في الذكرى 43 لانتصار شيوعى فيتنام .. لا يزال شبح الهزيمة يطارد الإمبريالية الأمريكية

كتب : إيهاب القسطاوي*

على الرغم مرور السنين لايزال يوم 30 أبريل/نيسان عام “1975” يوما تاريخيا، محفورا في ذاكرة ووجدان كل أحرار العالم، حيث ذكرى ذلك النصر العسكري والسياسي العظيم الذي حققه الشعب الفيتنامي بقيادة حزبه الشيوعي وزعيمه “هو شي منه”، كونه يؤرخ لملحمة وطنية سطرها ابناء الشعب الفيتنامي العظيم، فى الانتصار على الإمبريالية الأمريكية، التي اقترفت المزيد من جرائم الإبادة الجماعية والمجازر بشرية الجماعية على أرض الصمود فيتنام، فقد اقترفت القوات الأمريكية جميع أنواع جرائم الحرب ضد الشعب الفيتنامي، فقصفته بأكثر من ستة ملايين طن من القنابل، ونحو نصف مليون طن من القنابل الحارقة “النابالم” وأكثر من 11 مليون جالون من المادة الكيميائية السامة والمسرطنة المعروفة بـِ Agent Orange “العنصر البرتقالي” التي استخدمها الأميركيون بشكل واسع لإبادة القرى والمزارع والغابات التي كان يختفي بها الثوار الفيتناميون؛ علما أن مبيد الأعشاب المعروف بـ ,D2,4 “البر سوبر” يشكل مكونا أساسيا في مادة العنصر البرتقالي “نحو 50% منها”، ويعتبر هذا المبيد مسرطنا ويتسبب في أورام خبيثة بالدماغ، إضافة إلى تسببه في سرطان الغدة الدرقية وتشوهات خلقية، وما يزال أكثر من خمسة ملايين فيتنامي “من أصل 89 مليون هم سكان فيتنام” يعانون حتى يومنا هذا من السرطانات والولادات المشوهة “مواليد دون أيدي أو أصابع، أو تشوهات خلقية” بسبب الأسلحة الكيميائية التي استخدمها الاجرام الأميركي ضد الشعب الفيتنامي، وبخاصة مادتي Agent Orange، والديوكسين، علما أن المادة الأولى تحتاج إلى مئات السنين كي تتحلل. والغريب حقا، أن وزارة الزراعة الفلسطينية لا تزال تسمح باستخدام هذا المبيد القاتل في الزراعة، رغم حظر استعماله في معظم دول العالم.

ودفع الشعب الفيتنامي ثمنا فادحا من أجل تحرير وطنه من براثن الاستعمار الأميركي وذيوله؛ إذ يقدر عدد الشهداء الفيتناميين الذين قتلتهم الأسلحة الكيميائية وآلة الحرب الأميركية بأكثر من ثلاثة ملايين، وما يعادل هذا الرقم أيضا من الجرحى، إضافة إلى العديد من القرى التي أبيدت عن بكرة أبيها، وأكثر من عشرة ملايين لاجئ. علاوة على ذلك، قتل القصف الأميركي نحو 40 ألف كمبودي وآلاف آخرين في لاوس، بذريعة أن هذين البلدين مؤيدين للثورة ويشكلان خطوط إمداد لها.

وفي المقابل، خسرت الولايات المتحدة نحو ستين ألف جندي. وفي المحصلة، وبالرغم من جرائم الحرب المرعبة التي اقترفتها أميركا، فقد هزمت الأخيرة هزيمة مذلة تركت في نفوس الأمريكيين عقدة نفسية لا تزال إلى يومنا هذا تعرف بعقدة فيتنام، ورغم هزيمتها المدوية، لم تتقن الدرس، فأصرت على مواصلة حروبها العدوانية في مناطق أخرى من العالم، مثل العراق وسوريا وغيرهما، ولسخرية القدر، أن الولايات المتحدة لا تزال تعظ العالم بالديمقراطية وحقوق الإنسان وتخول لنفسها حق إسقاط أنظمة وتقديم زعمائها “للعدالة”، ومحاكمتهم على ما اقترفوه من “جرائم ضد الإنسانية”.

ولا يزال العالم “في الذكرى 43 لانتصار شيوعى فيتنام”، يذكر مشاهد الهروب الكبير للأمريكيين ولعملائهم من فيتنام الجنوبية، حيث قامت طائرات الهليكوبتر الأمريكية بنقل آلاف الأمريكيين بمن فيهم السفير وأعضاء السفارة وعملاؤهم من فوق سطح السفارة، ومن سطح مبنى آخر على مسافة قصيرة من السفارة ما زال موجودا المروحية الأمريكية فوق مبنى السفارة الأمريكية في سايجون، ليفتح الفيتناميون صفحة جديدة في تاريخهم وتاريخ العالم كله. صفحة تحرير وطنهم وإلحاق الهزيمة والعار بالهمج الامريكان.

لازلت أردد كلمات اغنية جميلة احفظها عن ظهر قلب، إذ سجلت لحظة الانتصار التاريخية هذه، وكنا لا نكف عن ترديدها ونحن طلبة، فلقد كانت هذه لحظة انتصار ليس لفيتنام وحدها، لكن لكل الشعوب المكافحة في العالم كله.

أعني قصيدة «سايجون» التي كتبها الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم، وغناها الفنان الكبير الراحل الشيخ إمام، والتي يقول مطلعها:

أبجد هوز.. حطي كلمن
افتح صفحه.. امسك قلمن
اكتب زي الناس ما بتنطق
سقطت سايجون رفعوا العلمن
طلعت شمس اليوم دا أغاني
كل ما نسمع نعشق تاني
طلعت شمس اليوم دا حريقه
تشفي الجرح وتبري الألمن
سايجون عادت للثوار
فوق الدم وتحت النار
جدوا فوجدوا
زرعوا فحصدوا
وإحنا إدينا للسمسار

ثلاث وأربعون على انتصار حركة تحرر وطنية لشعب قرر النضال من اجل تحرير ارضه وإعادة توحيد وطنه بعد تمزيقه، لقد خاض “الفيتكونغ” الكفاح المسلح بكل وسائله، وابتكروا أساليب جديدة من المقاومة انسجاما مع طبيعة أرضهم المليئة بالمستنقعات وبالغابات، فلم تساوم “الجبهة الوطنية التي ائتلف وانضوى تحت لوائها 22 تنظيم وحزبا”، لم تساوم على حق ولو صغير في التحرر الكامل والانسحاب التام ونيل كافة الحقوق الوطنية الكاملة للشعب الفيتنامي، كانت هذه الحقوق ونهج الكفاح المسلح هما الأساس كشرطين ضروريين لانخراط أي حركة/حزب/تنظيم في الجبهة الوطنية “التي قادها فرع الحزب الشيوعي الفيتنامي في الجنوب”.

فاوضت الجبهة أعداءها الأمريكيين في باريس بعد أن أيقن المعتدون استحالة بقائهم في فيتنام، وبخاصة بعد مئات آلاف الجثث لجنودها الذين أعيدوا في توابيت لأهاليهم، وما أثاره هذا الموت من مظاهرات شعبية واحتجاجات في كل المدن الأمريكية ، طالبت بالانسحاب من فيتنام.

فاوضت الجبهة أعداءها سنوات طويلة. قاد وفد الجبهة المفاوض الشهير”لي دوك تو”، وقاد الوفد الأمريكي هنري كسينجر وكانت الجلسات أحيانا لا تستغرق بضعة دقائق: يطرح رئيس الوفد الفيتنامي مطالبه دون لف أو دوران، فيسأل كيسنجر: “إن كان هناك استعداد لدى أمريكا للانسحاب من فيتنام دون قيد أو شرط”، عندما يجيبه رئيس الوفد الأمريكي بـ “لا”، على الفور ينسحب الوفد الفيتنامي، وتدور الوساطات لعقد جلسة أخرى، وهكذا، لقد كانت الحرب الكفاحية الفيتنامية تجري على الأرض في ظل المفاوضات مع الأمريكان، ولم تتوقف ثانية واحدة… وجرت بعد ذلك في جلسات طويلة بعد أن أقر الرئيس نيكسون حينها “وقد أثيرت حوله آنذاك فضيحة ووترجيت” بضرورة الانسحاب من فيتنام.

لقد أزاحت تجربة فيتنام الستار عن الإفلاس الأخلاقي والسياسي للإمبريالية، كما أكدت أيضًا على أن الإمبريالية يمكن هزيمتها، لكنها بينت كذلك أن حلم التحرر بالنسبة لملايين الكادحين لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار الرأسمالية، وفيتنام دليل ساطع على صحة الفكرة الماركسية القائلة بأن البديلين المطروحين أمام البشرية هما: الاشتراكية أو البربرية.

*كاتب وباحث سياسي من مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons