الأربعاء , أكتوبر 18 2017

غرامشي .. الماركسي الأول في إيطاليا

كتب : إيهاب القسطاوي*

أعود من جديد لأكتب عن العظيم أنطونيو غرامشي في ذكرى وفاته 27 أبريل/نيسان 1937 في سجون الفاشية، ذلك الماركسي الأول في تاريخ الحركة العمالية الإيطالية، وفي تاريخ الثقافة والفكر في إيطاليا، حيث إنه أول من تلقى وبشكل عميق التعاليم الثورية لمؤسسي الاشتراكية العلمية، واتبع المواقف الجديدة التي اتخذتها الماركسية في مجرى التطور اللاحق والتي عبر عنها لينين، وعلى أساس هذه التعاليم كان أول من حدد الوظيفة التاريخية للبروليتاريا الإيطالية، وقد قاتل طوال حياته من أجل تعزيز وعي البروليتاريا بهذه الوظيفة وكذلك إمكانية إنجازها.

كذلك يعد “غرامشي” بمثابة الماركسي الأول في إيطاليا لأنه جمع في بوتقة واحدة وبشكل لا ينفصم النظرية مع الممارسة الثورية، كما يرجع إليه الفضل في جمع ودراسة وتفسير الوقائع الإجتماعية الملتصقة بالجماهير والنشاط السياسي والتنظيمي اليومي، وكما جاء في مقدمة “فرانك روسنغارتن”، ولد أنطونيو غرامشي في Ales في مقاطعة Cagliari في Sardinia في 22 يناير/كانون الثاني من العام 1891، وكان ترتيبه الرابع من ضمن سبعة أولاد لـ Francesco Gramsci و Giuseppina Marcias.

كانت علاقته بوالده سيئة للغاية وفي نفس الوقت أحب أمه وتأثر بها جداً حيث تركت مرونتها وموهبتها في قص الحكايات وروحها المرحة انطباعاً متأصلاً في شخصيته، ومن بين أخوته الستة، جمعه مع أخته الأصغر منه Teresina الاهتمام بالأدب، في الوقت التي تشكل فيه رابط روحي يجمعه مع أخويه Gennaro الأكبر في العائلة و Carlo الأصغر. ولقد كان لتعلق Gennaro المبكر بالاشتراكية الأثر الأكبر في تطور أنطونيو السياسي، وفي العام 1897 تم فصل والد أنطونيو من العمل واعتقل وحكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات بتهم حكومية مزعومة، بعد ذلك بوقت قصير هاجرت Giuseppina Marcias مع أطفالها إلى Ghilarza حيث تلقى أنطونيو هنالك تعليمه الابتدائي.

ذات مرة وفي سنون الفقر والكفاح سقط أنطونيو من بين ذراعي خادمة، وتعزي عائلته تحدب ظهره وتوقف نموه الطبيعي الى ذلك الحادث، حيث تم تقاصره بنسبة إنش أو إنشين إلى خمسة أقدام، وفي عمر الحادية عشر، وبعد الانتهاء من المرحلة الابتدائية، عمل أنطونيو لمدة عامين في مكتب البريد في Ghilarza، لمساعدة عائلته التي كانت تعيش على المعونات. وبسبب غياب الأب خمس سنوات فقد كانت أقسى سنوات الكفاح. وبالرغم من ذلك فقد أكمل تعليمه على حسابه وعاد للمدرسة وهناك ذاع صيته بالذكاء الخارق وتشير الى ذلك درجاته الممتازة في جميع المواد، ثم تابع أنطونيو تعليمه، في Santu Lussurgiu أولاً والتي تبعد حوالي عشرة أميال عن Ghilarza وبعد التخرج من الثانوية تابع دراسته في كلية Dettori في Cagliari حيث سكن مع أخيه Gennaro في غرفة واحدة حيث انتسب هناك ولأول مرة إلى إحدى التنظيمات العمالية التي كانت تحوي نخبة الاشتراكيين الراديكاليين. وكانت هذه سنوات أخرى من الفاقة حيث استقل أنطونيو مادياً عن والده تقريباً حيث كان يأتيه الدعم في بعض الأحيان. وتظهر رسائله إلى عائلته اتهامه لوالده بالتقصير والإهمال المتكرر والغير مغتفر. بعد ذلك تدهورت صحته وظهرت أولى أعراض مرض عصبي سيعاني منه مستقبلاً.

لقد كان العام 1911 حاسماً في حياة غرامشي الشاب. حيث حصل على قبول في جامعة Turin بعد تخرجه من كلية Cagliari وكان له نصيب في المعونات المادية للطلاب المحتاجين والتي تم جمعها من مقاطعات مملكة Sardinia السابقة. ومن ضمن المتنافسين الآخرين على القبول كان Palmiro Togliatti الذي سيصبح مستقبلاً الأمين العام للحزب الشيوعي الإيطالي (PCI) وهو- بالإضافة لغرامشي وغيره- واحد من أهم قادة ذلك الحزب المحارَب. ودخل أنطونيو كلية الآداب. وفي الجامعه تعرف على Angelo Tasca والعديد من الشباب الذين شاركهم النضال في الحزب الاشتراكي الإيطالي (PSI) أولاً وبعد ذلك – أي بعد الانفصال بتاريخ يناير/كانون الثاني 1921- في الـ PCI ،  وفي الجامعة وفي السنوات الحقيرة حيث المعاناة من الجوع والشقق الغير مكيفة والنوبات العصبية المستمرة تلقى أنطونيو مجموعة من المناهج تركزت بشكل رئيسي على العلوم الإنسانية وعلى العلوم الاجتماعية أيضاً واللسانيات والتي انجذب إليها حيث كانت موضوع اختصاصه الأكاديمي. وفيما بعد أصبح العديد من أساتذته – Matteo Bartoli وهو لغوي و Umberto Cosmo و Dante وهو عالم – أصدقاء شخصيين له .

في العام 1915- بالرغم من عهده على نفسه كطالب جامعي- أصبح غرامشي عضو فعال في PSI، كما استلم مهنة صحافية جعلت منه من أكثر الأصوات رعباً في إيطاليا بتلك الفترة. لقد كان عموده في صحيفة Turin بعنوان Avanti بالإضافة لعدد من المقاطع المسرحية مقروءة و مؤثرة بمجال واسع. حيث تحدث مراراً عن مسألة دراسة العمال- على شكل حلقات متنوعة كرواية Romain Rolland- حيث أحس بانجذاب روحي تجاههم، كما تحدث عن كومونة باريس، الثورتين الفرنسية والإيطالية و كتابات كارل ماركس.

وفي الوقت الذي انفجرت فيه إيطاليا نحو الحرب الدموية، وقف غرامشي موقف معارض، على الرغم من موقعه بين الإيطاليين الاشتراكيين الذين كانوا يروا بالتدخل الإيطالي فرصة لتوجيه الرأي العام الإيطالي باتجاه الثورة أكثر منه باتجاه الشوفينية. وفي هذا الوقت أيضاً وبين عامي 1917 و 1918 بدأ يفهم الحاجة إلى التكامل ما بين العملين الاقتصادي والسياسي والإنجاز الثقافي في Turin والذي أخذ صيغة الرابطة الثقافية البروليتارية في هذه البلدة.

لقد حركت الثورة البلشفية في أكتوبر من العام 1917 من عزيمته الثورية، وفي السنوات التي تلت الحرب عمل غرامشي بسرية- على الرغم من عدم الخطورة الكاملة- بأهداف و طرائق القيادة الثورية الروسية وذلك لنقل الاشتراكية إلى العالم المتقدم الأكثر رأسمالية، وفي ربيع عام 1919 قام غرامشي بالتعاون مع كل من Angelo Tasca، Umberto Terracini و Togliatti بـتأسيس (النظام الجديد) وهي صحيفة أسبوعية تعنى بالثقافة الاشتراكية (L’Ordine Nuovo: Rassegna Settimanale di Cultura Socialista)، وقد أصبحت هذه الجريدة في السنوات الخمسة القادمة (بادئ الأمر كانت أسبوعية ثم أصبحت شهرية) ذات نفوذ عالي في وسط اليسار الراديكالي الثوري الإيطالي. وركزت الجريدة على الأحداث الثقافية والسياسية في كل من أوروبا، الاتحاد السوفياتي وأمريكا.

في السنوات القلائل التالية كرس غرامشي أغلب وقته لتطوير الحركة العمالية، والصحافة المناضلة والتي وقفت بجانبه في انفصال يناير/كانون الثاني 1921 مع الأقلية الشيوعية في الـ PSI بالإضافة إلى مجلس شيوخ الحزب (Livorno). حيث أصبح عضواً في اللجنة المركزية لـ PCI ولكنه لم يلعب دوراً قيادياً فيه إلا بعد سنوات طويلة.

لقد كان غرامشي من بين المتنبئين اليساريين بالحركة الفاشستية، ولقد حذر بعدة مناسبات أنه إذا لم يتم اتخاذ إجراء جماعي موحد ضد صعود موسوليني فسوف تصاب الديمقراطية والاشتراكية الإيطالية بهزيمة أليمة، لقد كانت السنوات بين 1921 و1926 –سنوات النار والحديد كما سماها- مثمرة وحافلة بالأحداث. وأهم ما يميز تلك الفترة هو إقامته في موسكو لسنة ونصف (من مايو/أيار 1922 إلى نوفمبر/تشرين الثاني 1923) كممثل عن إيطاليا في الأممية الشيوعية، وانتخابه في مجلس النواب في أبريل/نيسان 1924، وتوليه منصب الأمين العام لـ PCI. كما أن حياته الشخصية كانت حافلة بالأحداث الهامة وأهم حدث كان التقائه وزواجه لاحقاً من Julka Schucht وهي عازفة كمان وعضوة في الحزب الشيوعي الروسي حيث تعرف عليها خلال إقامته في روسيا. ورزق منها بولدين.

في مساء 8 نوفمبر/تشرين الثاني من العام 1926، اعتقل غرامشي في روما وتطبيقاً لسلسلة قوانين استثنائية كان معمول بها في ظل السلطة التشريعية الإيطالية المهيمن عليها من قبل الفاشست، سيق إلى معتقل انفرادي في سجن Regina Coeli. وبهذا كانت بداية ملحمة استمرت عشر سنوات من الألم النفسي والجسدي من جراء ما خاضه في السجن وصلت لذروتها في أبريل/نيسان 1937 حيث توفي متأثراً بنزيف دماغي. ومن دون شك أن ما قضى عليه هو مرور سنوات وسنوات من المرض في المعتقل وإهمال معالجته، لكن بالرغم من ذلك فإن كل من كان على إطلاع على مسيرة حياة غرامشي كان يعلم أن سنوات السجن كانت أيضاً غنية بالإنجاز الفكري المدون في كراساته التي كان يحتفظ بها عند تنقله من زنزانة إلى أخرى وطبعاً لم تظهر هذه الكراسات إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، كما يثبت ذلك أيضاً الرسائل التي كان يبعثها من المعتقل لأصدقاءه ولأفراد عائلته وخاصة أخت زوجته Tania Schucht وزوجته Julka في المرتبة الثانية. كانت المرأة الأكثر تلميحاً ولم تقطعه في فترة سجنه وذلك منذ أن انتقلت إلى روما وكانت في موقع يسمح لها ليس بتبادل الأفكار والأحاسيس عبر الرسائل فحسب بل بمده أيضاً بالملابس والأطعمة والأدوية التي كان يحتاجها ليخفف عنه آلام السجن اليومية القاتلة، بعد أن تمت محاكمته في الرابع من يونيو/حزيران من العام 1928 هو وخمسة من القادة الشيوعيين الطليان بالسجن لمدة عشرون عاماً وبعد مضي أربعة أشهر وخمسة أيام من السجن نقل غرامشي إلى سجن في Turi في مقاطعة Bari حيث قضى هناك أطول جزء من مدة سجنه (من يونيو/حزيران 1928 إلى نوفمبر/تشرين الثاني 1933). بعد ذلك نقل لمستوصف في Formia وتحت حراسة بوليسية ومنها نقل في أغسطس/آب من العام 1935 –وطبعاًَ تحت الحراسة- إلى مستشفى Quisisana في روما. وهناك أمضى آخر سنتين في حياته. ومن ضمن الناس الذين تواصلوا معه سواء بالرسائل أو بالزيارات عند الإمكان – بالإضافة لـ Tania – كانت أمه Giuseppina، أخوه Carlo، أختيه Teresina و Grazietta وصديقه الصدوق الاقتصادي Piero Sraffa والذي أمده خلال محنته السجنية بالكثير من الخدمات الضرورية والغير مستغنى عنها. ولقد استخدم Sraffa الكثير من معارفه الخاصة ليتمكن من مد غرامشي بالكتب والمجلات الدورية التي كانت تلزمه في سجنه.

لقد كان لغرامشي ذاكرة خارقة لكن و بالرغم من ذلك يمكننا القول أنه لولا مساعدات Sraffa ولولا وساطة Tania لما تمكن من كتابة كراسات السجن، ولم ير محصول غرامشي الفكري الذي كتبه بالسجن النور إلا بعد عدة سنوات من الحرب العالمية الثانية حيث قام الحزب الشيوعي بنشر فصول مبعثرة من كراساته إضافة إلى حوالي 500 رسالة كتبها في السجن.

بحلول عقد الخمسينات وبتزايد وتيرة النشر حظيت كتابات غرامشي في السجن باهتمام من قبل المنظمات الشيوعية في جمهرة من الدول تجاوز الغرب لينتقل إلى الدول المسماة العالم الثالث. ولقد انتشرت بعض من مصطلحاته في أوساط اليسار وكان أهمها وأعقدها هو مصطلح hegemony والذي استخدمه في كتاباته و طبقه لفهم مسألتي انتصار وفشل الاشتراكية العالمية و في تطوير برنامج يسهل فهم النظرة الاشتراكية في خضم الظروف المسيطرة على العالم آنذاك. ومن بين تلك الظروف كان انتصار و صعود الفاشستية وتخبط اليسار الذي نشأ كرد فعل لهذا الصعود. ومن المصطلحات والجمل الوثيقة الصلة بالموضوع من الناحية النظرية والعملية كان (الفكر المنظم) (الرائج محياً) و (الجبهة التاريخية). والتي وبالرغم أنها لم تكن من ابتكاره إلا أنها خلقت العديد من التضمينات في كتاباته كان لها الدور في خلق العديد من النظريات السياسية.

*باحث وكاتب سياسي من مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons