الثلاثاء , أكتوبر 17 2017

الماركسية هل مازالت تصلح ؟ (2)

كتب : عمرو عمر*

البداية كانت حوار على صفحات الفيس بوك شارك فيه الدكتور محمد دوير من مصر والأستاذ علي عباس خفيف من العراق وعدد ليس بقليل من الرفاق كل منهم طرح أفكاره وساهم في النقاش، وبالمصادفة كانت لي مساهمة متواضعة؛ فجر هذا النقاش قضية في غاية الخطورة هل نستطيع اليوم تطبيق الاشتراكية في ظل هذا الوضع العالمي المتأجج ما بين أزمة اقتصادية شبه مميتة، واضطراب سياسي ليس فقط في منطقتنا العربية ولكن في العالم أجمع، هل الوعي الجمعي للجماهير سيتقبل تجربة اشتراكية بعدما تم تشويه كل التجارب السابقة في منطقتنا، الطريق صعب ولكنه ليس بمستحيل.

كان هناك عدد من المحاور فى النقاش طرحهم الدكتور محمد دوير في تدوينته المصغرة: –

كيف سندير الاقتصاد؟

هل سيعترف الدستور بتداول السلطة؟

هل ستقوم الثورة الاشتراكية بالتأميم؟

ماذا عن صفحات التواصل الإجتماعى؟

ماذا عن حرية التعبير؟

ما هي حدود الملكيات الخاصة؟

ما هو الموقف من الدين ومؤسساته؟

ما هو الموقف من الاتفاقيات خاصة الدولية؟

هل الثورة الإشتراكية أممية؟!

تسعة تساؤلات أو محاور تعبر عن مشكلة التحول القادمة المفروضة على الوضع السياسي والاجتماعي، فبعد فشل التجربة الرأسمالية في مصر على مدار أكثر من أربعة عقود في أحداث تقدم حقيقى في المجتمع المصري، بل أنها أعادته للخلف أكثر مما كانت عليه أثناء الاحتلال البريطاني، لم يعد أمام الجميع من حل سوى التوجه الاشتراكي وهذا ما كنا نبشر به من قبل الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني، فالرأسمالية لم تقدم لنا شيء ملموس سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي، فبعد التجربة الناصرية – برغم أنها لم تكن اشتراكية – ونجاحها اقتصاديا بشكل كبير في دفع المجتمع للأمام ناحية التصنيع، أعادتنا الرأسمالية مرة أخرى إلى نقطة الصفر صناعات كثيرة تم تدميرها، أهمها مثلا صناعات النسيج، حتى الزراعة، فبعد أن كانت القاهرة هي المركز الرئيسي لزراعة القطن الطويل التيلة العالي الجودة في العالم تراجعت المساهمة المصرية في الناتج العالمي إلى أدنى مستوياتها لتأخذ كل من ”وسط أفريقيا والهند“ تلك المكانة، صناعات في غاية التقدم تم تدميرها بشكل متعمد أهمها شركة الراتنجات للصناعات الكيماوية، مصانع النصر للسيارات، غزل المحلة، الحديد والصلب والشركة المصرية للصناعات الهندسية، صناعات الأدوية، صناعات الجلود … الكثير الكثير من الأمثلة أكثر من ألف ومائتي مصنع تم بنائها جميعاً فى فترة الستينات اليوم باتوا متوقفين تقريباً عن العمل، والغالبية تم بيعها بأقل من نصف أثمانها فقط لإرضاء الرأسمالية العالمية والباقي يتم تدميره إنتظاراً لطرحه للبيع.

طريق طويل وصعب لإعادة البناء ليس فقط على المستوى الاقتصادي، ولكن أيضا على المستوى الثقافي والاجتماعي، فالثقافة والمعرفة هي العدو الأول للرأسمالية وكان لابد لإعادة تشكيلها مرة ثانية في مصر من إعادة تشكيل الوعي الجمعي للجماهير، ولم تجد اسهل واسرع من الدين ليكون بوتقة لعملية التغيير المطلوبة، ودفع الجماهير في صراع طائفي، فمفاهيم الوحدة التي قامت عليها فترة التحرر الوطني في الستينات كانت أحد أهم العقبات في طريق الحقبة الإستعمارية الجديدة، فكان يجب عليها محو تلك المفاهيم من عقول الشعوب وإحلال الرجعية الدينية مكانها، فهي لا تنادي بالتنمية والتحرر من الرأسمالية العالمية والاعتماد على النفس والتحرر من أغلال الرجعية الفكرية، بل على العكس تماماً فهي تدفعنا غرقاً في التبعية والتخلف المعرفي والثقافي، بل تسقط بنا في هوة صراع داخلي مميت ترفع فيه رايات الدين تارة والعصبية العرقية تارة أخرى لتقف أمام كل هذا الإمبريالية العالمية مبتسمة لانتصارها المزعوم، فهي عرفت كيف تفكك تلك العقول وتدفعها للتقاتل فيما بينها.

إلا أن الشعوب لن تقف مكتوفة الأيدي ولن تستمر في غفلتها وعلينا أن نتحرك نحن الماركسيين ليس فقط كرد فعل ولكن لقيادة تلك الجماهير الغاضبة بدلا من أن تسقط في الهوة مرة أخرى من خلال ادعاءات فارغة مرة باسم الديمقراطية ومرة باسم الحرية، فلا حرية مع الفقر والمرض، ولا تتفق الديمقراطية مع الجهل.

الفترة القادمة ستكون على الحركة اليسارية في مصر والعالم العربي مسؤوليات كبيرة، فحالة عدم الاستقرار الاقتصادي فى العالم ستؤدى إلى تداعيات سياسية في غاية الخطورة خصوصا مع وصول شخصية مثل ”ترامب“، فضلا عن ذلك حالة عدم الاستقرار التي تعاني منها أوروبا ويتضح ذلك فى الدعوات المتزايدة داخل العديد من البلدان الأوروبية للخروج من الاتحاد الأوروبي الذي لم يقدم شيئا بل كان عبئاً على اقتصاديات الكثير من الدول وكلنا رأينا كيف خرجت بريطانيا من الاتحاد، واليوم بفرنسا الدعوات تتصاعد للانفصال عن اليورو والعودة للفرنك الفرنسي، اليونان والبرتغال وإسبانيا تعانيان مشاكل كبيرة لولا المساعدات من جانب ألمانيا لانهارت اقتصاديات تلك الدول على الفور وانهار معها النظام السياسي وهذا ما لا تتحمله القارة العجوز.

في منطقتنا صراع على مستويات عدة، صراع سياسى بين طبقة برجوازية حاكمة لا تتوانى عن التحالف مع الشيطان للحفاظ على مكاسبها، لنا في التحالف السلفي/العسكري القائم حاليا في مصر، فطبقة الأورجاكية العسكرية التي استطاعت أن تتسلق السلم وتصل لكرسي السلطة على أنقاض 23 يوليو مع تولي ”السادات“ المسئولية كان همها الأكبر هو هدم كل ما تم بناؤه اقتصاديا وفكرياً في فترة الستينات، فهي شريحة نفعية فاسدة؛ وأدخلت المجتمع في صراع ثقافي أجتماعي، الغرض منه عملية تجريف للوعي الجمعي المصري استمر ذلك على مدار أربعين عاما لتحوله إلى مجتمع عنصري طبقي منقسم حول ذاته.

كيف نبدأ ؟ !

البداية دائما صعبة إلا أنها ليست بالمستحيلة، ولن نستطيع أن نضع أول حجر في البناء الجديد بدون التعرف على المشاكل التي سوف تقف عقبة فى طريقنا؛ أولى تلك المشاكل هي تشرذم اليسار، الغريب أن حالة الفرقة تلك في أغلبها خلافات تكتيكية، فهناك فريق يرى أنه يجب استكمال الثورة البرجوازية أولا حتى يتسنى لنا الإنتقال إلى مرحلة الثورة الاشتراكية أو المجتمعية، وهناك من يتفق مع فكرة استغلال الحلقة الضعيفة في البنية الرأسمالية والقفز إلى المرحلة الثورية والدخول في مواجه شرسة مع الرأسمالية المحلية والعالمية، ولكن هل ستنتظر الجماهير حل ذلك الخلاف حتى تتحرك.

الحالة المصرية

« البرجوازية الفرنسية وضعت الباريسيون أمام أمرين لا ثالث لهما إما قبول التحدى للمعركة، وإما الإستسلام دون معركة، لو تمت الحالة الأخيرة، لكان تفسخ معنويات الطبقة العاملة كارثة أعظم بكثير من خسارة أى عدد من الزعماء»  كارل ماركس

فى يناير/كانون الثاني 2011 لم يكن أكثر المتفائلين كان يتوقع حجم الانفجار الشعبي الذي حدث، كذلك لم يكن يعرف إلى أي مدى يمكن أن تصل ثورة تلك الجماهير، كانت الأغلبية ولن أقول الجميع أكبر طموحاتها أن يحدث تعديل وزارى وبعض الإصلاحات، لهذا لم يكن هناك أي تنسيق أو تخطيط مسبق لما هو قادم بعد سقوط رأس النظام فكانت الفرصة سانحة لسارقي وتجار الثورات والتيارات الرجعية أن تتحالف مع البرجوازية العميلة المهزومة وتساعدها مرة أخرى على النهوض بل حدث ما هو أكثر من ذلك أنها ساعدت على تقوية موقفها وأن تستعيد سلطتها وتطيح بالجميع لتهزم الثورة ويعود الموقف أسوأ مما كان.

الرؤية اليوم أصبحت أكثر وضوحاً، وتعلم الثوار الحقيقيين أن لا يثقون إلا في أنفسهم فقط، فالتحالفات السياسية خصوصا مع التيارات الرجعية أو الأحزاب اليمينية أو التي تتشدق بديمقراطية فارغة من محتواها لن تجدي ولن تنفع بل ستكون معوق للحراك الثوري وفي الغالب ستؤدي به إلى الفشل، والتاريخ مليء بتجارب التحالفات السياسية الفاشلة بين تيارات يسارية ثورية، وتيارات إصلاحية ويمينية، فإذا أخذنا مثال التجربة التشيلية في سبعينات القرن الماضي وكيف تحالف الليبراليين هناك مع المخابرات الأمريكية لإسقاط التجربة اليسارية التي استطاعت أن تحقق نجاحات ملموسة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي إلا أن هذا لم يكن يرضي الليبرالية البرجوازية التشيلية التي كانت ترى فى حكم الليندي أكبر معوق لها للسيطرة على البلاد، وساعدتهم على ذلك كالعادة الولايات المتحدة الأمريكية التي شنت حملة إعلامية شرسة أن الحكم فى شيلي ديكتاتوري رغم أنه جاء بانتخابات ديمقراطية شارك فيها الجميع إلا أن الأحزاب الليبرالية العميلة التي لم تستطع أن تحوذ ثقة الجماهير الواعية و لم تستطع أن تحقق لنفسها تواجد حقيقى داخل البرلمان بل كانت السيطرة لصالح الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي وأربعة أحزاب أخرى يسارية ولكنها أقل عدداً وشعبية، فلم يكن أمام الإمبريالية الأمريكية سوى التسلل من خلال القيادات العسكرية التى خاضت دورات تدريبية لديهم، وهنا خطأ كبير وقع فيه ”سلفادور ألليندي“، فالديمقراطية الحقيقية لابد من جيش تحميها على رأسه قيادات مؤمنة بحق الشعب وأن يتم إستبعاد جميع القيادات العسكرية المشكوك في ولائها، فعدم تطهير الجيش أدى في النهاية أنه انقلب على الحكم بزعم أنهاء الديكتاتورية لتأتي الديمقراطية الليبرالية على جثث الوطنيين الحقيقيين ولم يكتفى قائد الأنقلاب الجنرال ”اوجستو بينوشيه“ بالقضاء على التجربة الديمقراطية، بل نصب مقاصل الإعدام حتى وصل الذين تم أعدامهم أكثر من 3200 شخص، واعتقل 80٫000 واضطر أكثر من 200٫000 للهروب خارج البلاد، فالليبرالية الموصوفة دائما بالديمقراطية لا ترضى بأن يشاركها إلا من يكون تحت سيطرة الرأسمالية.

جدير بالذكر أن ”سلفادور الليندي“ لم يأخذ منحى اشتراكياً حقيقيا بل كان أصلاحياً في جوهره، فهو لم يحاول الاقتراب من الرأسمالية المحلية وحاول بقدر الإمكان استمالتها عن طريق بعض قرارات الحماية الجمركية للحفاظ على الصناعات المحلية وهذا ما استفادت منه بشكل كبير ونمت ثروتها، فقط قام بتأميم مناجم النحاس التي كانت تحت سيطرة الشركات الأمريكية، واتخذ منحى اقتصادي اجتماعي مهادن بشكل كبير للرأسمالية المحلية و لكن هذا لم يرضيها فتآمرت ضده وايدت الانقلاب العسكري بل أنها ساعدته فى القضاء على كل ما حققه ألليندي من مكاسب اقتصادية واجتماعية.

البرجوازية ومدعي الليبرالية لن يرضوا بأي حال من الأحوال بغير نظام استعبادي رأسمالي مهما تخفوا وراء الدين تارة أو وراء حقوق الإنسان تارة أخرى وهي اللعبة الجديدة التي تحرك خيوطها المخابرات الأمريكية رأس الفساد في العالم؛ ومن المفارقات المبكية المضحكة أن وزير الخارجية الأمريكى فى ذلك الوقت “هنري كيسنجر”، كان له تصريح شهير يضرب المفاهيم الديمقراطية فى مقتل بقوله «لا أفهم لما يجب أن نجلس جانباً ونراقب دولة تسير في طريق الشيوعية نتيجة لعدم تحمل شعبها المسئولية، المواضيع أكثر أهمية بالنسبة للناخبين التشيليين من أن يتركوا ليقرروها بأنفسهم».

في نهاية تلك السطور نستطيع أن نؤكد إن الليبرالية العالمية لن ترضى بأي تغيير حقيقي حتى لو جاء بانتخابات ديمقراطية طالما أنه يأخذ منحى اقتصاديا مخالفاً للرأسمالية حتى لو كان إصلاحياً، فلا بديل هنا إلا الثورة، لتقضي على تراث الفقر والجهل الذي استشرى بين شرايين الوطن طوال عقود أربعة …. وللحديث بقية

*صحفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons