مجزرة الأرمن في ذكراها الـ(102) .. مجازر بشعة خلفت جروحًا لم تندمل

كتب : إيهاب القسطاوي*

انه لمن المؤلم أن تفتح جراحاً كادت أن تصبح ذكرى، وننبش في قبور الذكريات الأليمة، ونستخرج منها رفات الماضي الذي يحاول الأرمن التخلص منها عبر رحلة الشتات المؤلمة، كانت وحدها الدموع التي تنساب من عيونهم كافية، لتؤكد لضمائر الإنسانية مدى أن الجرح غائر، ويحتاج إلى مزيد من الوقت حتى يندمل.

لقد عانى الأرمن من مجازر بشعة خلفت جروحًا لم تندمل، وتسببت خناجرها في ترك ندوب لا تشفى مع الأيام، ما يجعلنا نطالع ملامح الحزن والأسى في عيونهم التي أنهكتها الدموع على على أرواح ضحاياهم، وعلى الرغم من مرور 102 عام، على إبادة الأرمن على يد دولة “الخلافة العثمانية”، إلا أنه مازال يتذكر الأرمن حول العالم، في 24 أبريل/نيسان، الإبادة الجماعية التي حلت بأبناء عرقهم عام 1915، في عهد الدولة العثمانية، بعد إصدار حكومة حزب تركيا الفتاة “الكتاب الأحمر” الذي تتهم فيه الأرمن بعدم الإخلاص للدولة العثمانية، ليعيش الأرمن سنوات طوال في التيه والشتات، إلا أنهم استطاعوا تكوين جاليات كبيرة، والحفاظ على هويتهم وتاريخهم، استطاعوا تكوين دولتهم فيما بعد، عندما نالت أرمينيا استقلالها عن الاتحاد السوفييتي السابق عام 1991، غير أن الكثيرين بقوا موزعين في دول عدة حول العالم. ويعيش في العالم العربي اليوم أكثر من 300,000 أرمني أكثرهم في لبنان وسوريا.

102 عاما تمضي على تلك المجزرة والتي أطلق عليها اسم “ذكرى مجزرة الأرمن”، من سنوات الجمر التي اكتوى بها الأرمن، حيث تعرضوا لأبشع الانتهاكات اللاإنسانية من قتل وذبح وتنكيل وغيرها من الصور اللاانسانية التي خلفتها أيادي الإجرام العثمانى، وأتت على كل شيء يقف أمامها، بدأ الأمر بموجة بشرية في شوارع يريفان، ففي 24 أبريل/نيسان 1965، نزل أكثر من 100 ألف شخص إلى وسط عاصمة ”جمهورية أرمينيا” للمطالبة بالاعتراف بـ”الإبادة الأرمنية”، وشكل ذلك بداية تحرك مطلبي كان حتى ذلك الحين بعيدا عن الأضواء، واختار الأرمن في جميع أنحاء العالم يوم الرابع والعشرين من أبريل/نيسان لعام 1915م يوما تاريخاً لبداية نكبتهم الفظيعة، ففي ذلك اليوم ألقت السلطات العثمانية القبض على 250 مفكر ومناضل أرمني في اسطنبول وأعدمتهم، وسبقت المذبحة، مجزرة تعرض خلالها أكثر من 100,000 مواطن من سكان أرمينيا للقتل بعدما بدأ شباب أرمن حملة للضغط على السلطان لإقرار إصلاحات سياسية في تسعينيات القرن التاسع عشر.

بعد المذبحة عاد عنف الأتراك ضد الأرمن في فترة ما بين 1920 و 1923، قام الجيش العثماني بتعذيب قوافل من النساء والشيوخ والأطفال الأرمن وإرسال أغلبهم إلى الصحراء حيث ماتوا من العطش والجوع، إيذانا ببدء المجازر بحق الأرمن تحقيقاً لمخطط تطهير الإمبراطورية العثمانية منهم بشكلٍ كامل، واستمرت عمليات الإبادة حتى عام 1917، عند انهيار الإمبراطورية أمام التحالف البريطاني، وكان من جراة ذلك قتل حوالي مليون ونصف مليون أرمني، أي أكثر من نصف عدد السكان “مليونان ونصف” في أرمينيا آنذاك، قرابة مليون ونصف المليون أرمني إعداماً وتهجيراً، ففي 27 مايو/أيار لسنة 1915، أي بعد حوالي شهر من حادثة اعتقال المفكرين والمناضلين الأرمن المطالبين بالانفصال، ومرور سنة على بدء الحرب العالمية الأولى، قدم البرلمان العثماني ورقة “Sevk ve İskan Kanunu”، أو “قانون الترحيل والإسكان”، أو كما عرف وقتها بين الناس بقانون التهجير “Tehcir Kanunu”، والذي بدأ تنفيذه في الأول من يونيو/حزيران من تلك السنة، إلى 8 فبراير/شباط 1916 م بدافع “الأمن القومي”، وبعد الحراك الأرمني بفترة بسيطة بدأ الأكراد والعرب والإغريق كذلك بالمطالبة بالانفصال والاستقلال القومي، وكانت الولايات المتحدة وحليفها التقليدي البريطاني يعترفان بوقوع الإبادة الجماعية بحق الأرمن على أيدي الدولة العثمانية، ولكن منذ أن صار وريث الاجرام العثمانى “الجمهورية التركية الحديثة” حليفاً استراتيجياً في الحرب الباردة ضد الروس وعضواً رئيسياً في حلف الناتو، منذ 1951، تراجع الأميركان والإنجليز عن ذلك الاعتراف متبنّين الموقف التركي الرسمي بأن المجازر لم تصل إلى مستوى الإبادة الجماعية، ولكنها كانت الحرب وكان الكل يَقتل ويُقتل.

ومنذ العام 2015م، كان هناك 28 دولة، تعترف رسمياً بالإبادة الجماعية للأرمن على أيدي العثمانيين، وهي الأرجنتين والنمسا وبلجيكا وبوليفيا والبرازيل وبلغاريا وكندا وتشيلي وقبرص والتشيك وفرنسا وألمانيا واليونان وإيران وإيطاليا ولبنان وليتوانيا ولوكسمبورغ وهولندا والباراغواي وبولندا وروسيا وسلوفاكيا والسويد وسويسرا وسوريا والأوروغواي وفنزويلا، أي 17 فقط من أصل 50 دولة أوروبية تعتبر نفسها صرح العدالة وحقوق الإنسان.

إن الدولة التركية لا تعترف بحقوق أي أمة أو شعب تحتل أراضيه، وتنفي وجود الملايين من الأكراد الذين يعيشون في كردستان-تركيا، حتى وقت قريب، حين أرغمت الدولة التركية على الاعتراف بوجود الأكراد، كنتيجة لنضال هائل خاضته الحركة الوطنية الكردية، ومع ذلك، لا زال على هذه الدولة أن تعترف بالكثير من الحقوق الديمقراطية للأكراد، وعلى رأسها الحق بالتعليم بلغتهم الأصلية، إلى جانب ما يواجهه الأرمن، تستمر السياسة التمييزية للدولة التركية بحق شعب اللاز والشركس واليونانيين وغيرهم.

*كاتب وباحث من مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons