الثلاثاء , أكتوبر 17 2017

العدوان الأمريكي على سوريا .. محاولة لقطع الطريق على الجهود السياسية

كتب : عباس الجمعة*

العدوان الأمريكي على الأراضي السورية يثبت مرة أخرى الأكاذيب الأمريكية، كما جرى قبل احتلال العراق، حيث حاولت إدارة بوش إلصاق التهم بالعراق بأنه يمتلك أسلحة كيماوية، واليوم تفبرك إدارة ترامب ذريعة استخدام الأسلحة الكيميائية قبل التحقق دولياً من هذه الحادثة المفبركة في تواطؤ مفضوح مع المجموعات الإرهابية، علما أن السياسة الأمريكية التي سبقت هذا العدوان العسكري المباشر كانت تدل بشكل واضح على عدم جديتها في محاربة الإرهاب في سورية، حيث أتى هذا العدوان على مطار الشعيرات، بتنسيقٍ كامل مع دولة الكيان الصهيوني، ومع الأطراف التي لا زالت تصر وتعمل على تفكيك الدولة السورية، وهو محاولة لقطع الطريق على الجهود السياسية التي تقودها الأمم المتحدة لإيجاد حل سياسي يحافظ على وحدة سوريا وشعبها.

من هنا نرى أن العدوان العسكري الأمريكي على سوريا دليل قطعي على أن الولايات المتحدة الأمريكية أدركت إن مرتزقتها لم ولن تتمكن من الشعب السوري ودولته، وان هذا التدخل بشكل مباشر في المعركة، يضع روسيا أمام مسؤولية مباشرة حول التعاون مع الإدارة الأمريكية، هذه الإدارة التي تدعم الإرهاب ونشر الفوضى والاضطراب في المنطقة، وهذا ما حذرنا منه بعد احتلال العراق الذي دمرته امريكا بحجة الأسلحة الكيماوية، بهدف الوصول إلى سايكس بيكو جديد او شرق اوسط من خلال تفتيت المنطقة والعالم العربي الى كانتونات طائفية ومذهبية واثنية والسيطرة على ثروات ومقدرات المنطقة.

لذلك لا يمكن فصل هذا العدوان عن ما سبقه من تواجد أمريكي ميداني غير شرعي في شمال سوريا، بهدف التأثير في مجرى الأحداث الميدانية هناك، وترسيخ أسس التقسيم وفرض الشراكة في تقرير مستقبل سوريا، بعيداً عن دورها القومي وموقفها المعادي للكيان الصهيوني وأطماعه التوسعية في المنطقة.

وفي ظل هذه الأوضاع نرى انه على كافة الأحزاب والقوى العربية التضامن مع سوريا وشعبها، وتوحيد الجهود لمقاومة العدوانية الأمريكية في المنطقة والتي قد تشهد تصاعداً قادماً، وإدانة الأنظمة العربية الرجعية التي أيدت هذا العدوان، وتدعم قوى الإرهاب، ومخططات تدمير سوريا، وتفتح أبوابها لعلاقات تطبيعية مع الكيان الصهيوني.

إن الأوضاع الدموية الملتهبة في المنطقة، تشكل السمة العامة في المنطقة وخاصة في سوريا، إلا أن التبدلات التي جرت وما زالت تجري في الميدان ساهمت في فتح آفاق جديدة لاحتمالات إيجاد حلول من شأنها إيقاف الدمار والخسائر الباهظة في البشر والحجر ووضع حد للمآسي الإنسانية الكثيرة، فالتبدل في ميزان القوى على الأرض كان المدخل الأهم، إن لم يكن الوحيد، الذي كسر تصلب القوى الإرهابية وتشددها في أية شروط لتسوية الأزمة السورية، كما أن الوجود الروسي ألزم متعهدي هذه القوى وداعميها ومشغليها بالرضوخ إلى المعطيات التي أخذ يفرضها الميدان والتبدل في ميزان القوى على الأرض، إضافة لذلك فإن مخاطر الإرهاب التي أخذت تهدد العالم، وجرائم الإرهابيين في العديد من البلدان ساهم في بلورة موقف عالمي ضد الارهاب والارهابيين، وشكل رافعة إضافية للجهود المبذولة من أجل التسوية السياسية للأزمة.

وتبع ذلك سلسلة الانتصارات التي يحققها العراق في معركته ضد داعش، والخسائر المتتالية للإرهابيين جغرافياً وبشرياً في كل من سوريا والعراق، الأمر الذي يشير إلى قرب هزيمة داعش، وغيرها من قوى الإرهاب، وتبرز حالياً معطيات شديدة الوضوح تؤكد أن هزيمة داعش وغيرها من المنظمات الإرهابية لا تعني نهاية الخطط والأهداف التي بسببها تم دعم هذه القوى ومساندتها، فتطور الأحداث والتحركات المختلفة تؤكد من جديد أن الهجمة الإرهابية ضد سوريا على وجه التحديد لم تكن انتصاراً للديمقراطية وللشعب السوري، كما تدعي الدوائر الامبريالية والرجعية، بل كانت معركة النفط والغاز في المنطقة ومعركة المصالح المتعددة والمتباينة لدول الجوار على الصعيدين الجغرافي والسياسي على السواء.

ورغم هذا التقدم، الذي لم تراه إدارة ترامب لمصلحتها ومعها بعض الدول والقوى التي تقف وراء بعض المنظمات الإرهابية ، فكان لا بد من العدوان الأمريكي، حيث تذرعت أمريكا بحجج غير مقنعة ، حول الهجوم بغازات سامة الذي وقع في خان شيخون بريف إدلب قبل التحقيق الدولي.

ولم يتوقف الأمر عند تلك النقطة فقط، بل أخذت هذه الجهات تحتج على المصالحات التي تجري في مختلف أنحاء سوريا، وترافق ذلك مع الاعتداءات الاسرائيلية على الأراضي السورية، وتهديدات الإسرائيليين بأنهم سيحطمون مواقع الدفاع السورية، خاصة بعدما هاجمت الصواريخ السورية الطائرات الاسرائيلية المعتدية وإصابة إحداها، لهذا كان التدخل الأمريكي المباشر لوضع قدمها في سوريا تحت عنوان محاربة الإرهاب، علما أن السياسة الأمريكية المعلنة هو عدم مشاركة واشنطن المباشرة في القتال.

كما أن تأييد تركيا للعدوان الأمريكي هو المحافظة على مطالب محددة وفي مقدمتها عدم السماح بقيام إدارة ذاتية للكرد على حدودها الجنوبية، أي في شمال سوريا، كما أنها لا تخفي أطماعها في الموصل، وفي بعض الأراضي شمال حلب وادلب وغيرها، ولذلك فقد أرسلت قواتها لاحتلال بعض المواقع في سوريا بحجة مقاومة داعش، دون تنسيق مع الحكومة السورية، وهو ما يعني حركة احتلال مكشوفة، كما ترفض سحب قواتها من بعض الأراضي العراقية بحجج واهية وغير مقبولة.

وفي حين يرتفع عالياً شعار وحدة الشعب والأرض في كل من سوريا والعراق، فان أوساطاً عربية ودولية ومحلية في البلدين تدافع بحرارة مكشوفة عن سياسات تقسيم البلدين على أسس قومية وطائفية، ومن أخطر التوجهات في هذا المجال التركيز على الانقسام السني الشيعي في العراق، والتأكيد على ضرورة مقاومة إيران بالدرجة الأولى بدلاً من التصدي لداعش والقوى الارهابية التي تحتل الأرض وترتكب أفظع المجازر بحق الشعبين السوري والعراقي.

إن دعوات بعض الدول العربية بالتنسيق مع الادارة الامريكية الى جعل التصدي لإيران أولوية تسبق القضاء على الإرهابيين، ومحاولة توسيع التحالف المعادي لإيران، ورفض أية محاولات لتسوية أي خلاف بين الأطراف المعنية، مما يعقد موقف الدول العربية من سوريا ويضاعف الصعوبات أمام العراق، ويتلاقى موقف بعض الدول العربية هذا مع الموقف الاسرائيلي الذي يجاهر بالعداء لإيران وحزب الله ويعتبر ذلك أولوية على الكفاح ضد الإرهاب المجرم. أن الولايات المتحدة تعلن عدائها لإيران واعتراضها على سياساتها في المنطقة وسياساتها بالنسبة لاحتمال إنتاج السلاح النووي.

إن تعدد الخلافات بين دول المنطقة وتباين المصالح وانعكاس ذلك على سلوك المنظمات الإرهابية يساهم في تأجيج الصراع الدموي، ويعقد احتمالات التوصل إلى تسوية سياسية سلمية للأزمة في سوريا وإلى الوصول إلى أوضاع مستقرة في مرحلة ما بعد هزيمة داعش وأخواتها.

إن بعض الدول العربية ورغم كل التبدلات في الميدان على الأرض ومعها بعض المنظمات الإرهابية ما زالت تعتقد أن أية تسوية يجب أن تؤدي إلى تسليم السلطة للإرهابيين ولو على حساب المزيد من التدمير في سوريا على وجه الخصوص، وتعتبر نفسها الممثل الشرعي للشعب السوري، ولا تقبل بحق الشعب السوري في تقرير مصيره بحرية وديمقراطية بانتخابات نزيهة بإشراف دولي.

من هنا نرى أن دولاً عربية قاومت أية محاولة لاستعادة سوريا مقعدها في جامعة الدول العربية، وقاطع وزراء خارجيتها الاجتماع التمهيدي لوزراء الخارجية الذي عقد في القاهرة تمهيداً لمؤتمر القمة،علماً أن تجميد عضوية سوريا في جامعة الدول العربية سابقة خطيرة وتتنافى كلية مع ميثاقها، وفي الوقت الذي تمعن فيه بعض الدول بمعاداة سوريا والعمل على إبعادها عن محيطها العربي وتعريض كل مؤسسات وهيئات العمل العربي المشترك للخراب وتعطيلها بمختلف الوسائل، فإن علاقات هذه الدول تنمو وتتطور بشكل معلن وغير معلن مع حكومة الاحتلال الصهيوني وتلتقي معها في الموقف في سياسات موحدة إزاء المنطقة.

أن مختلف المؤشرات تؤكد على قرب هزيمة قوى الارهاب في سوريا والعراق، ولكن الوضع المعقد في سوريا وتعدد الأطراف التي تشارك في التدخل ينبئ بتعقد وصعوبة التوصل إلى حالة من الانفراج، بل هناك بعض التقديرات التي تشير إلى احتمال نشوء نزاعات من نوع جديد تشكل أرضية لاستمرار نشاط الإرهابيين رغم هزيمتهم، ومنها الموقف الأمريكي، ومن هنا تبرز أهمية بذل الجهود على الصعيد الشعبي والرسمي لإحباط نوايا الأطراف التي تستهين بتضحيات الشعوب ودماء أبنائها، سواء في سوريا والعراق وحتى في اليمن وليبيا وغيرها.

ومن الجدير بالذكر أن كل هذه الصراعات أو معظمها تتم باسم الدين، وتقف وراءها بعض قوى الإسلام السياسي، وهي بهذا الموقف تستمر في تشكيل سند لرغبات القوى الامبريالية والصهيونية وللرجعية العربية.

إن الرد الروسي الأولي كان بإلغاء تفاهمات تنسيق الطلعات الجوية مع أمريكا وتعهدها تسليح الجيش السورى بدفاعات جوية جديدة يؤكد على جدية روسيا فى عدم ترك المسرح لسياسات ترامب كلاعب وحيد فى المنطقة، لذلك فإن أوضاع المنطقة مقبلة على تعقيدات جديدة ستفتح فيها موجات التدخل العسكري من أكثر من طرف للتدخل في رسم خرائط النفوذ لكنها أكثر وضوحا فى تحديد المعسكرات.

أن المنطقة العربية الغنية بثرواتها وإمكاناتها هي أكثر مناطق العالم استنزافاً بالحروب والصراعات، وأكثرها عرضة للمزيد من المصاعب التي تسمح بنهب ثرواتها ومصادرة قرارها المستقل، ويضعها أكثر فأكثر في فخ القوى الامبريالية والصهيونية المعادية لشعوبنا العربية وتقدمها.

ختاما: لا بد من القول، على كافة الاحزاب والقوى العربية العمل على تشكيل جبهة شعبية عربية وتوسيع رقعة النضال على الصعيد القومي، والعمل على هزيمة الإرهاب والدفاع عن حق الشعب العربي الفلسطيني في إنهاء الاحتلال، وإقامة دولته المستقلة على أرضه وعاصمتها القدس، والعمل على تحقيق التقدم لشعوبنا في مختلف المجالات.

*كاتب سياسي فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons