الثلاثاء , أكتوبر 17 2017

قانا .. الآلام احتجزتها ذاكرة الوجع

كتب : إيهاب القسطاوي*

على الرغم من مرور 21 عاما على مذبحة “قانا” إلا أن الضمير الإنساني لم يزل يتذكر تفاصيل هذه المذبحة، فعلى الرغم من هرولة وتطبيع الأنظمة العربية الخانعة، إلا أن موقف الشعوب العربية تجاه الكيان الصهيوني كما هو تتوارثه الأجيال، رغم المؤامرات الصهيونية لتحويل دفة العداء، ولكن سيظل العدو الوحيد لدى شعوبنا، هو هذا الكيان المجرم الذي لم يتوقف يوما عن ارتكاب عدد من المذابح فى حق الجميع، فصفحات الكيان الصهيوني مليئة بجرائم الحرب والإرهاب المستمر منذ زمن بعيد، وعلى الرغم من مرور العقود والسنوات، إلا أن هذه الجرائم لا تزال حاضرة في أذهان الضحايا الذين عايشوها.

يوم 18 أبريل/نيسان 1996، لا تستطيع الذاكرة الإنسانية نسيانه، فصرخات الأطفال واستنجاد النساء لا يزال يدوي في آذانهم، فضلًا عن جدران مدينة “قانا” التي لم تجف من الدماء بعد، إنها مجزرة “قانا” التي وقعت في المدينة الواقعة جنوب لبنان، لتكون شاهدة على واحدة من أكثر الجرائم الصهيونية وحشية وخسة فى التاريخ الإنساني على يد قوات الاحتلال، لتضاف إلى قائمة طويلة من المذابح التي ارتكبها العدو الصهيوني على مرأى ومسمع من العالم دون محاسبة أو ملاحقة.

عندما مررت على “قانا” فى زيارتى الأخيرة للبنان الكرامة، فى 16 أبريل/نيسان الماضي، وتحت بقايا أنقاض مبنى القوات الدولية، حيث مازالت تهيم أرواح بريئة، بحثا عن الثأر من عدو غادر، بعدما أنبت زعتر تعمد بالدم، من هنا، كانت المجزرة، مركز الكتيبة الفيجية العامة في “اليونيفيل”، يتحول إلى بقايا حطام، دماء تمتزج بالتراب الطاهر، جثامين بيضاء ملقاة وسط أطلال الدمار، أنين وآلام تتطهر بدموع الأمهات و صراخ الأطفال المذعورين، حالة من الحزن والأسى تخيم على المكان المتشح بالسواد، اهات ملائكية ترتفع لعنان السماء، اسماء عديدة وصور متدفقة ، قصص كثيرة من طفلة تنادي: “يا عمتي”، في احتضارها، إلى صراخ أم مكلومة، من دموع اب حزين الى طفل تمسك بصدر أمه التي انفصل رأسها في عصف الانفجار، وما انفصل عن حضنها وليد ترافقت وإياه من مخاضها به إلى مخاض الشهادة، من مشافي أخرجت المرضى افساحا في المجال للجرحى الآتين من كل قرى الجنوب.

على هذا الطريق شهدت كيف يمكن لمطر ربيعي قيل فيه أنه يحيي الإنسان، أن يستحيل دمعا تذرفه غيمات جبل عامل، حزنا وغضبا، لقد خفق قلبى، وعدت لآلام احتجزتها ذاكرة الوجع، عدت الى تلك الفترة المحملة بكثير من الأسى، سنوات عديدة مرت وتخللها التحرير عام 2000 وانتصارات 2006، لكن لا شيء يمحو أثر الدم عن وجنة جبل عامل، قانا والمنصوري والنبطية وكل القرى الجنوبية، التي تجرعت مرارة الفقدان وهول القتل الهمجي.

هنا أبريل/نيسان 1996 وأبريل/نيسان 2017، لا فرق فالمجزرة لم ولن تدخل إلى دائرة النسيان مهما تعالت شعارات تشويه الذاكرة، هنا أبريل/نيسان، ذاكرة الوجع الذي صاح غضبا الى حد النصر، لقد شكلت مجزرة “قانا” دليلاً دامغاً على عقلية الإرهاب الصهيوني الذي بث أحقاده في العدوان الذي تعرض له لبنان المقاوم في شهر أبريل/نيسان من عام 1996م، والذي أطلق عليه الصهاينة اسم حملة “عناقيد الغضب”.

“قانا” تلك القرية اللبنانية الجنوبية الوادعة، عانت كما عانى الجنوب من الاحتلال الصهيوني، ودفعت ضريبة الدم في 18 أبريل/نيسان 1996م، عندما كان العدو الصهيوني يقذف حمم بركان غضبه على المواطنين الآمنين، الذين التجأوا إلى إلى مركز الكتيبة الفيجية العامة في اليونيفيل هرباً من الموت وجنون العدو، قبل أن تلحقهم صواريخ الحقد الصهيونية التي اخترقت أسقف العنابر الأممية لتحولها إلى محارق ودخان وأشلاء، لكن وجودهم تحت حماية الأمم المتحدة، وفي ظل علم “السلام الدولي” الزائف والتى ارتكبت الآلاف المجازر تحت ظلاله، لم يشفع لهم فتساقطت القذائف بعد الساعة الثانية من ظهر ذلك اليوم، على مقر الكتيبة الفيجية التابعة للأمم المتحدة ما أدى إلى حدوث مجزرة رهيبة ذهب ضحيتها أكثر من مئتين امرأة وطفل وشيخ من أهالي قانا وصديقين ورشكنانيه وجبال البطم، الذين احترقوا وتطايرت أشلاؤهم لتسجل صفحة جديدة من صفحات الإرهاب ورغم كل هذا الإرهاب فقد تغاضت الحكومات، وخاصة الأمريكية، عن الأمر وحملت المسؤولية “للضحايا”، الذين رفضوا مغادرة أرضهم تحت تأثير التهديدات الصهيونية العدوانية.

لقد أنبتت الدماء الطاهرة مقاومة وصموداً طوت بين طياتها تاريخ مهين، تمثل فى اتفاقية العار “كامب ديفيد”، وسطرت صفحة من البطولة البيضاء، وسط سجل اسود غارق فى بحر من الخيانة وفي النهاية سوف تبقى “قانا”، الشاهدة الوحيدة على جرائم العدو وحلفاؤه من اصحاب السلام الدافى وسوف وتبقى ذكراها مدادا ومعين، يزيد من عزمنا وإصرارنا على محاربة عدونا الحقيقى الكيان الصهيونى.

*كاتب وباحث من مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons