الثلاثاء , أكتوبر 17 2017

أمريكا، مثل الشيطان، لا تتغير

نشرت صحيفة الأخبار اللبنانية في عددها الصادر، صباح السبت 8 أبريل/نيسان الجاري، مقالا للكاتب إبراهيم الأمين، ناقش فيه العدوان الأمريكي على سوريا فجر الجمعة، أشار فيه الكاتب الى أن ترامب، ربما، أرادها ضربة محصورة مؤكدا على أن روسيا لن تبلع الضربة.

جاء في المقال:

ليس بالأمر السهل توجيه الشكر الى عدو على أفعاله المجرمة. لكن، في حالة الولايات المتحدة الأمريكية، يبدو من الواجب شكر قيادتها على إعفائنا من بذل جهد كبير، وتمضية وقت طويل في محاولة إقناع الأقربين قبل الأبعدين بأن أمريكا، مثل الشيطان، لا تتغير. إنها الدولة التي تعيش على موت الآخرين.

قرار دونالد ترامب بشنّ العدوان على سوريا كان أمراً مريحاً. لقد عانى العالم أياماً عصيبة من الانتظار، حاول خلالها الرئيس المجنون أن يظهر صورة مختلفة عن أسلافه. لكن المشكلة ليست في سلوكه. إنها المؤسسة. إنها مصدر القرار الذي لا يقف عند حسابات رئيس أو حزب أو فريق. إنها غرفة النقاش والتباين حول أي نوع من القتل يراد تنفيذه بحق من لا ينتظم في الصف. وكل تباين يبرز، ولو لبعض الوقت، لا يعدو كونه مساحة إضافية يحتاج إليها صاحب القرار، كي يختار الوسيلة التي تناسبه للقيام بالفعل نفسه: القتل!

ترامب ليس باراك أوباما، بل هو أقرب الى جورج بوش. إنه جنون العظمة الذي يحتاج الى دماء كثيرة، لإثبات الذات بين أهله وبين نظرائه وعند شعوب يعتقد أنه الرجل الذي اختاره الله ليحكمها.

عقلانية باراك أوباما لم تكن هي العنصر المحدد لسياسات أمريكا الخارجية. أوباما لم يبادر، فقط حيث لا يمكنه المبادرة. في صيف عام 2013، كان أهل القرار في أمريكا يبحثون في عدوان هدفه إطاحة الرئيس بشار الاسد. وهو هدف لم يكن ممكناً تحقيقه بغير طريقة. لكن حسابات بسيطة، جعلت أهل القرار الأمريكي، قبل أوباما، يدركون أن المهمة صعبة التحقق.

صحيحة هي الأنباء عن أن ترامب كان أسير حسابات جعلته يغطي المغامرة الأمريكية الجديدة في منطقتنا. تبدو حساباته الشخصية متصلة بكسب رضى النخبة الأمنية والعسكرية والإعلامية في أمريكا نفسها، وفي العالم الأبيض أيضاً. اقتنع بأن هؤلاء يقبلون به مجنوناً، شرط أن يقتصر جنونه على أفعال تطابق ما فعله في سوريا أمس. لكن ترامب، وجد نفسه مضطراً، مباشرة بعد تنفيذ العدوان، الى تذكير فريقه الضيق، قبل أهل القرار، بأنه نفّذ ما طلب منه ضمن حدود ضيقة. لكن صراخه سيُسمع فقط داخل أمريكا. أما كرة النار التي ألقى بها في بلادنا، فلن تُسحب، كأن شيئاً لم يحصل.

اليوم، تفيد جردة سريعة لعشر سنوات من الحصاد الأمريكي في منطقتنا، لتلمس حجم المغامرة، وحجم النتائج:

فشل مشروع احتلال العراق، وتعثر مشروع التغيير في أفغانستان، وسقط مشروع إسقاط الحكم في سوريا، ولم تنجح كل المساعي في استعادة النفوذ في لبنان. وكل جنون الحلفاء في “إسرائيل” والجزيرة العربية لم يفد في تعديل المشهد. حتى الاتفاق النووي مع إيران لم يكن له أي تأثير على الملفات الشائكة. وسنوات عشر من إطلاق أيدي العملاء والأزلام لم تنفع في شيء، ما جعل أهل القرار في أميركا يعودون الى الحقيقة المرة: علينا أن نقوم بالأمر بأنفسنا!

ما جرى، فتح شهية الاعداء المنتشرين من حولنا على التفكير في أمور كثيرة. في الأردن و”إسرائيل” وتركيا ودول الجزيرة العربية، يرقص الحاكمون فرحاً بوصلة الجنون. لكن هؤلاء يعرفون أن تورط أمريكا المباشر يعطيها الحق الحصري في تحديد هامش المناورة أمام العملاء الذين سيجهدون في محاولة إقناع أمريكا بتطابق الأهداف والوسائل. وهذا، بحدّ ذاته، ما سيعزز لدى محورنا الاقتناع بأن المواجهة التي انطلقت شاملة، ها هي تعود اليوم شاملة، لا تحتمل المناورات المطاطة، ولا تحتمل المزيد من الخداع. لقد أراحنا ترامب من مسلسل الاكاذيب المستمر من قبل الأتراك والأردنيين ودول الخليج العربي. كذلك سهّل علينا وضع إسرائيل أمام خيارات الضرورة.

ترامب، ربما، أرادها ضربة محصورة، ومعروفة الإطار والحدود، ويريد من روسيا أن تتفهم حرجه، وأن تغضّ الطرف، وتبلع الضربة، ولا بأس في أن تعود الأمور الى ما كانت عليه قبل العدوان. لكن هل هذا ما سيحصل؟

بالتأكيد، لا. وبالجزم ان أراد البعض.

ما حصل، فتح صفحة جديدة في الصراع العالمي القائم فوق بلادنا. وما فعلته أميركا سيجلب رداً واضحاً من روسيا وإيران وسوريا وقوى المحور كافة. وهو ردّ، مهما كان ثمنه، سيبقى أقل كلفة من أي صمت. وهو ردّ لا يجب الذهاب بعيداً في تخيله. إنه الرد الذي يعطّل كل مفاعيل الضربة على صعيد المواجهة الدائرة في سوريا، أو في ما يخصّ الإقليم من حولها. وربما، سيترحم الأمريكيون وكل حلفائهم على ما شهدوه في المواجهات السابقة مع المجانين في سوريا والعراق. أما التورط في تدحرج على الساحة السورية، فهذا يقودنا الى اليوم المنشود، يوم تقع المواجهة الشاملة التي لا مفر منها، لتحقيق أي تغيير حقيقي في عالم المجرم الابيض!

المصدر: الأخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons