يوم النصر على الفاشية

كتب : د. سلام بوسى*

تحل الذكرى الـ 72 للنصر المجيد الذي حققه الجيش الأحمر على آلة الإجرام النازية، ولتاريخ 9 مايو/أيار رمزية كبيرة لدى معظم شعوب العالم، هو تاريخ توقيع الضابط الألماني الأعلى رتبة في حينه الفيلد-مارشال فيلهلم كايتل وثيقة استسلام ألمانيا النازية بحضور ممثل القيادة العليا للجيش الأحمر السوفياتي المارشال جوكوف وممثلين لجيوش الحلفاء في برلين، ففي فجر 22 يونيو/حزيران سنة 1941 قامت ألمانيا النازية بهجوم غادر ومباغت على الاتحاد السوفييتي، وأحدق بالبلاد خطر رهيب، إذ كانت المسألة بالنسبة للدولة السوفييتية مسألة حياة أو موت، مسألة بقاء أو الوقوع في براثن العبودية، بدأت الحرب في ظروف ملائمة لألمانيا النازية وزعيمها هتلر، إذ أنه استعد بدقة للهجوم وتمتع بجملة من الافضليات الحربية الهامة.

وقد وجه على الاتحاد السوفيتي كل ما للماكينة العسكرية الفاشية من قدرة: 190 فرقة من بينها 35 فرقة دبابات وآليات تدعمها قوات جوية ضخمة، حيث وجه لاحتلال الاتحاد السوفيتي 5.5 مليون جندي وضابط وما يقارب من 5 آلاف طائرة و 2800 دبابة وأكثر من 48 ألف مدفع هاون. وكانت لجيش ألمانيا النازية الضخم خبرة من سنتين في خوض العمليات العسكرية القتالية في أوروبا، ولم يحتاج الجيش الهتلري غير 19 يومًا لاحتلال هولندا وبلجيكا. وأدى ما يزيد قليلا على 40 يومًا من العمليات القتالية إلى استسلام فرنسا والقضاء التام على الحملة العسكرية الإنجليزية وكان الهجوم الغادر النازي على الاتحاد السوفييتي بعد أن أصبحت أوروبا كلها تقريبًا قد وقعت تحت احتلال الغزاة النازيين، إن كل ذلك حوّل ألمانيا النازية إلى أقوى بلد في العالم الرأسمالي من الناحية الاقتصادية والعسكرية وأوحى للهتلريين النازيين بالثقة في أنهم يستطيعون القضاء على الاتحاد السوفييتي بضربة خاطفة، وقد أعلن هتلر في الاجتماع الذي انعقد في بيرغوف في 30 يونيو/حزيران سنة 1940: “كلما قضينا بصورة أسرع على روسيا، كان ذلك أفضل. إن العملية ستكون ذات مغزى فقط إذا حطمنا الدولة بضربة واحدة”.

إن فكرة “‪Blitzkrieg بيلتز كريغ‬” أي “الحرب الخاطفة” وضعت في أساس خطة الهجوم على الاتحاد السوفييتي، إن هذه الخطة التي أعدتها هيئة الأركان العامة وأطلق عليها اسم “بربروسا” وقعت من قبل هتلر في 18 ديسمبر/كانون الأول سنة 1940. والطغمة العسكرية الفاشية النازية التي لم يخامرها الشك في إحراز النجاحات الحربية بسرعة في روسيا، رسمت السبل اللاحقة للاستحواذ على السيطرة العالمية، وهنا لا بد أن نذكر بوجود تسجيل في يوميات القيادة العليا للقوات المسلحة الألمانية مؤرخ في 17 فبراير/شباط سنة 1941 هذا نصه: “بعد الانتهاء من الحملة الشرقية ينبغي إعداد خطة للاستيلاء على أفغانستان ثم تنظيم هجوم على الهند”، وفي وثائق أخرى وردت بالتفصيل خطط محددة للاستيلاء في خريف سنة 1941 على كل من إيران والعراق ومصر وقناة السويس، الهجوم النازي الغادر على الاتحاد السوفييتي لم يُخف أو يحط من معنويات الشعوب السوفييتية والصراع غير المتكافئ في بداية العدوان النازي على الاتحاد السوفييتي لم يثنِ الروح المعنوية للشعوب والقوات السوفيتية، وبالنظر لانعدام وجود الجبهة الثانية في أوروبا على مدى ما يقارب الثلاث سنوات أصبح بإمكان القيادة الألمانية النازية أن تنقل حتى صيف 1942 قوات كبيرة من أوروبا الغربية إلى الجبهة السوفيتية، وعمليات الحلفاء في إفريقيا كانت ذات أهمية محلية ولم تدخل أية تغييرات جدية في ميزان القوى للأطراف المتحاربة.

وهكذا استطاعت القوات النازية الوصول إلى منطقة ستالينغراد التي كان في نية الهتلريين احتلالها بشكل خاطف بعد أن فشلوا في احتلال موسكو أو احتلال لينينغراد بعد أكثر من 900 يوم من الحصار. وبالرغم من التفوق الكبير للجيش النازي استطاع الجيش السوفييتي البطل الانتصار في معركة ستالينغراد.

تحل ذكرى النصر العظيم الذي أنقذ الإنسانية من براثن الفاشية، ذلك الانتصار الذي دفع ثمنه الشعب الروسي، لكونه أكثر شعوب العالم التي دفعت ثمن العدوان النازي الفاشي، فتاريخ الإنسانية لم يعرف حربًا دامية كتلك التي تكبدها الاتحاد السوفييتي، حيث ذهب ضحيتها أكثر من 27 مليون إنسان، لقد أباد الغزاة النازيين وعذبوا على الأرض الروسية التي احتلوها أكثر من 6 ملايين من السكان الآمنين من الرجال والنساء والأطفال، ولاقى مئات الآلاف من الناس حتفهم في معسكرات الاعتقال، زد على ذلك أن المحتلين نقلوا قسرًا إلى ألمانيا ما يزيد عن 4 ملايين مواطن سوفيتي، هلك أكثرهم فيما يدعى معسكرات العمل، فالتاريخ لم يعرف خرابًا ووحشية ولا إنسانية كالتي تميز بها النازيون على الأرض الروسية، إذ قدم الجنرال الفاشي شتولبناغل تقريرًا لهتلر عن تدمير الاقتصاد الوطني السوفييتي، أكد بأنه لا بد من 25 سنة على الأقل لإعادة بنائه، أن حجم القتل والدمار والعذاب الذي تطلبته المعركة يفوق كل خيال، ورغم أن حسم هذه الحرب حقق السلام والاستقرار لشعوب العالم المتقدم إلا أن طبيعة النظام الرأسمالي القائم على التوسع والهيمنة حول الحرب إلى أشكال أخرى ضد الدول الاشتراكية في حينه وضد شعوب العالم وخاصة في منطقتنا.

وفيما نحتفل اليوم بهذا النصر المجيد ونحتفي بدلالاته وبرمزيته كما برموزه، يشهد العالم بروز تيارات نيو-فاشية آخذة في التوسع ما يشكل خطراً مستجدا على مستقبل الشعوب، إن معركة المواجهة مع الفاشية اليوم هي معركة المواجهة مع الرأسمالية نفسها ومع الاحتلال بكافة أشكاله ومع الصهيونية والتيارات التكفيرية والأنظمة القمعية المستبدة، إن غد السلام والاستقرار والأمان لن يتحقق إلا بالعدالة والمساواة والتحرر من كل أشكال القهر والاستغلال، نستذكر اليوم تاريخ النصر العظيم ونتعلم منه معنى التضحية الغالية من أجل الأرض ومن أجل الإنسان، نستلهم التجربة ونشحذ المعنويات، نأخذ العبرة ونمضي في نضالنا من أجل الإنسان.

*أستاذة في الجامعة اللبنانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons