الثلاثاء , أكتوبر 17 2017

أموال النفط العربية .. استثمار استهلاكي في إطار علاقات التبعية

كتب : محمد جبر الريفي*

المراجعة الموضوعية لاستثمارات أموال النفط العربية سواء على المستوى القطري أو القومي تكشف عن سلسلة من السلبيات والإخفاقات في أساليب إنفاقها وصرفها حيث المضمون السياسي لعمليات الاستثمار كانت انعكاسا لعلاقات التبعية مع النظام الرأسمالي العالمي وبذلك لم تفتح هذه الأموال الطائلة الباب واسعا أمام عملية تقدم اقتصادي واجتماعي حقيقي من خلال إحداث تنمية شاملة تخرج الدول العربية النفطية وكذلك شعوب المنطقة المستفيدة من تدفقها على شكل قروض ومنح وتحويلات العمالة. تخرج هذه الدول والشعوب من واقع التخلف الحضاري وبقت هذه الدول الغنية ذات الثروة الطائلة تربطها علاقات التبعية بكل أشكالها مع دول الغرب الكبرى الصناعية الرأسمالية مكتفية بإنفاق هذه الأموال على شراء السلع الاستهلاكية وعلى شراء الأسلحة التي تكدسها للدفاع عن حماية انظمتها من دول تعتبرها معادية لها ليس بينها بالطبع الآن في الظروف الحاضرة دولة الكيان الصهيوني ثم بإيداع الجزء الأكبر منها كأرصدة حكومية في البنوك الغربية المملوكة للدول الصناعية الكبرى تستخدمها هذه الدول في حل أزماتها الاقتصادية الخانقة.

لقد حققت الأرصدة العربية للدول الرأسمالية الغربية الكبرى استفادة كبيرة حيث ساعدت على تخفيف حدة الأزمات التي تعصف بالنظام الرأسمالي العالمي فعملت بذلك على انفراج أزماته، واستمرارها في المصارف الأمريكية والأوروبية لسنوات طويلة تصبح عنصرا من عناصر استقرار النظام النقدي الاقتصادي لهذه البلدان وتتحول إلى رهينة ليس من السهولة سحبها أو نقلها إلى مصارف بلدان أخرى وقد تتعرض عند حدوث الأزمات السياسية إلى التجميد كما حدث للعراق ومع إيران عند قيام الجمهورية الإسلامية لذلك فإن الرابح الأكبر من هذه الأموال هي الدول الصناعية الرأسمالية الكبرى خاصة الولايات المتحدة حليفة الكيان الصهيوني الممولة له بالمال والسلاح وأما الخاسر الأكبر فهي المنطقة العربية وشعوبها كلها وليس فقط الدول العربية النفطية ذاتها لأن وجود النفط في المنطقة العربية جعل الوطن العربي الكبير كله مهدد بالمؤامرات ودوله معرضة لمخطط التقسيم والصراعات والتجزئة الممنهجة التي تجري الآن وتدفع ثمنها بالدرجة الأولى الشعوب من تدمير للمدن وقتل للابرياء وتهجير وتشريد للسكان وكل ذلك يحدث بتخطيط من الدول الغربية الراسمالية الكبرى للإبقاء على عملية النهب الاقتصادي المنظم لهذه المادة الحيوية.

أموال النفط العربية أصبحت عاملا سلبيا للأسف بالنسبة للأمة العربية لأنها لم تجلب الخير بقدر ما سببت الحروب والصراعات (حرب الخليج الأولى والثانية واحتلال العراق وإسقاط النظام الليبي بواسطة حلف الناتو الاستعماري) وهذه الأموال تستخدم الآن في استمرار الفوضى السياسية والأمنية التي تعيشها دول المنطقة من خلال أحداث الصراعات الداخلية وتشجيع الفتن الطائفية وإغداق الأموال لشراء الأسلحة للقوى التي تسببها كقوى المعارضة المرتبطة بأجندة ومخططات خارجية معادية ولم تسخر لخدمة القضايا العربية القومية.أموال النفط على الصعيد الدولي شوهت النمطية المعروفة لشخصية الإنسان العربي فأصبح في نظر العالم رجل يبحث عن اللذة ويتكالب على اقتناء كل ما يشبع رغباته الدنيوية، رجل مقامر يرتاد افخم فنادق أوربا وأمريكا بعد أن عرف عنه عند شعوب العالم بالكرم والشجاعة والتضحية في سبيل المبادئ.

أموال النفط العربية شيدت المدن الكبيرة مدن الملح كما وصفها أحد الكتاب العرب الخليجيين كأبي ظبي ودبي والدوحة وغيرها من مدن الخليج ولكنها في نفس الوقت لم تبن الإنسان في هذه المدن لم تهذب سلوكه ولم تحافظ على منظومة الأخلاق العربية الأصيلة المعروفة تاريخيا عنه، فأصبح يمارس العنصرية بكل أشكالها من تمييز واستعلاء وعنجهية على أخيه العربي الوافد من العمالة العربية وكذلك الآسيوية.

هكذا هو حال توصيف واقع دول الخليج العربي التي هي عليه الآن بسبب امتلاكها للأموال الطائلة التي جنتها من وراء اكتشاف النفط حيث أعطاها عائداته دورا سياسيا بارزا في السياسة العربية حل بديلا للدور السياسي المعروف لمصر وسوريا والعراق التي كانت هذه الدول العربية الرئيسية على مدى التاريخ العربي والإسلامي لها الدور القيادي في الدفاع عن الأمة ضد الغزوات الخارجية، أعطاها هذا النفط الدور السياسي فأصبحت تسخره في حرف بوصلة الصراع فتتسابق الآن في تطبيع العلاقة مع (إسرائيل) التي تحتل الاقصى وتمارس أشد أنواع القمع ضد الشعب الفلسطيني العربي وما كان يحدث هذا الانحدار في هذا الموقف السياسي القومي المخزي إلا بسبب النفط وأمواله والمحافظة على الأنظمة الاستبدادية لدوله المنتجة من هبوب رياح التغيير.

*كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons