الثلاثاء , أكتوبر 17 2017

أسبوع الآلام يقطر دماً

كتب : إيهاب القسطاوي*

لم يخطئ أسبوع الالام موعده، لا ليذكرنا بما تعرض له المسيح من أجل الإنسان، بل ليجدد الآلام، لتتحول إلى كابوس نئن منه جميعا، مع استمرار نزيف دماء المصريين، بسقوط 46 شهيدا و71 مصابا في أعقاب تفجيران يستهدفان كنيستين في طنطا والإسكندرية، مرة أخرى سعف نخيل أخضر يتعمد بالدم، أنين وألم امتزجت بها دموع السيدات والرجال مع صراخ الأطفال المذعورين من حالة الحزن والأسى التي تخيم على الحضور المتشح بالسواد، ترانيم ودقات أجراس الكنائس والصلوات ترتفع، لعلها تخفف عن هؤلاء المكلومين وتبرد لوعتهم على فراق أحبابهم، صور العذراء والمسيح تطل على جدران الكنائس، تطل بدفء ورحمة على الباكين من أهالي الضحايا، وكأنها تطمئنهم على ذويهم.

مرة أخرى تفجير كنائس وقتل العشرات من المصلين في عيدهم، مرة أخرى أشلاء الأقباط ودمائهم تمتزج مع حطام أيقوناتهم وبقايا كنائسهم، مرة أخرى يخفق النظام بحكمه الفاشي، ودولته البوليسية في حماية حياة وكنائس الأقباط، لقد امتدت يد الإرهاب الآثمة، لكي تحصد من جديد المزيد من أرواح الأبرياء في جريمتان بشعتان، استهدفت نساء وأطفال يصلون داخل محيط كنيسة مارجرجس في مدينة طنطا شمال القاهرة، والكنيسة المرقسية بالإسكندرية، والذي راح ضحيتهم العشرات من الأبرياء أثناء تأدية الصلاة داخل الكنيستين صباح الأحد، والذين لم يراعوا حرمة الأديان، ودور العبادة، والذين لم يرتدعوا أو يتوانوا عن اقتراف المزيد من حمامات الدم بحق الأبرياء من النساء، والرجال، والأطفال، والشيوخ العزل، واذ اتقدم بخالص العزاء والمواساة لأسر الضحايا، من الابرياء اغلبهم من النساء والأطفال، فإنها تكشف في الوقت نفسه عدم اكتراث السلطة وأجهزتها بأمن الأقباط وحمايتهم.

ان الفشل الأمني جزء من الفشل السياسي للنظام ككل، النظام وأجهزته القمعية لم يخفق فقط في حماية أرواح الأقباط وكنائسهم بل أن مجمل سياسات هذا النظام لا يمكن أن تؤدي إلا لمزيد من العنف والدماء والإرهاب والطائفية، نظام قائم على الاستبداد، وها هي أبواق السلطة بدأت تستثمر دماء شهداء كنائس طنطا والاسكندرية قبل أن تجف لصالح النظام، للمطالبة بالتوسع في المحاكمات العسكرية وتطبيق قانون الطوارئ، وتغيير قانون الإجراءات الجنائية، كما لو كان النظام بحاجة إلى المزيد من أدوات القمع والاضطهاد، فالجماعات الإرهابية فضلًا عن إزهاقها لأرواح الأبرياء تمنح النظام المزيد من المبررات للقمع والاضطهاد ومحاصرة أي عمل جماهيري بزعم مواجهتها للإرهاب.

أن حقوق الأقباط لن تتحقق إلا في ظل العدالة والديمقراطية الحقيقية، فقد أثبتت تجارب السنوات الماضية أن استغلال النظام للخطاب الديني وتوظيفه للمؤسسات الدينية لصالحه، لا يختلف عما تقوم به جماعات الإسلام السياسي، والطائفية التي يعاني منها الأقباط في ظل الجماعات الدينية لا تختلف عن طائفية النظام والتي وصلت للتواطؤ على الاعتداءات على منازل الأقباط وأديرتهم وتعرية النساء في صعيد مصر، وتهجير الأسر من بلادها، فضلًا عن المماطلة في إصدار قانون دور العبادة، وإصداره في نهاية الأمر في قالب طائفي.

إن المواجهة الحقيقية مع الإرهاب والطائفية لا يمكن أن تنفصل عن المواجهة مع الاستبداد والظلم الاجتماعي، وأي تنازل على أمل حماية الأقباط لا يعني سوى المزيد من الطائفية والإرهاب والاستبداد، لقد حدثت الكارثة بينما لازالت الدولة المصرية تتغنى بضرورة تجديد الخطاب الديني بينما ترعى كل أشكال قمع القوى التقدمية ومحاصرة كل الإبداع والفكر ومجاملة الأزهر الذي لازال ساحة لتدريس المناهج الغارقة في فتاوى التكفير والتطرف والاستباحة.

اننى احمل المسئولية كاملة لأجهزة الدولة التي أصبحت شريكة في صناعة هذا المشهد البغيض بسبب التجاهل المستمر وعدم الإقرار بأن ثمة سلوك طائفي تمييزي يجتاح ويضرب بجذوره داخل المجتمع المصري، وقد تجلى مؤخرا في حادثتين جديدتان، فإن غض الطرف والأحاديث التقليدية عن الحفاظ على اللحمة الوطنية وتماسك المجتمع والدولة، لم يعد ذو جدوى ولا ذي نفع، بل أصبح السبيل الوحيد لعلاج هذا الاجتياح الوهابي المتطرف، هو إعلاء مفهوم دولة القانون والدستور والسعي نحو دولة مدنية حقيقية بمفهومها الشامل التي تعلي من المواطنة ومن القيم المدنية، كذلك أن حالة استمراء ذلك الوضع الخطير سينتج عنه تراكمات تؤدي بشكل مباشر الى اشعال الموقف وضرب حالة السلام الاجتماعي في مقتل، وعلى الجميع ان يدرك ان التيارات الاسلامية الأصولية تتحمل الجزء الأكبر من حالة تغييب الوعي وإشعال الموقف وبث روح الكراهية والتحريض تجاه أي فئة أو جماعة أو فرد لا ينتمي إليهم وإن لم تقم مؤسسات الدولة بفرض سيادة القانون على الجميع دون تمييز فستصبح شريكة لتك التيارات في تحمل النتائج.

ختاما، اجدد لشركائنا بالوطن، أن ما أصابهم أصاب جميع شعب مصر وإناشدهم الترابط والحرص لمواجهة الفتنة ومن ورائها، وأن هذه العمليات الإرهابية لاتهدد حياتهم فحسب، بل تهدد حياة جميع المصريين وتعرقل نضالهم المشروع من أجل حياة حرة وكريمة، خالص مشاعري القلبية في مصاب الوطن الفادح في ضحايانا من أبناء شرفاء هذا الوطن الغالي. خالص التعازي القلبية لكل شركائنا بالوطن اخواتنا في الحلم والمصير وكل أسر الضحايا مع تمنياتنا بالشفاء العاجل لكل المصابين، سلمت مصر وشعبها من يد الإرهاب الأسود البغيض والمعتدين .. وتحيا مصر بأبنائها الشرفاء.

*كاتب وباحث من مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons