدة وإنما تنفذ سياسات عنصرية وعدوانية كما هو واضح، وقد تأتي الحرب العدوانية الأخيرة على قطاع غزة واحدة من هذه الحروب التي تظهر للعالم مدى عدوانية وعنصرية القوة الإسرائيلية الغاشمة.

أن الصراع العربي الصهيوني بعد تسع وستين من عمر الكيان الإسرائيلي سيظل صراعا قائما ومتجددا وذلك لأنه لم يطرأ على هذا الكيان ما يغير دوره ووظيفته العدوانية فهو مازال متواصلاً مع الرؤية الأيديولوجية الصهيونية التي أوجدته على خارطة المنطقة الإقليمية كما أنه مازال متفاعلا مع الترتيبات الإقليمية الجارية لإيجاد شرق أوسط جديد تذوب فيه الرابطة القومية العربية وتتلاشى فكرة الوحدة القومية العربية حيث ترى فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها من الدول الرأسمالية الكبرى أداة إرهاب لحماية المصالح الحيوية الغربية.

عوامل موضوعية في حدوث النكبة

لقد أقيم الكيان الإسرائيلي في المنطقة العربية عام 1948م باتجاه يغاير الإرادة العربية مناقض أيضا للإرادة الدولية وللرأي العام العالمي بكل مؤسساته ودوائره فقد واجهت الإرادة العربية هذا الكيان حتى قبل ولادته بشكل رسمي وهي إن بدت عاجزة عن منع قيام هذا الكيان وتطوره على المستوى العسكري والتوسع الجغرافي إلا إن هذا العجز لن يبقى ظاهرة تاريخية وهو حتماً سيتلاشى مع التقدم العربي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، فمن المؤكد أن الحركة الصهيونية قد استغلت طبيعة الواقع العربي بكل ما يمثله من عنصرين أساسيين هما التخلف والتجزئة لتحقيق الحلم التاريخي ومازالت الدولة العبرية تستغل هذين العاملين الموضوعيين لتحقيق أهداف المشروع الصهيوني في التوسع والسيطرة، فسبب قيام (إسرائيل) عام 1948 م يرجع إذن بشكل أساسي إلى ضعف المرحلة التاريخية ذاتها فلم تكن ثمة مواجهة حقيقية فعالة للحركة الصهيونية ولعل تلك المرحلة هي المحصلة العملية للمرحلة التاريخية السابقة التي مرت بها أوضاع البلدان العربية السياسية والاقتصادية والاجتماعية منذ التسلط التركي العثماني حتى عهود الاستعمار الأوربي الحديث.

لقد برزت دولة (إسرائيل) في الحقيقة من منظور الحفاظ على المصالح الحيوية الاقتصادية الغربية في المنطقة ومواجهة إمكانية القيام بتصفيتها من خلال وصول شعوب المنطقة إلى مرحلة تجسيد الخيار القومي بكل مكوناته الأساسية المتمثلة في الوحدة والتحرر والتقدم الاجتماعي وهو خيار اخد فرصته في الظهور عبر مراحل التاريخ المختلفة وقابل أيضا لأن يأخذ فرصته في المستقبل لأن التحدي الخارجي لشعوب هذه المنطقة مستمر ولن ينتهي وليس نزوع إسرائيل الدائم إلى العدوان وتنكرها لعملية السلام سوى مظهر هذا الكيان الصهيوني العنصري الغاصب.

أنه بعد تسع وستين عاما على مواجهة المشروع الصهيوني يجب أن لا يغيب على البال أن الكيان الإسرائيلي مازال محافظا على جوهره العنصري ولم يتخل حتى الآن عن موقفه بخصوص القضايا الأساسية في الصراع العربي الإسرائيلي، صحيح أن الخيار الوطني الفلسطيني في السعي إلى السلام العادل والشامل قد وضع حدا للحلم الصهيوني التوراتي في إقامة ما يسمى بإسرائيل الكبرى حيث باتت غالبية دول العالم بما فيها الولايات المتحدة وحتى بعض الأطراف الإسرائيلية مندمجة في إطار عملية السلام التي تلزم الدولة العبرية عن وقف التطلع إلى تحقيق هذا الحلم إلا أن قضية الاستحقاقات الفلسطينية العادلة وفي المقدمة حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة وحق تقرير المصير، هذه الاستحقاقات الأساسية التي تشكل جوهر الصراع مازالت تتعرض لخطر المصادرة وعدم التنفيذ فرفض حق العودة ما زال يشكل جوهر السياسة العنصرية الإسرائيلية ويحظى بالإجماع عليه من كافة القوى السياسية الإسرائيلية.

إننا في حقيقة الأمر نقف في مواجهة كيان عدواني لا يقيم وزنا للاتفاقيات والمعاهدات ولا يلتزم إلا بما يخدم مصالحه ومخططاته الأمنية والتوسعية منتهجا بذلك سياسة قمعية تعبر عن ذاتها بين الحين والآخر بإجراءات وسياسات عنصرية مستغلا بذلك ضعف الإدارة الأمريكية وتردي الوضع الإقليمي وعدم بروز موقف دولي مؤثر وضاغط وعليه فان من أولى المهمات التي تفرض هذه الحقيقة هو استمرار الثبات على الموقف الوطني الفلسطيني المتمسك بالحقوق الوطنية التاريخية وعدم الالتفاف عليها والتفريط بها بحلول سياسية تلفيقية ناقصة لأن هذا الموقف هو الخيار الوحيد المتاح أمام شعبنا في ظل سياسة التعنت والصلف الإسرائيلي.

*كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons