الأربعاء , أكتوبر 18 2017
الكاتب المغربي عبد الكريم ساورة

«مقهى لينين» نص للكاتب المغربي «عبد الكريم ساورة»

كتب : عبد الكريم ساورة*

الحياة مجموعة من الفترات واللقاءات الصغيرة، أولها مع الذات عندما نريد أن نلعب دور المثقف الذي يحاور ذاته ومساءلتها من حين لآخر، وهو نوع من التنشيط العاطفي يحتاجه المرء في لحظة من اللحظات التي تجتاحه الظلمة في غرفته المنعزلة، واللقاء الثاني يكون مع الآخرين، الأكسجين الحقيقي الذي يجعلنا نعيش أكثر، ونتعلم أكثر، ونستسلم في الأخير لحماقاتهم وحكمهم.

مشكلتي الوحيدة داخل المدن الصغيرة رغم أنني قضيت فيها ردحا من السنين وهي كثرة الترحال بين المقاهي ليس لأنني أنزعج من الضوضاء ولكن من أجل البحث عن حيوات جديدة، أصدقاء قدامى ووجوه جديدة ونقاشات متنوعة ومختلفة، الهروب والتنقل من أجل مواجهة شبح الرتابة الذي يقتات من حياتنا كل يوم، وهي فرصة للتعلم من الأصوات القبيحة التي تعج بها المقاهي.

كان جون بول سارتر صديقا حميما لأغلب نوادل المقاهي بمدينة باريس، وقد عرف بخصلة حميدة جعلته، كما يحكي إرنست همنغواي في روايته “الوليمة المتنقلة” أنه كان من الأشخاص الأكثر محبة وإعجابا بين هؤلاء النوادل بسبب سخائه الكبير في “البقشيش” حيث كان في كل مره يهم بالانصراف من مقهى ما، يضع يده في جيبه للأداء فكان يخرج كل مابه فيضعه في يد النادل فينصرف دون أن ينتظر المبلغ المتبقي، وهذا الكرم كان يهيج كل النوادل ليتسابقوا في طلبه للرجوع مرة ثانية وثالثة إلى نفس المقهى.

اعترف انني اتشابه مع سارتر في معرفة العديد من النوادل، لكنني لا ألتقي معه في عطائه وسخائه، لإنني معروف كرجل شحيح، والنقود عندي لها مكانة مقدسة لا يجب المغامرة بها والاستهتار بها، وصرفها يجب أن يكون في كل مايدخل الفرحة على النفس، وفي كل مرة أتلقى تقريعا من طرف العائلة أو الأصدقاء خصوصا العنصر النسوي، لأن المرأة بطبعها تحب الرجل السخي تجدني دائما مستعدا للرد بسرعة قائلا: “لا تُكْثِروا علي من اللوم والعتاب فنحن الفقراء لا نعرف ورقة المائة درهم إلا عندما نبلغ من العمر عتيا، ولنا وحشة كبيرة لهذا المخلوق العجيب (المال) الذي لا يلج بيوتنا إلا إذا كان في حالة سكر طافح أو في حالة جنون.

بإحدى المقاهي التي أصبحت أرتادها مؤخرا، ولكثرة روادها من اليساريين، والمعطلين لقبت ” بمقهى لينين ” لم يبق من هذا الاسم سوى الأغاني الثورية التي تداع صباح مساء في غفلة من الجميع، سعيد هو المايسترو الحقيقي لهذه المقهى فهو يشتغل بها كنادل محترف، وهو صديق قديم لي كنا ندرس سويا في الثانوية وتفرقت بنا السبل، كل واحد منا اختار شعبته المفضلة أو غير المفضلة في الجامعة، أنا اخترت كلية الحقوق عن جهل مطبق، وكان أحد الأصدقاء يدرس بشعبة الفلسفة يقول لي مازحا كلما دخلنا في شجار معرفي “هذه الكلية لا يلتحق بها سوى الأغبياء، وكنت أرد عليه وأنا ارتجف ولماذا أيها الصعلوك، فيرد علي بسخريته المعهودة: لأن أغلب المواد القانونية دورها أن تصنع منكم رجالا لا يفكرون … وجل هَمِ طلبتها وأساتذتها هو البحث عن الصفة والوجاهة الاجتماعية….قد يكون هذا صحيحا لكن يحتاج إلى إثبات قوي.

أما صديقي سعيد، فاختار شعبة التاريخ والجغرافيا، وبعد أربعة سنوات حصل على الإجازة وغادر الكلية وتركني غارقا بين القوانين وجفائها سنوات أخرى لأنني كنت طالبا “عادي جدا” وغير ملتزم، وأجد صعوبة كبيرة في الحفظ، ودون مستوى قريب من المتوسط في المجموع العام وهذا ما كانت تؤكده لي أستاذة لي” في مادة “التنظيم الجماعي” حيث كانت تقول لي باستمرار: “أنت لا علاقة لك بالتعليم العالي غير الخير والإحسان، وعليك البحث عن مجال آخر بعيد عن البحث العلمي”.

كانت الصدفة وحدها من رمت بي لألتقي بسعيد في هذه المقهى بعد سبعة عشر عاما، عرفته من النظرة الأولى، يلبس بذلة سوداء، في مقدمة رأسه بقعة من الشيب أعطته وقارا وجاذبية، لمحني باندهاش وقال وهو يبتسم: “شرفتي الدنجوان” وزاد مؤكدا: فين يامك العفريت…..لم أنطق ببنت شفة، سرحت قليلا، كأنني أبحث عن إجابة لأرد على هجومه المفاجئ، لكني لم أجد سوى الابتسامة كسلاح ذوحدين…

صافحني بحرارة، وقال لي سأعود إليك بعد أن تختار مكانك المفضل، وبالفعل عثرت على طاولة في الصفوف الأمامية، المحاذية للشارع الرئيسي، لأتمكن في كل فرصة تتاح لي بعد تعبي من القراءة لأرفع وجهي صوب شجر الخروب الذي بدأ ينقرض من المدينة تدريجيا في غفلة من الجميع.

كانت ثلاثة دقائق كافية، ليعود وهو يبتسم، ليجلس بجانبي وهو يضع براد من الشاي الأخضر أمامي، كأنه يعرف مسبقا ما أريد، وهذا يبين ذكاء الرجل وحنكته التي راكمها في احتكاكه بالناس ومخالطتهم، والمقهى هي بورصة حقيقية في معرفة أخلاق الناس ومعادنهم وطموحاتهم، وهو بفعل الممارسة اليومية أصبح خبيرا بالناس وبما يكنون من فرح ومعاناة ومطالب، لقد تحول إلى أكثر من طبيب وعالم نفس وموجه ومرشد ومشجع ورافع للمعنويات للمرتدين الذين يقصدونه ساعات الكرب، فاصحا لي عن ذلك في حوار قصير معه.

نهض مسرعا، ليبحث عن جريدة لأحد المرتادين الذي كان يصرخ ويحتج عن فقدان الجرائد، وكان يلاطف الزبون كأنه طفل بكلمات رقيقة ومسلية ويشرح له بحنكة ورزانة أن هناك من المرتادين من يسرق الجرائد من أجل “الشبكة” أو الكلمات المتقاطعة، وهي عادة سيئة متفشية في كل المقاهي، وبطريقته الممزوجة بالسخرية يقول بصوت خافت: “اللصوص يوجدون في كل مكان” وهذا سر من أسرار الكون. وقبل أن ينهي كلامه تدخل أحد المرتدين وهو يضع أمامه لعبة شطرنج وكان رجلا سمينا أشعث الشعر، لباسه يوحي لأيام زمن القياصرة وبصوت قوي قال: أنا في رأيي المتواضع يجب أن تمنع الجرائد من المقاهي، وكل من يريد أن يتصفح جريدة أو يقرأها عليه أن يشتريها بماله الخاص، الناس تريد كل شيء بالمجان، هذا وباء خطير ألم بالناس مؤخرا، وزاد قائلا وكأنه يشعر بالألم، أخطر شيء هو أن ينتظر الناس أن تزحف المعرفة وحدها إلى حيث يتواجدون دون تحرك أو جهد يبذل من جانبهم.

رفع العديد من المرتادين رؤوسهم، كأنهم شعروا أن هذا الكلام موجه إليهم، لكن سرعان ما انهمكوا في أحاديثهم وكأن الأمر لا يعنيهم لا من قريب أو بعيد، ففهم صديقي عندما لوح لي بإشارة من رأسه، أن هذا التجاهل واللامبالاة هو شيء طبيعي ما دام الناس اعتادت أن تتقبل الأمور وتتعايش معها بكل جوارحها.

وماهي إلا لحظات قليلة حتى عاد سعيد يجلس بقربي، ويسألني عن أحوالي وماذا فعلت بي الأيام فحدثه عن الدراسة والثقافة والسياسة والعمل بالجماعات المحلية وما تعنيه هذه الأخيرة من فقر وبؤس في الإبداع بسبب من هب ودب أصبح يعتقد أنه يقود التنمية في جماعة من الجماعات الفقيرة ويعتبر نفسه خبيرا في التدبير الترابي والحقيقة أن الدولة لم تعمل سوى على خلق ضرع كبيرا يعيش فيه العديد من الفاشلين في الحياة والسياسة.

وأنا أحاول أنْ اطْمَأِنَ عليه وعن أحوالهِ حتى نادى عليه أحد الزبناء يطلب الماء، اعتذر مني وذهب مسرعا كأنه يشتغل بقسم المستعجلات يريد أن ينقذ حياة شخص في حالة خطر، وما أن أوْصَلَ إليه ما يطلبْ حتى نهض مغادرا المقهى وهو يهمهم بكلام غير واضح ويبدو من وجهه المكفهر أنه غير راض على الخدمة، ربما اعتبر أن الأمر فيه تأخير مقصود، أفصح لي سعيد عندما سألته عن الأمر، وزاد موضحا: هذه المهنة ياصديقي مثل الراقصة يجب أن ترقص لكل واحد الرقصة التي يشتهيها، فالزبناء نعيش من خيرهم ولهذا فجل النوادل يجب أن يتعلموا درسا واحدا هو كيف يحافظون على الزبناء بأي ثمن.

وبصوت منخفض اقترب مني كأنه يريد أن يقول لي سرا وقال لي: أنا الآن اشتغل في هذه المهنة النبيلة خمسة عشرة سنة بعد أن تعبت من المحاولات للالتحاق بوظيفة معينة، وبعد التحاقي بجمعية المعطلين بالمدينة والقيام بسلسلة من الوقفات النضالية ولكن بدون جدوى، في الأخير فكرت بعد عطالة مرة أن أخرج من الجحر كالفأر وأواجه القطط بكل ألوانها.

تركني ونهض مهرولا، كان حدسي في محله، كانا اثنان من الزبناء يريدان المغادرة، كنت ألمحه وهو يقبض من أحدهما ثمن المشروبات الغازية وهذا يظهر من خلال الزجاجات الفارغة على الطاولة، كان يتحدث إليهما بود ويبتسم في وجههما كمن يستقبل عروس ليلة الدخلة.

ففاجأني عندما قال لي وهو يقف على رأسي، أرأيت ياصديقي شغلنا مثل “النكافة” يجب أن تُرضي جميع الضيوف النازلين بالمقهى حتى لا يغضب منك أحد سواء من أهل العريس أو أهل العروس وبذلك يمر العرس في أحسن الظروف، هكذا نحن وهكذا سنظل، لأن الدولة لا توفر لنا شيئا، لا تغطية صحية ولا مساعدات ولا خدمات ولا هم يحزنون، نحن نشعر أننا نعيش خارج النظام.

وفجأة غير صوته كمن يريد أن يحتج على شئ ما وقال، ووجهه مائل إلى الصفرة: أنا شخصيا لا أنتظر من الدولة ولا الأحزاب ولا النقابات ولا الجمعيات أي شئ، طلقت كل هذه الترهات، أعيش الآن لأولادي الثلاثة وكل وقتي أخصصه لهم بعد مغادرتي للشغل كل يوم، وهاهم الآن يكبرون وكل ذلك من كرم المقهى وكرم المرتادين الأعزاء ولم أعد أفكر لا في وظيفة ولا أي شئ من هذه الخرافات، واقترب مني وهمس في أذني”والله هذه المهنة فيها الخير والبركة” لمن يعرف كيف يدبر أموره.

على نغمات مجموعة ناس الغيوان، والأغنية المشهورة “فين غادي بيا خويا وفين غادي بيا” التي كانت تجتاح فضاء المقهى بصوت مرتفع، هممت بالمغادرة، فوضع يده على كتفي وقال لي ما رأيك فيما سمعت، وأنا أقلب عن كلمات رقيقة وجد مناسبة لهذا المقام، قال لي لا تقل شيئا، في هذه الحياة ومن هذه المقهى وغيرها تعلمت أن الواحد منا لايجب أن يظل ينتظر الذي يأتي والذي قد لا يأتي، إنه العبث بكل تجلياته، يجب أن نحرص أن نعلم أولادنا ألا يتحولوا يوما ما إلا ساعات من دون عقارب.

*كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons