قادة كبار وصغار على مسرح السياسة الدولية

كتب : محمد جبر الريفي*

خارطة السياسة الدولية في الظروف الحاضرة تكاد تخلو تماما من وجود قادة تاريخيين عظام يتحملون مسؤولياتهم الدولية في فض النزاعات الدولية وإبعاد العالم عن شر الحروب الإقليمية الأمر الذي من شأنه إطالة عمر الأزمات الدولية التي تعصف بالعالم وجعلها في عداد الأزمات المزمنة وبذلك تبقى تؤثر على الاستقرار والأمن الدوليين وتشكل مصدرا للمآسي الإنسانية التي تحدث كل يوم كالأزمة السورية وأزمة الإرهاب الدولي وأزمة التسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي وهكذا بغياب قادة كبار أصبح العالم اليوم خاضعا لسياسات وقرارات قادة صغار لا يهتمون بالسلم العالمي بقدر اهتمامهم بمصالح دولهم الحيوية التي كثيرا ما تتعارض مع مصالح الدول الصغرى خاصة دول العالم الثالث النامية ولو كان ذلك على حساب الأمن والاستقرار الدوليين معتمدين في ممارسة سياساتهم المصلحية على قواتهم العسكرية الضخمة المنتشرة في البحار والمحيطات والقواعد العسكرية التي تتواجد على أراض دول أخرى والتي يستعرضونها عند كل أزمة دولية (الأزمة الكورية الشمالية الحالية مع أمريكا).

لقد مضى الزمن التي كانت فيه مثلا منظمة دول الحياد الإيجابي وعدم الانحياز تلعب دورا هاما في حل النزاعات السياسية الدولية ومواجهة سياسة الاستقطاب الدولي بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي في التنافس على مناطق النفوذ في إطار الحرب الباردة وقد كان لقادة هذه المنظمة الدولية حضورا فاعلا على المستوى السياسي الدولي كالرؤساء نهرو (الهند) وتيتو (يوغسلافيا السابقة) وعبد الناصر (مصر) وسوكارنوا (إندونيسيا)..

مضى زمن الاتحاد السوفييتي السابق الصديق الذي كان يناصر حركات التحرر في العالم في قارات آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ورئيسه خروشوف الذي كان له الدور الكبير في كبح جماع السياسات العدوانية الغربية وكان له الفضل الكبير في وقف العدوان الثلاثي على مصر عام 56 من القرن الماضي وغاب عن فرنسا الآن رئيس عظيم مثل شارل ديجول الذي تفهم حق الشعب الجزائري في الحرية والاستقلال الوطني وبذلك انتصرت الثورة الجزائرية العظيمة على الاستعمار الفرنسي الذي دام عقودا طويلة تعرض بها شعب الجزائر لسياسة طمس هويته القومية والدينية.

ولم يعد للصين الآن رئيس وزراء مثل شواين لاي الذي اعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية بعد نشأتها بفترة قصيرة واستقبل رئيسها في ذلك الوقت السيد أحمد الشقيري وقد شكل الاعتراف الصيني في حينه انتصارا كبيرا للقضية الوطنية الفلسطينية على الساحة الدولية باعتبارها قضية تحرر وطني وليست مجرد قضية لاجئين تم اقتلاعهم من قبل الكيان الصهيوني العنصري الذي أقيم كظاهرة استعمارية استيطانية على أرضهم الوطنية التاريخية.

أين العالم اليوم الذي يموج بأزمات التطرف الديني والقومي والعرقي واحتكار العلم والتكنولوجيا وازدياد فجوة الهوة الاقتصادية والاجتماعية بين الدول الصناعية الكبرى والدول النامية وبين الشمال والجنوب وسيادة قيم الحضارة البرجوازية الغربية الاستهلاكية التي تعمل على تشويه الهوية القومية للشعوب.

أين العالم اليوم من هذه المظاهر السلبية التي تضغط على الوجدان والضمير الإنساني حيث لا يوجد به إلا قادة دوليين صغار أمثال الرئيس الأمريكي ترامب رجل الأعمال صاحب الثروة المالية الهائلة والشركات الاحتكارية والذي يفتقر لمقومات القيادة السياسية وغيره ايضا من رؤساء الدول الكبرى غير قادرين على تحمل مسؤولياتهم الدولية بل يعمل البعض منهم على تأجيج الأزمات الدولية بدلا من الإسهام الجاد على حلها.

*كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons