الوضع البروليتاري العربي وسياسات اليسار

كتب : نضال زرقط*

إن دراسة السيرورة التاريخية لتقدم المجتمع العربي، التي كانت دائما متعلقة بإحدى زواياها بالتعبئة الانقسامية والطائفية، تبين ان العامل العربي (المزارع أو الحرفي الصغير أو العامل في منشأة) غالبا ما يكون مستبعدا عن الدائرة السياسية والعمل فيها… وأنه لمفارقة كبيرة مقارنة وضعه بوضع برجوازي متخم رغِد نضِر، في ظل نظام رأسماليّ طائفي مسيطر. وبالتعمق بالروح الفكرية لشريحة كبيرة من العمال العرب نرى مدى انسياقهم للدعاية الرأسمالية التي تسوِّق للنظم القائمة في العالم العربي، ونلاحظ انحسار الفكر بطبقة من المثقفين – وذلك أيضا يعود لما ذكرناه آنفًا- الذين يعجزون عن تحقيق أي مآرب للبروليتاريا العربية.

ومن منطلقات الرؤية كطرف بروليتاري ناقم على الأوضاع القائمة، فإننا نرى أن الطبقات المنسحقة في العالم العربي لا تزال عالقة بالأفكار الرجعية الراديكالية التي اكتسبتها نتيجة “البروباغاندا” التي تمارسها البرجوازية. وبسبب الرجعية الفكرية وغياب المراجع والقادة الذين يقودون الحركة اليسارية الثورية العربية، وانتشار الانتهازية والوصولية في أحزابها، شَرَعَ العمال ينقادون شيئا فشيئا نحو أفكار رأس المال الرجعي، حيث أصبح العامل العربي وجهةُ نظره رأسماليةٌ من مستوًى منسحق مُتْرَعَةً ومتخمة بالتبعية العمياء، حيث أصبحت أفكاره من منطلقات السلطويين العرب! وتلقائيا صار من الفئات الجماهيرية التابعة لهم، ليخسر إذّاك العربي قدرته على نقد الأنظمة الحاكمة ويدعم الطبقة الأرستقراطية، وهو أصلا في صفوفها الجماهيرية رغم نقمته عليها، فقد قال المفكر مهدي عامل بهذا الصدد: “يطربك، فيشل فيك قدرة العقل على النقد، فتستسلم لمنطلقات فكره”.

ان العامل العربي غالبا ما ينزلق في ميدان الصراع الطبقي نحو الرأسماليين، فيصبح في ممارسته الأيديولوجية والسياسية تابعا للفكر الليبيرالي بشكل بحت، وعندما بصبح العامل متعصبا للأفكار الرأسمالية، والطائفية -في العالم العربي- يصبح دور اليسار العودة للوراء والقيام بنقد ذاتي، من اجل إعادة تأسيس أحزابه، والتوجه نحو تشكيل هيكلية جديدة مبنية على افكار تقدمية، ووضع خطة عمل تثقيفية واستقطابية، ورؤية جديدة – محكومة بضرورات منطقنا الداخلي- للواقع السياسي-الاقتصادي والاجتماعي العربي، والبدء بمشروع تعبئة فكرية قائمة على توعية الجماهير والفئات الشعبية على حقوقها الاقتصادية-الاجتماعية، وتحسين احوالها بالعمل (لأنه -في الوضع الراهن- يصعب على اليسار العربي ان يقوم بخطوة تقدمية في السيرورة التاريخية للمجتمع لتغيير النظم الاقتصادية-السياسية)، وحثها على إعادة التدقيق في الأفكار الليبرالية التي اكتسبتها من الدعاية السفسطائية للطبقة الحاكمة التي تسيطر على مقدرات المجتمع في ظل النظام البرجوازي، وان تباشر في المراجعة الفكرية لما اكتسبته من أفكار تضليلية وغوغائية في كنف التضليل الرأسمالي الامبريالي لها، والتي غرَّقتها في دوامة الانقسام الطائفي، المذهبي، الأيديولوجي.

ان الجمود الفكري الذي يسود بين افراد الطبقة المنسحقة اقتصاديا، هو العامل الأساس الذي يعطل العمل النضالي في سبيل تحطيم الحواجز التي تحد من قدرة الأحزاب والحركات الثورية على التغيير الديمقراطي السلمي، وحتى العنيف أحيانا، حيث ان أوَّل عمل يفترض باليساريين القيام به في طريق التبديل في اوضاع العالم العربي هو العمل على ان تكون التعبئة سياسية-اقتصادية واجتماعية بحتة، بعيدة عن كل أنواع تدخل الفلسفة في أي جانب من جوانبها العملية، والعمل على تكوين فئة شعبية واعية تتمتع بالحس الثوري الانتمائي الطبقي الذي يخوِّلها استنهاض نفسها مما هي فيه من تبعات سيطرة النظام الرأسمالي-الطائفي على العالم العربي بكل أطيافه، وبالتالي الخروج بنظام وسيط يكون نقطة الانتقال نحو مرحلة اكثر ارتقاءً في مستوى الوطن العربي من التقدم التاريخي للأمم، إذ يكون تمهيدا للخروج بنظام يساري والبدء بتجربة شيوعية او اشتراكية جديدة، تقوم على فكر ماركسي-لينيني محدَّث ليكون قابلا لتفادي الأخطاء التي ارتكبت في التجارب الاشتراكية السابقة والتي وُصِفَت بالفشل.

ان الحركة العمالية في عالم اليوم تمر بإحدى أعتى حالات ركودها على مستوى القواعد الشعبية الجماهيرية، وذلك بسبب السيطرة الرأسمالية -المأزومة- على الفئات السائدة وبالتالي فإنه من الصعب منطقيا وعمليا ان يحصل تغيير تاريخي على الأنظمة القائمة، إلا من خلال التوعية المذكورة أعلاه -وهي ضرورة تاريخية- شرط أن تكون أوسع نطاقا وأوفى تطبيقا وأكثر تناسقا مع الضمير الجمعي للجماهير العربية العاملة. لأنه، وفي ظل الأوضاع الحالية للبروليتاريين، يجب أن يكون اليسار متأقلما مع النقطة الحالية من السياق التاريخي للمجتمع المتمثلة بأعلى درجات الرأسمالية التي يمكننا اختصارها بما يسمى بالإمبريالية أحادية القطبية -الرأسمالية، الرجعية والطائفية- في العالم العربي.

فإن التغيير السياسي اليوم أصبح ضرورة ملحة في سبيل أخذ منعطف صحيح على نهج الترميم الأولي للحركة اليسارية -العربية خصوصا- من اجل التوسع على تحويل مسار السياسات القائمة في المنطقة العربية، ومن أجل تغيير واقع الانكماش في الشعبية الجماهيرية للأحزاب اليسارية، في سبيل إصلاح الأخطاء السابقة وتغيير التحالفات وظهور وجوه يسارية جديدة من أجل قيادة اليسار نحو الإصلاح وإقصاء السياسات الفاشلة، وفرض وجود الحركات الثورية العربية، وإحداث التغيير باعتباره ضرورة موضوعية، ليؤدي نهايةً إلى نظام يساري قائم على ديمقراطية شعبية، كانعكاس لتغيرات عميقة في الاقتصاد والحالة الاجتماعية والوضع الطبقي للبروليتاريا العربية، منهيا بذلك المرحلة التاريخية القائمة على تفوق الرأسمالية الطائفية وهيمنتها، والتي كانت، بالتالي، في وقت ما طبقة معادية لأي تحول ثوري في زمن ذروة السيطرة التحجرية التعصبية الرجعية.

*لبنان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons