عباس الجمعة

عمليات بطولية كتبت تاريخ نضالي وبطولي ناصع

كتب : عباس الجمعه*

اللغة الوحيدة التي يفهمها العدو هي لغة العنف الثوري، وخيار المقاومة هو المنهج الرئيسي الذي سيجعل من الأرض الفلسطينية والعربية ميداناً أساسياً للصراع الطويل الذي تخوضه قوى المقاومة بمواجهة الاحتلال الاستيطاني، من هنا كانت عملية الخالصة البطولية، حيث أكد ابطالها إن القتال ضد العدو في كل أرض تطؤها أقدام جنوده هو النهج الذي نسير فيه حتى نصل إلى مرحلة نفتح فيها أوسع جبهة ضد العدو وتتحول إلى جحيم يحترق الغزاة بنيرانه، وإن المقاومة المسلحة لا يجب أن تقتصر على المناضلين وحدهم، بل أن لكل إنسان فلسطيني وعربي له دوره في مقاومة العدو وعلى كل مستوى، فلا تعامل مع العدو بل مقاطعة تامة لكل مؤسساته الاقتصادية أو المدنية أو السياسية التي يحاول خلقها، ولتترسخ أقدامنا في الأرض وتمتد جذورها إلى أعماقها، فنحن باقون على الأرض والاحتلال الى زوال.

نعم إن المعركة مع الاحتلال طويلة وقاسية، والمقاومة اليوم هي طليعة النضال الصامدة على امتداد الجبهة العربية، إن كل إنسان عربي مطالب اليوم بتقديم دعمه وتأييده الكامل لمسيرة الشعب الفلسطيني النضالية على كافة المستويات في مواجهة التحالف الصهيوني والاستعماري، وهذا بحاجة إلى ارتباط عضوي بين كفاح الشعب الفلسطيني وكفاح الشعوب العربية في مواجهة هذا الحلف الاستعماري، لأنه نفس الخطر ونفس الخصم ونفس المخططات، كما أن كفاح الشعب الفلسطيني مرتبط مع كفاح قوى الثورة والتقدم في العالم، فإن صيغة التحالف الذي نواجهه يتطلب تحالفاً مقابلاً تنظم فيه كافة القوى المعادية للإمبريالية في كل جزء من العالم.

من هنا نقف اليوم أمام مناسبات عظيمة كرسها ابطال ومناضلين عبر عملياتهم الجريئة ليكتبوا مجد فلسطين والأمة العربية والمقاومة الوطنية، ومجد الجبهة وبطولاتها وعظمتها هذه الجبهة الذي أشرف رمزها الشهيد القائد ابو العباس، ورفاقه على العديد من العمليات البطولية، فكانت عملية الخالصة البطولية باكورة العمليات الاستشهادية، والتي أتت بعد الاستعداد العربي لعقد صفقة سياسية مع العدو الصهيوني، حيث وجهت ضربة نوعية في عمق الكيان الصهيوني في بلدة الخالصة التي تسمى اليوم مستعمرة كريات شمونة، حيث أكدت هذه العملية في التوقيت والمكان، هي اختراق للعمق والمنظومة الأمنية ولكل الإجراءات العنصرية التي أقرتها حكومة الاحتلال في ذاك الوقت، وهي اعطت الزخم المعنوي للشعب الفلسطيني وعبرت عن الإصرار الفلسطيني لاسترجاع الحقوق الوطنية المشروعة، فكانت عملية الخالصة، وهي باكورة مدرسة قتال بخط جديد أسس لها وعمل على تأسيسها بعد المؤتمر الرابع للجبهة، وتم اختيار الكادرات والمدربين والمقاتلين الذين بإمكانهم تحقيق هذه الفكرة، وفي الخالصة تم اختيار الهدف بعناية ودقة وصدرت أوامر القتال بما يخدم الهدف السياسي الذي ستنفذ من أجله هذه العملية، وهنا لا يمكن أن ننسى دور الشهيد القائد فؤاد زيدان (أبو العمرين) القائد العسكري للجبهة آنذاك وعضو المكتب السياسي الذي كان يجهز مع رفاقه العملية البطولية، ورفيق دربه الشهيد القائد حفظي قاسم (أبو بكر) عضو المكتب السياسي للجبهة وقائداً لمعسكر”17″ حيث أثمرت جهود وأفكار الشهيد أبو بكر دورا اساسيا في هذه العملية، الذي استكمل الاشراف عليها مع رفيق دربه الشهيد القائد ابو العباس على عملية الخالصة، هذا النهج اسس للعمل الفدائي الفلسطيني في تلك المرحلة التي كانت تتطلب أنماطاً وأساليب جديدة، ففي الساعة الخامسة من صباح 11 أبريل/نيسان 1974، فكانت اقتحام مجموعة مكونة من ثلاثة من مقاتلي الجبهة، مستعمرة “كريات شمونة “، الخالصة، بعد اختراقهم الحدود، واختراق أجهزة الأمن الصهيوني، ونجح ابطال المجموعة حسب الخطة المقررة في الاشتباك مع العدو فتم احتجاز رهائن، وفي ظل عدم الاستجابة لمطالبهم فجر ابطال المجموعة انفسهم، وكانت خسائر الجبهة ثلاثة شهداء وهم ابطال العملية منير المغربي (أبو خالد) فلسطيني من مواليد 1954، احمد الشيـخ محمود، حلب، من مواليد 1954 , ياسين موسى فزاع الحوزاني (أبو هادي) جنوب العراق من مواليد 1954، أما خسائر العدو فكانت بالعشرات وقد اعترف العدو بـ 28 قتيلاً وعشرات الجرحى وبذلك تعتبر “الخالصة” من أنجح وأبرز العمليات القتالية في تاريخ العمل الفلسطيني حتى يومنا هذا، حيث أكدت الجبهة يومها على لسان القائد الشهيد ابو العباس بأننا قادرون على ضرب “تل أبيب”.

ومنذ انطلاقة جبهة التحرير الفلسطينية قامت الجبهة بالعديد من العمليات العسكرية الناجحة، حيث استطاعت الجبهة من استقطاب مقاتلين ثوريين من مختلف الدول العربية وأحرار العالم باعتبار القضية الفلسطينية قضية قومية وأممية، وان تحرير فلسطين هي مسؤولية كل الأحرار فكانت عملياتها البطولية تنطلق من أكثر من دولة عربية، حتى يكتمل حلم الشعب الفلسطيني بالخلاص من نير الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس.

ومن هنا كان الشهيد القائد ابو العباس ورفاقه يعطون الأولوية إلى خيار المقاومة وهو من أطلق شعار في الانتفاضة الأولى لينضم السلاح إلى الحجر، باعتباره الخيار الذي تلتف الجماهير حوله، من خلال عمليات بطولية ونوعية والحفاظ على مستوى النضال الوطني بكل أبعاده ومضامينه.

وفي انتفاضة الأقصى كان الرد من خلال كتائب طلائع التحرير الفلسطينية حيث قامت مجموعة شهداء فلسطين بتنفيذ عملية القدس الاستشهادية، بعدما قررت الصبية الجميلة عندليب طقاطقة، ابنة بلدة بيت فجار التي تقع على تلال تتوسط محافظتي بيت لحم والخليل، أن تضحّي بروحها فداء لتراب فلسطين وشهدائها وهواء الخليل والقدس وانتفاضة الأقصى، وكان ذلك صباح يوم الجمعة 12 / 2 / 2002 عقدت العزيمة على الشهادة، وفي عينيها ألق لا يفقد لمعانه، وفي قلبها حرارة للقاء تراب القدس عبر عمليتها الاستشهادية في القدس الغربية ، مؤكدة الرد على جرائم الاحتلال والدماء التي كانت تراق على أرض فلسطين، حيث أنبتت فيها روح الانتقام للشهداء والجرحى، وبعثت عبر أشلاء جسدها المتفجر الذي لا يزيد عن 40 كلغ رسالة إلى قادة الأمة العربية ليتحركوا لنجدة شعبنا الفلسطيني، مؤكدة لهم أن جسمها النحيل قادر على أن يفعل ما عجزت عنه الجيوش العربية، وتعتبر “عندليب طقاطقة” رابع امرأة فلسطينية تفجر نفسها في قلب مناطق الاحتلال الصهيوني؛ انتقاما لأرواح الشهداء الفلسطينيين الذين قتلوا بيد قوات الاحتلال الصهيوني، حيث قال عنها الشهيد القائد الامين العام ابو العباس ان عندليب صاحبة القلب الكبير قرّرت ونفّذت واعتبرت أن الطريق الوحيدة لتحقيق النصر والتحرير، لا تكون إلا بالمقاومة الباسلة، فهي عروسة فلسطين ونعاهدها على المضي في درب النضال حتى تحرير الأرض والإنسان.

إن مسيرة جبهة التحرير الفلسطينية الطويلة وتاريخها الساطع، وارثها النضالي والكفاحي العريق، و مؤسسيها وقادتها، اسم غني عن التعريف، في ساحة النضال الأرحب ضد الاحتلال والظلم والاضطهاد، وفي عالم الصمود والكفاح، فهي شكلت رافعة أساسية هامة للنضال الوطني الفلسطيني، وفي منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، واستطاعت بتميزها الفكري والسياسي والعسكري أن تسطر لنفسها ولشعبها وقضاياه العادلة تاريخا مشرقا، حافلا بالعطاء المتميز والمواقف البطولية والعمليات الفدائية الجريئة النوعية، وقدمت خلال مسيرتها العريقة آلاف الشهداء والجرحى والأسرى في كافة الميادين والأزمنة والمواقع هذا النهج في العمل النضالي الفلسطيني الذي كان يقوم به الشهيد القائد ابو العباس ورفاقه القادة طلعت يعقوب حفظي قاسم وابو العمرين وابو احمد حلب وسعيد اليوسف وابو العز، حسب المرحلة التي كانت تتطلب أنماطا وأساليب نضالية جديدة.

وهنا لا يمكن أن ننسى التاسع من أبريل/نيسان، وهو يوم مميز في الذاكرة كل المناضلين وكل الأحرار في العالم، ففي مثل هذا اليوم، شهد العالم مناضلة لبنانية عربية قومية ابنة الحزب السوري القومي الاجتماعي وجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، عروسة الجنوب سناء محيدلي، ابنة بلدة عنقون الجنوبية، أن تضحي بروحها فداء لتراب الجنوب وبكل جرأة وقناعة، وبكل عزيمة صادقة، أن تفجر نفسها في العدو الصهيوني، وقت كان يحتل جنوب لبنان، ويقتل الأطفال والنساء والرجال والشيوخ، ويدنس الأرض، فكان التاسع من أبريل/نيسان عام 1985، حيث قررت سناء بعملية الشهيد وجدي الصايغ، مؤمنة بأن الشعب صاحب حق، وبأنه أقوى من كل الصهاينة المغتصبين، فاعتبرت أن الطريق الوحيدة لتحقيق النصر والتحرير، حيث كتبت تاريخا مشرقا للبنان وفلسطين ولكل أحرار العالم.

وعندما نكتب عن عمليات بطولية في تاريخنا، نحاول أن نقترب من توثيق الفعل، و تدوين مسيرة شعب مكافح على طريق الحرية والاستقلال، وفي الكتابة نضيء شمعة متواضعة أمام وهج العطاء المستند إلى التضحيات المتواصلة منذ ليل النكبة الطويل، ومن أجل مواصلة طريق النضال الطريق الحقيقي نحو الانتصار.

نكتب وندون، عن عمليات هزت كيان العدو، وعن قادة ومناضلين ومناضلات بعضهم عاش وبعضهم غادر الدنيا دون ضجيج، وبعضهم ملأ الكفاح الفلسطيني والعربي صخبا وحضورا فقدموا حياتهم من أجل فلسطين، رغم غياب أسماء مجهولين ممن عبدوا الطريق بصمت فغادروا حياة الشعب وفلسطين في قوافل الشهادة.

إن فلسطين بهذه العمليات البطولية التي أكد فيها المناضلين العرب والأحرار من أصقاع العالم، ركزت على أهمية العمق العربي والأممي للثورة الفلسطينية، وكان هذا ينعكس إيجابا على معنويات المناضل الفلسطيني، عندما يرى أن الشعوب العربية ومناضليها مستعدون للتضحية في سبيل فلسطين، ونحن نتذكر أن كافة الثورات والانتفاضات العربية قبل النكبة شارك العرب جميعاً، كمواطنين، في الدفاع عن عروبتهم، فقصدوا فلسطين ليحاولوا إسقاط المشروع الاستعماري الذي يستهدفهم جميعاً في أوطانهم التي يريدون تمزيقها اليوم الى كانتونات طائفية ومذهبية ورسم سايكس بيكو جديد او شرق اوسط من خلال تعميم الفوضى الخلاقة.

سلام على شهداء الخالصة، وعروسة فلسطين عندليب طقاطقة، وعروسة الجنوب سناء محيدلي وكل شهداء فلسطين ولبنان والأمة العربية، ونحلق في فضائهم، نستدعي ما جسدوه من جميل المعاني، لتبقى وترتفع الراية عالية خفاقة، هذه الراية التي رواها رفاق مناضلون بدمهم من أجل تحرير الأرض، فقلتم لكل العالم قررتم الاستشهاد ليحيا أطفال فلسطين وكل أطفال الأمة العربية، وحتى تتحرر آخر حبة تراب من ارض فلسطين والأراضي العربية المحتلة.

وفي ظل هذه الظروف نؤكد على أهمية انتفاضة شابات وشباب فلسطين التي تشكل مرحلة جديدة من النضال الوطني الفلسطيني فى إطار الصراع العربي – الصهيوني، وهي تشكل أيضا نموذجا فريدا على مستوى النضال التحرري، من حقها علينا أن نحثها ونستنهض عزائم شبابها، وهذا يستدعي أن يعمل الجميع بإخلاصٍ من اجل اخراج الشعب الفلسطيني من حالة الانقسام والإحباط التي يعيشها في هذه اللحظة، وذلك عبر مساهمةٍ فعالة من كافة القوى والفعاليات السياسية حتى تحقيق أهداف الحرية والاستقلال وتقرير المصير وحق العودة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية.

ختاما: في ذكرى العمليات البطولية والتي شكلت تواريخها تلاحم الدم العربي فيها، العمل على الوحدة الوطنية ضمن إطار منظمة التحرير الفلسطينية ورسم إستراتيجية وطنية، ورفض الشروط الصهيونية الأمريكية، والتمسك بخيار المقاومة والنضال بكافة اشكاله، حتى نكون جميعا أمام مسيرة مجد رسمت بآهات وآلام الأسرى والجرحى والمعذبين، وصون المشروع الوطني الفلسطيني على طريق تحقيق أهداف شعبنا المشروعة في الحرية والاستقلال والعودة.

*كاتب سياسي فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons