د.سلام بوسى

«مصر» .. بين مطرقة «الإرهاب» وسندان «الطوارئ»

كتبت: د.سلام بوسى*

ثلاثة أشهر تضاف إلى ست وثلاثين عاما على عمر حالة الطوارئ، التي فرضت في العام 1981 على مصر، وقرر عندها المخلوع مبارك الإبقاء عليها حتى صدور قانون لمكافحة الإرهاب، وبررت اللجنة العامة لمجلس الشعب حينذاك القرار بما اسمته التحديات التي تطرحها المتغيرات الدولية والإقليمية والداخلية التي تحتم تأمين الجبهة الداخلية وعدم التفريط أو حتى مجرد المخاطرة بها، وقد مرر مجلس الشعب المصري صنيعة الأجهزة الأمنية حينذاك، ذلك القانون المشبوه بثلاثمائة وخمسة أصوات وعارضه مائة وثلاثة نواب.

ويمنح قانون الطوارئ للنظام صلاحيات موسعة كتوقيف المشتبه فيهم واعتقالهم، والحقيقة أن نظام المخلوع مبارك قد استخدم القانون لإسكات كل الأصوات المعارضة، في إجراء يفتقر إلى أي سند دستوري، مما كان يعكس نية النظام حينذاك في التمسك بالدولة البوليسية، فالاعتقال التعسفي والتعذيب والاحتجاز غير القانوني في أقسام الشرطة، وكل أشكال الانتهاكات لحقوق الإنسان التي عج بها سجل مصر في مجال حقوق الإنسان كان مصدرها الاستخدام المفرط للصلاحيات الموجودة في قانون الطوارئ، وأظن أن مناخ حالة عدم الرضا الشعبي العام الذى تشهده مصر، والذى يعد بمثابة مؤشر قوي إلى تزايد هذه الحالة في الأيام القادمة هي التي دفعت بنظام السيسي إلى إعلان العمل بقانون الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر عقب التفجيرين اللذان استهدفا كنيستين في طنطا والاسكندرية وأسفرا عن مقتل 44 وإصابة أكثر من مئة مواطن، وبالتالي يصبح إعلان قانون الطوارئ لمدة ثلاثة اشهر، بما يتضمنّه هذا القانون من تعديلات تمنح النظام المصرى صلاحيات استثنائية لتنفيذ اعتقالات عشوائية، وذلك في تجاهل لقرار المحكمة الدستورية “أعلى محكمة في مصر” القاضي بإلغاء الفقرة التي تنّص على تنفيذ الاعتقالات العشوائية، عام 2013، وبموجب الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية المصرية في 2 يونيو/حزيران 2013، فـ “ليس لرئيس الجمهورية الحق في تفويض وزير الداخلية بإصدار قرارات اعتقال إدارية تسمح بالقبض على الأشخاص دون إذن قضائي واحتجازهم دون العرض على سلطة قضائية في ظل حالة الطوارئ”، غير أن مجلس النواب المصري أعاد الفقرة التي ألغتها المحكمة الدستورية، ما يُعرّضها للطعن مرة أخرى، كما تنص أحكام قانون الطوارئ، بالسماح للسلطات المصرية بمراقبة الصحف ووسائل الاتصال والمصادرة، وتوسيع صلاحيات الجيش والشرطة في فرض الإجراءات التأمينية والتفتيش، والإحالة لمحاكم استثنائية وإخلاء مناطق وفرض حظر تجوال في مناطق أخرى، وسحب تراخيص الأسلحة وفرض الحراسة القضائية.

إذاً المصريون يواجهون نفس الاداة من جديد لمزيد من الانتهاكات الحقوقية والسياسية وليس لمكافحة الإرهاب، لأن قانون الطوارئ لم يفلح في مواجهة الإرهاب، وهناك عشرات الحالات التي وقعت فيها أعمال إرهابية سواء في سيناء أو في غيرها من المدن المصرية، فالمسألة هنا أنها سلطة تقديرية لرئيس الدولة فقط ويمكن إساءة استخدام هذه السلطة التقديرية، ومما يدعو للأسف الشديد، أن هذا القمع وهذا الكبت المتواصل والاستمرار في تمديد حالة الطوارئ وهذا الاحتقان القائم في الحياة السياسية، حتما سوف يؤدي إلى انفجار مدوي جدا، وعندها لن تكون هناك قدرة لا للأمن ولا لأي إجراءات قمعية جديدة على منعه. أن الديمقراطية والسياسات الحكيمة والسياسات العادلة هي التي تكافح الإرهاب بأفضل الوسائل الممكنة، وليس القمع والقوانين المتشددة والعقوبات.

ومما لا يخفى. على الجميع أن السياسات الفاشلة للنظام المصري، والتي قادت مصر إلى مرحلة الهاوية ،والتي سيترتب عليها تحميل الاجيال القادمة أعباء مالية وأزمات اقتصادية تكبل تطوره، وتضعه فى معزل عن العالم والمؤسسات الدولية التي ستمتنع عن مساعدة الدولة لتفاقم مشكلاتها وعجزها عن سداد ديونها الخارجية، وبالتالي أنا أرى أن هذه الحالة الخطيرة هي التي تؤدي إلى عدم الاستقرار وبالتالي القول بأن هناك خطورة على مصر، هذا قول يدحضه الواقع، هناك دول كثيرة لم تفرض أبدا حالة الطوارئ رغم أنها تتعرض لأكثر بكثير مما تتعرض له مصر.

*استاذة في الجامعة اللبنانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons