فريدة النقاش: الغرب يقدم دليلاً آخر ساطعا ومشينا على الازدواجية الاستعمارية

نشرت صحيفة “الأهالي” الأسبوعية المصرية-لسان حال حزب التجمع، في عددها الصادر صباح الأربعاء 29 مارس/آذار، مقالا للكاتبة فريدة النقاش، قارنت فيه بين متابعة الإعلام للعملية الإرهابية أمام مبنى البرلمان البريطاني، والأحداث الإرهابية التي تقع في أي بلد عربي أو إفريقي.

جاء في مقال الكاتبة:

لا يستطيع أي متابع نزيه للشأن السياسي العالمي والمحلي أن يمنع نفسه من المقارنة بين ردود الأفعال المتعلقة بوقائع الإرهاب، حين يقع الإرهاب في بلد أوروبي وحين يقع إرهاب أشد منه عنفاً وتدميراً في بلد عربي أو إفريقي.

وجدت نفسي تلقائياً أمام هذه المقارنة حين وقعت العملية الإرهابية أمام مبنى البرلمان البريطاني وذهب ضحيتها أربعة مواطنين وسقط أربعون جريحاً، وفي نفس اليوم حملت لنا الصحف خبر إستشهاد إثنى عشر عسكرياً وشرطيا مصريا في سيناء بينهم ثلاثة ضباط.

صحيح أن مثل هذا الخبر الأخير يتكرر الآن في مصر منذ ثلاث سنوات وبعد أن اسقط المصريون حكم الإخوان، وكأن اصطياد الجنود والضباط في سيناء قد أصبح حادثاً عاديا من وقائع الحياة اليومية في البلاد يتجاهله الإعلام الأوروبي والأمريكي.

والمقارنة بين الضجيج السياسي والإعلامي الذي تبع حادث الدهس أمام البرلمان البريطاني، وبين اللامبالاة شبه المطلقة من قبل هذا الإعلام نفسه أو دوائر السياسة الاوروبية والأمريكية تقدم لنا أي المقارنة دليلاً آخر ساطعا، ومشينا على الازدواجية الاستعمارية لا فحسب فى السلوك والمواقف السياسية، وإنما أيضا فى المشاعر والأحاسيس التي تصبغ هذا السلوك وهذه المواقف إزاء الألم والخسائر البشرية، وهي مشاعر وأحاسيس معجونة بالاستعلاء والعنصرية، وكأن دماء المصريين وغيرهم من شعوب المستعمرات السابقة هي من نوع أدنى من دماء الأوروبيين الذين كانوا فى يوم من الأيام سادة العالم، وحين سقطت هذه السيادة بقيت الأفكار والمشاعر والقيم الاستعمارية راسخة فى نفوس الحكام والمتنفذين، وفي دوائر الإعلام والدعاية.

فإذا عدنا إلى الوراء عقدا من الزمان لنتذكر كيف كانت الاستجابة الإعلامية والسياسية لسقوط الضحايا الإنجليز والأمريكيين حين غزوهم للعراق عام 2003.

إن تجاهل السياسيين والإعلاميين حقيقة سقوط مليون عراقي في هذه الحرب، فضلا عن تدمير البلاد، وحل جيشها ومؤسساتها. وكأن هذا كله شئ طبيعي، بينما جرى التأكيد بصور شتى على سقوط بضعة آلاف من الجنود الأمريكيين والبريطانيين على أرض العراق، وأقيمت السرادقات لتأبينهم ومواساة عائلاتهم دون أن يذكر أحد شيئاً عن المأساة الفعلية التي تعرض لها شعب العراق، وهو يدفع وحده فاتورة عودة الاستعمار العسكري الذي كانت حركات التحرر الوطني قد قضت عليه.

أما ما يجري فى فلسطين كل يوم، والمذابح فى سوريا وليبيا واليمن والعراق فهي موضوعات يجري الإشارة لها حقا فى الإعلام الأوروبي والأمريكي، وينشغل بها بعض الساسة الذين يدعون أنهم يسعون للتوصل إلى حلول عادلة، وبالطبع دون التفات لحقيقة أن مصانع أسلحتهم التي تدر أرباحاً بالمليارات هي التي تمول هذه الحروب مقابل استنزاف ثروات هذه البلدان حتى آخر نقطة نفط فيها، مع اضعاف الدولة لتسهيل اسقاط البلدان فى التبعية المطلقة.

ولكن علينا أن ننظر إلى الواقع الأوروبي الأمريكي فى كليته فمثلما يتعامل الحكام والإعلام المعبر عنهم غالبا بلا مبالاة مع البشر الآخرين السود أو المسلمين الذين يسعى “ترامب” لمنعهم من دخول الولايات المتحدة الأمريكية فإن قوى المواجهة للسلوك والفكر الاستعماري الاستعلائي العنصري تتواجد هناك أيضا ويتزايد نفوذها رغم الهزائم المتلاحقة التي تلقتها، فهناك حركة دعوة لمقاطعة “إسرائيل” في غالبية الجامعات الأمريكية، وهناك قضاة اتسموا بالشجاعة والنزاهة وتصدوا لعنصرية الرئيس الأمريكي، وهناك فنانات وفنانون تصدوا له، وهناك صناعة سينما قرر بعض ملاكها إنتاج أعمال فنية تتضمن الفضح والإدانة لكل ما هو عنصري ومعاد للإنسانية، وهناك وسائل إعلام تتوخى كشف الحقائق وفضح الفساد، ومقاومة العنصرية كما يحدث الآن في فرنسا، وفى الكثير من البلدان الأوروبية، وهي تتعامل بإنسانية راقية مع الخسائر البشرية إينما وقعت.

وتتعامل السلطات في بلداننا مع المكونات الرسمية في هذه البلدان وهذا طبيعي في عالم السياسة، ولكن الالتفات للمكونات الأخرى في هذه المجتمعات أصبح فرض عين، وللأسف فإن السلطة لا تعتبر هذه المهمة من أساسيات عملها، بينما هي تحاصر المجتمع المدني الذي يمكن أن يقوم بهذه المهمة التي تكتسب طابعاً تنويريا ومعرفياً كبيرا بوسعه أن يغذي روح المقاومة ضد الإرهاب والاستغلال معاً، ويكسب الأنصار على المستوى العالمي لهؤلاء الذين يكافحون من أجل تحرر بلدانهم، والذين يتطلعون لوضع أهداف الموجات الثورية موضع التنفيذ، ومثل هذا الهدف الأخير يزعج بعض دوائر السلطة التي تسعى للتخلص نهائياً من كل ما يذكر الشعب المصري بروحه الإيجابية وبانتفاضاته وأهدافه التي لم تتحقق، وتتوافق هذه الدوائر في موقفها ومشاعرها دون أن تدري مع التوجهات الاستعلائية العنصرية للاستعماريين الجدد.

المصدر: الأهالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons