حسن حسين

طلة سيدنا الولي

كتب : حسن حسين*

تتعامل القيادات السياسية في وطننا العربي مع الشعب على أنه ملك يمينهم، يأتونه أنى شاءوا، ويغيبون عنه حينما يحبون، على اعتبار أن الشعب موجود دائما، وعندما تريده ستجده حاضرا في الانتظار، فهو على الدوام في حاجة إلى القيادة التي تقوده في الطريق، لأنها أدرى منه بسكة السلامة، مع أن في كثير من الأحيان إن لم يكن في أغلبها، دفعته تلك القيادات إلى سكة الندامة،وتركته في منتصف الطريق يخوض أو حالها وحده، بينما ذهبت هي إلى خلوتها ترتل أورادها، في انتظار خروجها المقبل على شعبها الطيب الغفور.

والعلاقة بين الطرفين واضحة بلا لبس ولا يكتنفها أي غموض، هناك عقد تاريخي يتم تجديده كما هو وبدون أي إضافات، على الطرف الأول الشعب الإذعان بكل الأشكال والأساليب والأوضاع للطرف الثاني القيادة الذي عليه واجب النصح والتنبيه والتحذير والحشد والتحريض والقيادة، ولا يحق للطرف الأول التملص بحجة أنه سيدنا الشعب، أو كما يدلله البعض أنه القائد المعلم، ولا يحق للطرف الثاني أن يتخلى عن دوره كراع للحملان.

يعلمنا الماضي أن القيادات التاريخية للأمم تكتسب شرعيتها وشعبيتها عن طريق التواصل المستمر بينها وبين شعوبها، بشكل دائم ومباشر، وتستمد قوتها الحقيقية من قوة شعبها، حيث تؤسس علاقة من الشفافية المطلقة بينها كسلطة وبين الشعب كجماهير منظمة وغير منظمة، وتؤسس علاقة ديمقراطية تسمح بتبادل الآراء حول القرارات والانتفاع بها بجدية، وليس ملئا لفراغ سياسي، أو استكمالا لديكور ديمقراطي زائف، وغالبا ما تتوافق قرارات ومواقف تلك القيادات التاريخية بحق مع طموحات شعوبها، وعندما يحدث أى نوع من التراجع يتحمل الطرفان النتائج، ويعكفان معا على دراسة أسباب ذلك التراجع، ولا يحتكر أحدهما الحقائق ولا القرارات ولا النتائج، يقتسمان معا اللقمة والنصر والهزيمة.

وبرغم كم الخبرات والتجارب المتوفرة للعاملين في الحقل السياسي، وخاصة العربية منها، وعلى رأسها التجربة الناصرية، حيث يعد جمال عبدالناصر وتجربته مثلا احتذته قيادات ثورية وحزبية عبر العالم كله، وله في مسألة القيادات الشعبية مقولات واضحة ومحددة، تتحدث عن الدور الإيجابي للقيادات، وأهمية أن تكون دائما بين الجماهير صاحبة المصلحة في الحرية والتقدم، وألا تنعزل القيادات الشعبية عن جماهيرها وأن تعمل معهم يدا بيد لإرساء قيم المجتمع الديمقراطي التقدمي.

برغم ذلك كله إلا أن معظم القيادات السياسية في وطننا العربي وفي مصر بطبيعة الحال، تخلت عن النموذج الناصري في القيادة، واكتفت منه بما لايمكن الاحتفاظ به وهو كاريزمته التي يصعب توارثها أو استنساخها، ولذلك كل من حاول الاكتفاء بتقليدها تجرع مرارة الفشل.القيادات الناصرية في مصر اكتفت بوجودها في مقار أحزابها وفي الصالونات الثقافية وفي الندوات القومية وفي المؤتمرات الجماهيرية، تمارس فن الكلام والخطابة وفي نهاية اليوم تركب سياراتها الفارهة المكيفة لتعود إلى قصورها.

القيادات الشعبية التي تحدث عنها عبد الناصر هى من وصفها غرامشي بالمثقفين العضويين، ليس هؤلاء الذين يعبرون فقط عن آلام وآمال الشعوب، بل هؤلاء الذين يعيشون ويتعايشون مع فقر وقهر الطبقات المعدمة، تلك القيادات التي طالبها عبد الناصر ألا تنتظر أن تأتي إليها المشاكل، بل أن تذهب إليها وتتبناها بحق وليس مجرد إبراء ذمة أو إثبات موقف، القيادات الشعبية هم أبطال المقاومة في وطن يضيع ويتفسخ وتذهب ملامحه العربية وتصبح روحه الإنسانية مسخا مشوها.

أما اليوم نكتفي في مصر بطلة سيدنا الولي، الذي يخطب فينا بما نعرفه، ويقدم شرحا وافيا لأعراض مرض نحن نعانيه ونعلم عنه أكثر، ويكتفي بإعلان أنه في انتظار قرار سيدنا الشعب، وأنه سيلبي مطالبه فورا، وينسى عمدا أن العقد بينه وبين الناس يخوله المبادرة وليس الانتظار، وفي نهاية اليوم يعود سيدنا الولى مرة أخرى إلى غيبته، وتتصاعد إلى الأسماع تراتيل الأنصار والأتباع أن يرد الله غيبته، بينما تتحسر الجماهير وتعض أصابعها التي وقعت بها العقد ندما.

*مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons