جورجي ديمتروف، براغ، 1948

جيورجي ديمتروف

ولد جيورجي ديمتروف في 18 يونيو/حزيران 1882 من عائلة كادحة فقيرة عرف أبناؤها بوطنيتهم ونضالهم الثوري وقد قضى إخوته نحبهم في السجون وإعداما بالرصاص.

ترك ديمتروف المدرسة بسبب الفقر وهو في سن الثانية عشرة ليصبح عامل طباعة، وانخرط منذ صغر سنه في نضال الطبقة العاملة البلغارية، وقد أتاحت له حرفة الطباعة أن يشبع نهمه من المعرفة من خلال مطالعة الكتب الواردة للمطبعة.

إنضم ديمتروف الطفل (16 عاما) إلى مجموعة عمالية ثورية وساهم في تنظيم الحركة النقابية لعمال الطباعة، الذين بدأ بكتابة مقالات عنهم وعن قضاياهم ونضالهم، وقرن كتاباته بممارسة ميدانية نضالية ثورية طليعية بينهم حتى باتوا يقتادون به، وانتخب سكرتيرا لنقابتهم في مدينة صوفيا في سن الثامنة عشرة.

وعرف ديمتروف مناضلا نقابيا ثوريا، وقائدا ومنظما، ولذلك تبوأ عام 1904 موقع سكرتيرا الاتحاد النقابي البلغاري.

ولم ينتهج ديمتروف نهجا إصلاحيا أثناء نضاله النقابي ولم يفصل هذا النضال عن بعده السياسي الذي أولاه الأولوية واعتبر النضال النقابي في خدمته وأرضية له يجب استغلالها لتوحيد صفوف العمال ضد مستغليهم وميدانا لخوض وتعلم الصراع الطبقي، ولاستقطاب الطليعة العمالية وكسب ثقتها وتأطيرها والارتقاء بوعيها فكريا وسياسيا.

وفي عام 1902 انخرط ديمتروف في “الحزب الاشتراكي الديمقراطي البلغاري” ولكنه سرعان ما انفصل عنه بعد سنة رفقة ما يقارب الخمسين من رفاقه الماركسيين ليؤسسوا منظمة اشتراكية بروليتارية. وكان انفصالهم عن ذلك الحزب بسبب قيادته الانتهازية ومواقفها التي لا تخدم مصلحة الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء.

وفي عام 1919 ساهم ديمتروف مع رفاقه في إنشاء الأممية الثالثة وأصبحت منظمتهم الحزبية البلغارية تعرف باسم حزب العمال البلغاري (الحزب الشيوعي فيما بعد).

تحالف الحزب الشيوعي البلغاري وحزب الاتحاد الزراعي الشعبي المدافع عن الفلاحين في جبهة واحدة. وفي عام 1923 قاد الفاشيون انقلابا عسكريا أطاح بحكومة “الاتحاد الزراعي الشعبي” من الفلاحين وقتلوا من أعضاء ذلك الحزب ما يناهز ثلاثين ألفا كما قتلوا رئيس الحكومة والحزب ومثلوا به بوحشية ووضعت بلغاريا تحت سيطرة الحكم الفاشي.

نظم الحزب الشيوعي البلغاري انتفاضة مسلحة ضد الفاشية قادها وأدارها ديمتروف ولكنها فشلت وقدم الشيوعيون ما يقارب ثلاثين ألف شهيد خلالها وغادر ديمتروف بلاده لعدة أعوام تنفيذ القرار الحزب لينخرط في الخارج في الحركة العمالية العالمية نقابيا وسياسيا متخذا مكانه القيادي فيها.

صدر ضد ديمتروف حكم بالاعدام بوصفه عضوا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري وقد منع نشاط الحزب واعتبر الانتماء إليه جريمة.

وفي شهر مارس/آذار عام 1933 اعتقل ديمتروف في منفاه ببرلين صحبة رفاق شيوعيين بلغاريين ووجهت له تهمة احراق الرايخستاغ (البرلمان الألماني) وكانت الفاشية الألمانية هي التي دبرت ذلك الحريق واتخذت منه ذريعة لتصفية الحركة الشيوعية في بلغاريا وبلاد البلقان خدمة للفاشيين الحاكمين في بلغاريا، وأمام حملة الاحتجاجات العالمية الواسعة أطلق سراح ديمتروف ومن معه بعد عام من الاعتقال وحكمت محكمة لايبزيغ ببرائته، بعد أن حولها إلى منبر لمحاكمة الفاشية وفضحها وللدفاع عن الشيوعية والطبقة العاملة وكرامة الإنسان.

ومن خطابه الدفاعي أمام المحكمة ننقل الفقرة التالية:

“أنا أعترف باني اتكلم ببعض الخشونة ولكن نضالي وحياتي مفعمين بالخشونة وكلامي كلام صريح وصادق وقد تعودت أن أسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية فأنا لست محاميا ملزما هنا بأن يدافع عن موكله، أنا أدافع عن نفسي كشيوعي متهم، أنا أدافع عن كرامتي الشيوعية الثورية أنا أدافع عن مبادئي ومعتقداتي الشيوعية، … أما بخصوص الحزب الذي أنتمي إليه فهو اليوم خارج على القانون وقد رفضت مرارا أن أعطي أية معلومات عنه وأن تصريحاتي كانت دائما وأبدا جدية ومفعمة بالعمق العقائدي”.

لقد استغل ديمتروف محاكمته بشكل جيد للقيام بالدعاية لصالح الطبقة العاملة والحركة الشيوعية العالمية والتحريض ضد الفاشية والرجعية وبلغت لهجة التحدي عنده إلى حد تبشير المحكمة بأن العثور على المتهمين الحقيقيين في القضية ستقوم به المحكمة الشعبية لدكتاتورية البروليتاريا القادمة وأن الشيوعيين يمكنهم أن يقولوا بنفس إصرار قاليلوا: “ان الأرض تتحرك مع ذلك، أن عجلة التاريخ تتحرك وتتحرك إلى الأمام نحو أوروبا سوفياتية نحو جمهورية اشتراكية عالمية، وهذه العجلة التي تدفعها البروليتاريا بقيادة الأممية لن يتمكن أحد من أيقافها لا بتدابير الإبادة الجماعية ولا بأحكام الاعدام والسجون، إنها تدور وستضل تدور حتى الانتصار النهائي للشيوعية”.

كان ديمتروف ثائرا منذ صباه على كافة أشكال الظلم والاضطهاد ومناصرا منحازا للشعوب المضطهدة معاديا بشراسة للأمبريالية العالمية ثابت في مبادئه مرنا في تكتيكاته اتبع خطى لينين وستالين من موقع طبقي عمالي.

انتخب ديمتروف سكرتيرا للأممية الثالثة وكان من أبرز قيادتها واشتهر بكتاباته وتقاريره المقدمة في مؤتمرات الأممية الشيوعية ومن أهمها تقريره المقدم في المؤتمر السابع عام 1935 حول الوحدة السياسية للطبقة العاملة والجبهة الوطنية الموحدة المناهضة للفاشية، ومن مقولاته المعبرة “إننا نريد من شيوعيي كل البلدان أن يستخلصوا ويستفيدوا في الوقت المناسب من جميع العبر التي توفرها تجربتهم الخاصة باعتبارهم طليعة ثورية للبرولتياريا، ونريد لهم أن يتعلموا بأسرع ما يمكن كيف يخوضون غمار الصراع الطبقي لا ان يقعدوا على الشاطئ يراقبوا، ويسجلوا تلاطم الأمواج بانتظار الطقس الجميل”.

وعندما غزت الجيوش النازية بلغاريا بموافقة الملك في 12 يونيو/حزيران 1941 دعا الحزب الشيوعي البلغاري الشعب للمقاومة الوطنية المسلحة ضد الملكية الحاكمة والفاشية المحتلة التي تدعمها وعرفت حرب المقاومة بحرب الأنصار (حرب العصابات السرية المرتبطة سياسيا بالحزب الشيوعي) وتشكلت عام 1942 الجبهة الوطنية الشعبية التي ضمت القوى الوطنية المناهضة للفاشية ووضع ديمتروف برنامجها الكفاحي، وقادت الشعب البلغاري والطبقة العاملة البلغارية إلى النصر.

وفي اواخر عام 1945 دخل ديمتروف صوفيا بعد أن انتهت مهامه كسكريتير عام للجنة التنفيذية للأممية وأصبح بعد حلها أول رئيس وزراء لأول حكومة للثورة الوطنية الديمقراطية الاشتراكية في بلغاريا وبتاريخ 2 يوليو/تموز 1949 مات جيورجي ديمتروف في موسكو بعد مرضه، ولكن شخصيته النضالية الثورية الأممية القيادية بقيت حية في أذهان الملايين من الشيوعيين بوصفه شيوعيا مخلصا لفكر ماركس، أنجلز، لينين وستالين وفيا لطريقهم الثوري المبدئي آمن بحتمية انتصار الطبقة العاملة والشعوب المضطهدة على أعدائهما الطبقيين وترك للأجيال تعاليم ودروس قيمة حول الاستراتيجية والتكتيك اللينيني، ودور الحزب الثوري وطبيعته وشروط نجاحه، والعمل الجبهوي وشروطه والفاشية وسماتها، وأسباب ظهورها التاريخية وغير ذلك من المواضيع التي زخرت بها كتبه وتقاريره.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons