لقاء فيرمونت إبان الانتخاب الرئاسية المصرية في 2012

عن المصالحة التاريخية بين اليسار والتأسلم

كتب : حمدي عبد العزيز*

بعض إخواننا من اليسار العربي ينظرون لعقد (مصالحة تاريخية) مع قوى وتيارات التأسلم السياسي على أساس أن هذه القوى والتيارات تعبير ثوري عن آنين الطبقات العربية المنسحقة ويضربون مثلاً علي ذلك بثورة القرامطة وتجربة حزب الله وأظن أن هذا هو خلط شديد في الأوراق والرؤي من حيث تباين الظروف التاريخية والبيئية ومن حيث التباسات مفهوم الثورات عند هؤلاء المنظرون لتلك المصالحة التاريخية كذلك فإن الأمر ينطوي علي مغالطات كبرى فيما يتعلق بمحاولتهم فحص التركيبة الطبقية التي تحكم الإسلام السياسي واختلافها من مجتمع إلى آخر وعدم التحديد الدقيق بين الانتماءات الطبقية من حيث (الجذور والمنابع الطبقية) وبينها وبين الانتماءات التي تترتب على (التعبير عن المصالح الطبقية) وهذا يرجع إلي القراءات الجامدة التي لاتري غير أن البنيان الفوقي ماهو إلا إنعكاس للتحتي ويبدو أن الخلل في تبني قضية الإنعكاس (بقراءة ميكانيكية).

هم بالضبط مثلهم مثل بعض الرحالة حسني النية الذين شاركوا – عبر قراءاتهم الملتبسة بالأخطاء والخطايا – باقي غالب الرحالة الأوروبيين الذين قدموا إلى المنطقة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر للحركة في الترويج للوهابية داخل أوروبا علي اعتبار أن هذه الحركة هي (بروتستانت الإسلام) لتبرير دعم حكوماتهم لتلك الحركة أمام الشعوب الأوروبية (والأمر هنالك لم يكن بعيداً عن إيعاز من المخابرات البريطانية أو بعيداً عن مصالح شركة الهند الشرقية التي كانت توظف هؤلاء الرحالة).

وهذه واحدة

أما الثانية فهي استدعائهم النقلي لتجربة (لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية) بالقفز علي الفوارق الثقافية والتاريخية والجغرافية وأنماط التفكير الديني والعقائدي بل والفارق في أنساق الحياة وأطوار المجتمعات هنا وهناك.

ومبلغ اندهاشي من طرح هؤلاء أفكار المصالحة علي هذه الأسس في حين كوني لا أشك في اطلاعهم علي تاريخ السياسي والتراث الفكري والحركي لتلك التيارات وتجلياتها التنظيمية والحركية.

وأظن أن هناك معطيات لايمكن تجاهلها في هذا الشأن أهمها:

1 – أن نشأة الأفكار التأسيسية للتأسلم السياسي قد ارتبطت بتشوهات مجتمعية وشهدت ممارساتها الحركية الأولية إرتباطاً بنزعات الجماعات الرعوية البدوية المفعمة بثقافة الغزو والاستلاب واستباحة دماء الآخر الملاصق أو العابر وازدراء المدني والتعامل مع المرأة كممتلكات يمكن السطو عليها واغتنامها عند إخضاع الآخر القبلي والمختلف دينياً، وهذا ما شكل جزءاً أساسيا من السياق الإيديولوجي لغالب تلك الجماعات وعلى تنوعاتها وهذا ما أسهم في صبغها بصبغة العداء للحياة المدنية الحضرية وعدائها المتأصل لصيغ الديمقراطية والتقدم واقترنت بالممارسات الهيراركية (فكر الفرقة الناجية أو الطائفة المنصورة) وأصبحت منذ قيام المملكة الوهابية ثم باكستان أو دولة الملالي في إيران وكذلك مشروعها السياسي في مصر نموذجاً لفاشية الأطراف وما يمكن أن يتمفصل عن هذه المشاريع من أنماط عنصرية طائفية مذهبية للحياة تتعارض بشكل جذري مع مفاهيم التقدم بل وتشكل مشروعاً هائلاً لإنتاج التخلف وابتسار مسارات النمو وخنق مسارات التطور الإنساني في مناطق هيمنة هذه التيارات.

2 – أن غالب هذه الجماعات والتيارات وتفرعاتها السياسية تنشد هدفاً نهائياً أساسياً لا تتنازل عنه يتعلق بإقامة دولة الحاكمية بطابعها الطائفي سواء عبر دولة الخلافة أو الإمارة أو الإمامة أو دولة ولاية الفقيه وهذا نسق معاد تماماً للأفكار الأساسية التي يرتكز عليها كل ماهو ديمقراطي أو تقدمي في رؤيته لأنساق الحياة الديمقراطية وتتناقض مع المبدأ الأساسي الذي يرى في الشعب مصدراً للسلطات.

3- أن الغالبية الساحقة لتلك الجماعات والتيارات (إن لم تكن جميعها) يرى أن رابط الوطنية هو من قبيل الابتداع الذي يتعارض مع النسخ النقلي لتجارب السلف الصالح الذي يرى رابط الدين هو المحدد الرئيسي للأمة وبالتالي فإن أفكار مثل التحرر الوطني أو الإستقلال الوطني لا تشكل أساساً للتفكير عند هؤلاء إنما الأساس في هذا الشأن يكمن في النزوع نحو الدولة الإسلامية أو دولة الخلافة الإسلامية التي لاحدود لها سوى الدين الذي لا يتحدد بالحدود الوطنية بل بالرقعة البشرية التي تتحدد بالدين الإسلامي، وبالتالي فلا يمكن الحديث عن امتلاك غالبية هذه التيارات لمشروع وطني وبالتالي يصبح الحديث عن (لاهوت التحرير) أو (اليسار الإسلامي) حديثاً لا يتسم بالعلمية بقدر ما يمكن أن يقترن بما يشبه تشييد الأوهام الكبرى وترويجها لتتفاقم بذلك أزمات الوعي المزيف لدى شعوب الشرق الأوسط البائس.

4 – يضاف إلي ظاهرة افتقاد المشروع الوطني لدى غالب هذه التيارات والجماعات أن هذه التيارات في نشأتها قد تورطت في مشبوهية الارتباط التوظيفي بالاستراتيجيات الإستعمارية ويمكن هنا الإستناد لوقائع التمويل المبكر لتلك الجماعات واستجابتها للتوظيف منذ قيام العصابات الوهابية في هجر نجد والتي تمثلت ودور المستعمر البريطاني في إنشاء الرابطة الإسلامية في الهند (باكستان) أو الدور البريطاني في تقديم الدعم المالي للإخوان المسلمين في مصر ثم ما تلاه من الدعم الأمريكي للإخوان والجماعات السلفية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي عن طريق المملكة الوهابية السعودية ثم المساهمة الأمريكية في تمكين الإخوان من السلطة في مصر (وإن بدا أن ذلك تم عبر الصندوق الانتخابي) وبفضل سذاجة بعض القوى اليسارية والقومية والليبرالية (القوى التي تمثلت في اجتماع فندق فيرمونت الشهير عشية صعود الإخوان إلى قمة السلطة السياسية في مصر).

5 – أن ظواهر عداء هذه القوى والتيارات للاستعمار لاتعبر عن موقف تحرري وطني أصيل وإنما هي جزء من سياق العداء للآخر المختلف والذي يمكن التعامل معه أيضاً كموقف برجماتي إذا ما لاحت – عبر هذا الآخر – فرصة امتلاك أدوات تتيح تقوية ودعم وتمكين تنظيم تلك الجماعة أو ذلك التيار في لحظة تجل لحقيقة تلاقي المصالح الطبقية التي تتبناها تلك التيارات والجماعات بالمصالح الاستعمارية كسياق طبيعي لظاهرة تبعية الرأسماليات العربية لرأسمالية المراكز الاستعمارية.

6 – وفي سياق ما سبق، – ومع اقرارنا بدور حزب الله المقاوم للكيان الصهيوني في لبنان وكونه استثناءً قد يؤكد علي صحة القاعدة ولا ينفيها، ومع تقديرنا للظروف الاجتماعية والطائفية التي تمخض عنها حزب الله – إلا أننا لانستطيع التسرع في إطلاق مفهومية كونه حركة تحرير وطنية علي استقامة امتداداتها إلا بعد الوقوف على جوهر مشروع حزب الله وموقفه من القضية الفلسطينية باعتبارها صراع ديني أم صراع تحرر وطني ثم حقيقة خياراته ومصالحه الطبقية الحقيقية وهذا لايمكن أن تجيب عليه مقاومته للمشروع الصهيوني إلا إذا كان يقف مقاوماً في وجه ما يمثله المشروع الصهيوني من عداء لحركات التقدم في المنطقة وكمخلب قط شرس لقوي المركز الاستعماري العالمي والوقوف ضده كجزء من نضال القوى التقدمية العربية للتصدي لمخططات الهيمنة الاستعمارية علي المنطقة لا كجزء من عداء ديني لليهود ولا كجزء من سياق مشروع للدفاع عن الطائفة والمذهب وأحسب أن هذا لا يمكن التسرع بالجزم به ولا إلقاء الرهانات الكلية عليه في الوقت الآني والقفز إلى اعتباره (يسارا إسلامياً) أو (لاهوتاً للتحرير).

6 – أن افتراض وجود خط فاصل وسور عازل بين ماهو مسلح في تلك التيارات والجماعات وبين ماهو غير مسلح فهو أمر لايدل إلا علي ابتلاع صياغات أوروبية (صيغت لأغراض معروفة) وتسويق ساذج لفقاعة وهم ضخمة وجسيمة سيفيق منها الواهمون علي حقيقة أن (كل) تيارات التأسلم السياسي قد تمأسست نظرياً على أساس تخريجات فكرة (الفرقة الناجية) أو (الطائفة المنصورة) بمعنى التنظيم المذهبي الديني هو نفسه اختزال لفكرة (الجماعة) وما دونها هم المشركون (في حال عموم المسلمين فيما عدا اتباعهم باعتبارهم اتباع السلف الصالح) أو الكفار وهذا ما يعني لديهم (أصحاب الديانات الأخرى) وأن الأمر هنا (أمر الوصول لدولة الخلافة أو الإمامة أو ولاية الفقيه) يتطلب طريق واحد هو (الجهاد) والجهاد هنا تتوقف دعويته أو تسلحه علي ظروف تتعلق بقراءة كل تجل تنظيمي لهذه التيارات لطبيعة توازنات القوى وإمكاناتها والمخاطر المترتبة على الانتقال جزئياً أو كلياً لحالة التسلح بدليل أن غالبية قيادات التنظيمات المتأسلمة (الدعوية) قد مرت بفترات حملت فيها السلاح في مواجهة الدولة وغالبية أعضاء وقيادات التنظيمات المسلحة قد مرت بفترات (الجهاد الدعوي) وتاريخ غالب هذه القوى والتيارات هو تاريخ تنقل ما بين الجهاد الدعوي والجهاد المسلح لكنها (إلا فيما ندر) تشترك في ذهنية الإرهاب الفكري والتكفير علي أساس فكرة (الطائفة المنصورة) وهذا يحصر الفارق بين حمل السلاح وعدم حمله في اللحظة (التكتيكية) التي يمكن فيها حمل السلاح.

7 – أخيراً فإن سيادة مفاهيم مثل (الفكرة الناجية) أو ( الطائفة المنصورة) أو (الجماعة) أو (أهل السنة والجماعة) أو (جماعة أتباع السلف الصالح) كسياق إيديولوجي لتلك التيارات والجماعات تحولها إلى مشاريع صياغات ثقافية طائفية عنصرية للمجتمعات ومن ثم فإن هذه التيارات لايمكن أن تشكل مشروعاً لهوية منفتحة علي العقل ولا مشروعاً وطنياً تقدمياً وهذا يجعل استحالة أن يتمفصل عن هذه التيارات لاهوتاً للتحرير يمكن لليسار أو لأي قوى وطنية تقدمية إجراء المصالحة التاريخية المزعومة معه.

*قيادي في الحزب الاشتراكي المصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons